تفسير القمي: تحليل نقدي معمق لمعالمه التاريخية وأهميته الحديثية والتفسيرية - فاضل الريس

إنارات فقهية يوليو 31, 2024 أغسطس 21, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 تفسير القمي: تحليل نقدي معمق لمعالمه التاريخية وأهميته الحديثية والتفسيرية

مقدمة:

يُعد تفسير القمي، المنسوب إلى الشيخ علي بن إبراهيم القمي، أحد أقدم التفاسير الشيعية وأكثرها إثارة للجدل. وقد تناول الشيخ حيدر حب الله في محاضرته تحليلًا نقديًا لهذا التفسير، مركزًا على جوانبه التاريخية والمنهجية، ومثيرًا تساؤلات حول نسبته إلى القمي، وموثوقية رواياته. يهدف هذا البحث إلى تقديم دراسة معمقة لتفسير القمي، مستندة إلى أدلة وشواهد من مصادر مختلفة، مع التركيز على الجوانب التالية:

  1. المؤلف وتفسيره: التعريف بالمؤلف علي بن إبراهيم القمي، وتسليط الضوء على مكانته العلمية في التراث الشيعي.
  2. ملامح التفسير ومنهجه: تحليل أسلوب التفسير ومحتواه، مع التركيز على الاعتماد على الروايات، والطابع التاويلي.
  3. نسخ التفسير ومخطوطاته: استعراض أبرز النسخ والمخطوطات المتوفرة لتفسير القمي، ومناقشة التغييرات التي طرأت عليها عبر الزمن.
  4. إشكالية نسبة التفسير: عرض الأدلة التي تشكك في نسبة التفسير إلى علي بن إبراهيم القمي، ومناقشة النظريات المختلفة حول المؤلف الحقيقي.
  5. قيمة التفسير في علم الرجال: تقييم حجية مقدمة التفسير في توثيق الرواة، ومناقشة آراء العلماء المختلفة في هذه المسألة.

الفصل الأول: المؤلف وتفسيره

يُعتبر أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي (ت. حوالي 307 هـ) من أبرز علماء الشيعة في عصر الغيبة الصغرى. وقد حظي بثناء كبير من علماء الشيعة، حيث وصفه النجاشي بأنه "ثقة عين من أصحابنا"، وروى عنه الشيخ الكليني في كتاب "الكافي" أكثر من 7000 رواية. ومع ذلك، فإن المعلومات المتوفرة عن حياته قليلة نسبيًا، ولا توجد تفاصيل دقيقة عن تاريخ ولادته ووفاته.

ينسب إلى علي بن إبراهيم القمي تفسير كامل للقرآن الكريم، يُعرف باسم "تفسير القمي". ويُعد هذا التفسير من أقدم التفاسير الشيعية، حيث يعود إلى القرن الثالث الهجري. ويتميز التفسير بطابعه الشيعي الواضح، حيث يعكس معتقدات الشيعة الإمامية في العديد من المسائل العقدية والتاريخية.

ملامح التفسير ومنهجه:

يعتمد تفسير القمي بشكل أساسي على الروايات المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام في تفسير القرآن الكريم. ويعتبر القمي هذه الروايات مصدرًا رئيسيًا لفهم معاني الآيات القرآنية وتأويلاتها. ويتجلى ذلك في كثرة الروايات التي يوردها في تفسيره، والتي تتنوع بين الروايات المرفوعة والموقوفة والمقطوعة.

يتبع التفسير منهجًا تاويليًا في تفسير الآيات، حيث يقوم بتطبيق الآيات على أهل البيت عليهم السلام أو على أعدائهم. ويسعى إلى إظهار أن القرآن يشير إلى أهل البيت ومكانتهم، ويحذر من أعدائهم ومخططاتهم. ويتجلى هذا المنهج التاويلي في تفسير العديد من الآيات، مثل آية التطهير، وآية المباهلة، وآية الولاية.

أمثلة على المنهج التاويلي:

  • تفسير آية التطهير: يفسر القمي هذه الآية بأنها نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفاطمة الزهراء، وعلي بن أبي طالب، والحسن والحسين عليهم السلام، وأنهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
  • تفسير آية المباهلة: يرى القمي أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين عليهم السلام، وأنهم هم الذين بارزوا النصارى في يوم المباهلة.
  • تفسير آية الولاية: يفسر القمي هذه الآية بأنها تدل على وجوب ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنه هو ولي المؤمنين من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الفصل الثاني: نسخ التفسير ومخطوطاته

توجد لتفسير القمي عدة نسخ ومخطوطات، أبرزها نسختان محفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في إيران:

  1. مخطوطة رقم 300: كتبها الميرزا محمد الرضواني عام 1074 هـ، وتعتبر من أقدم النسخ وأجودها.
  2. مخطوطة نسخها الشيخ عباس بالخضر النجفي عام 1091 هـ: وهي أقرب إلى النسخ المطبوعة المتداولة اليوم.

بالإضافة إلى هاتين النسختين، يوجد مختصر لتفسير القمي، قام به الشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن العتائقي في القرن الثامن الهجري. ويشير ابن العتائقي في مقدمته إلى أن التفسير الأصلي كان يتألف من سبعة أجزاء، مما يشير إلى أن النسخ المتوفرة اليوم قد تكون مختصرة أو غير كاملة.


الفصل الثالث: إشكالية نسبة التفسير

تثار العديد من الشكوك حول نسبة تفسير القمي إلى علي بن إبراهيم القمي. فمن ناحية، لا توجد أي إشارة صريحة في كتب الرجال أو الفهارس القديمة إلى أن القمي قد ألف تفسيرًا للقرآن الكريم. ومن ناحية أخرى، فإن الراوي الأول للتفسير، وهو أبو الفضل العباس بن محمد، شخصية مجهولة لا يُعرف عنها الكثير.

وقد طرح العلماء والباحثون عدة نظريات لتفسير هذه الإشكالية، من أبرزها:

  • نظرية الإضافات المتأخرة: يرى المحقق الكاظمي أن التفسير يحتوي على إضافات ليست من علي بن إبراهيم، وربما أضيفت بعد إصابته بالعمى.
  • نظرية الخلط بين التفسيرين: يعتبر آغا بزرگ الطهراني أن التفسير الموجود بين أيدينا اليوم هو خليط من تفسيرين، أحدهما شيعي والآخر زيدي، وقد جمعهما أبو الفضل العباس بن محمد.

وتستند نظرية الخلط إلى عدة أدلة، منها:

  • وجود أسماء لرواة لا يمكن أن يكونوا من شيوخ علي بن إبراهيم: فمن بين الرواة الواردين في التفسير، نجد أسماء مثل الحسن بن علي بن زكريا، وأحمد بن إدريس، ومحمد بن جعفر الرزاز، وهم من معاصري علي بن إبراهيم أو من الذين جاؤوا بعده.
  • تكرار عبارات مثل "رجع إلى رواية علي بن إبراهيم": يدل هذا التكرار على أن هناك أكثر من مصدر للروايات الواردة في التفسير، وأن هناك من قام بجمعها وترتيبها.
  • روايات عن والد علي بن إبراهيم بواسطتين: من غير المعقول أن يروي علي بن إبراهيم عن والده بواسطتين، في حين أنه كان يروي عنه مباشرة في كتب الحديث الأخرى.

وقد تعددت الآراء حول هوية الشخص الذي جمع التفسيرين، ورجح البعض أنه محمد بن إبراهيم النعماني، أو أحمد بن جعفر البزوفري، أو غيرهما.

الفصل الرابع: قيمة التفسير في علم الرجال

تتضمن مقدمة تفسير القمي توثيقًا لجميع الرواة الواردين في التفسير. وقد اعتمد بعض العلماء، مثل الحر العاملي، على هذه المقدمة في توثيق الرواة. ومع ذلك، فإن هناك خلافًا بين العلماء حول حجية هذا التوثيق.

فمن ناحية، يرى السيد الخوئي أن مقدمة التفسير تثبت وثاقة الرواة، ويستدل على ذلك بأن القمي لم يكن ليروي إلا عن ثقات. ومن ناحية أخرى، يرفض آخرون، مثل الشيخ جواد التبريزي، هذه الحجية، ويعتبرون أن المقدمة ليست من كلام القمي، وأنها أضيفت إلى التفسير في وقت لاحق.

خاتمة:

في ختام هذه الدراسة المعمقة لتفسير القمي، يتضح أن هذا التفسير يحمل أهمية كبيرة في التراث الشيعي، كونه أحد أقدم التفاسير وأكثرها انتشارًا. ومع ذلك، فإن هذا التفسير يثير العديد من التساؤلات والإشكاليات، لا سيما فيما يتعلق بنسبته إلى علي بن إبراهيم القمي، وموثوقية رواياته.

تشير الأدلة والشواهد إلى أن التفسير الموجود بين أيدينا اليوم قد يكون خليطًا من عدة تفاسير، وقد تم دمجه وتعديله على مر الزمن. وهذا ما يفسر وجود التناقضات والروايات الغريبة في التفسير، والتي لا تتوافق مع المنهج العلمي الذي كان يتبعه علماء الشيعة في تلك الفترة.

وعلى الرغم من هذه الإشكاليات، فإن تفسير القمي يبقى مصدرًا هامًا لدراسة الفكر الشيعي وتطوره في القرون الأولى. فهو يعكس المعتقدات والتوجهات التي كانت سائدة بين الشيعة في تلك الفترة، ويساهم في فهم تطور علم التفسير عند الشيعة.

ومن الضروري أن يقوم الباحثون والمحققون بمزيد من الدراسات والتحقيقات حول تفسير القمي، للكشف عن حقيقته ومصادره، وتقييم قيمته العلمية والتاريخية بشكل موضوعي ومحايد.

توصيات:

  • إجراء دراسات نقدية معمقة على مخطوطات تفسير القمي: من الضروري مقارنة النسخ والمخطوطات المختلفة لتفسير القمي، وتحليل الاختلافات بينها، للكشف عن التغييرات والإضافات التي طرأت على التفسير عبر الزمن.
  • التحقيق في نسب الروايات الواردة في التفسير: يجب التحقق من صحة نسبة الروايات إلى أهل البيت عليهم السلام، والتأكد من عدم وجود روايات ضعيفة أو موضوعة في التفسير.
  • دراسة المنهج التفسيري للقمي: من المهم تحليل المنهج التفسيري الذي اتبعه القمي في تفسيره، وتقييم مدى توافقه مع المنهج العلمي الذي كان يتبعه علماء الشيعة في تلك الفترة.
  • مقارنة تفسير القمي مع التفاسير الشيعية الأخرى: يمكن أن تساهم المقارنة بين تفسير القمي والتفاسير الشيعية الأخرى في الكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بينها، وتحديد مكانة تفسير القمي في التراث التفسيري الشيعي.

ختامًا:

إن الدراسة النقدية لتفسير القمي تفتح الباب أمام العديد من الأسئلة والبحث عن إجابات شافية لها. وعلى الرغم من الجدل الدائر حول هذا التفسير، فإنه يبقى جزءًا هامًا من التراث الشيعي، ويستحق المزيد من الاهتمام والبحث.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/