حرمة السمك من غير ذي الفلس في الفقه الإمامي - فاضل الريس

إنارات فقهية يوليو 06, 2024 أغسطس 21, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

حرمة السمك من غير ذي الفلس في الفقه الإمامي:

دراسة فقهية تحليلية مستفيضة

إعداد وتقرير: فاضل الريس

تمهيد:

تُعد مسألة تحريم تناول الأسماك التي تفتقر إلى القشور (الفلس) من المسائل الفقهية التي تميز الفقه الجعفري الإمامي عن غيره من المذاهب الفقهية. إذ يعتقد الشيعة الإمامية بحرمة تناول هذه الأنواع من الأسماك، استنادًا إلى أدلة شرعية مستمدة من القرآن الكريم وسنة أهل البيت (عليهم السلام). في هذه الدراسة الفقهية التحليلية المستفيضة، سنقوم بتحليل الأدلة الشرعية التي يستند إليها الشيعة الإمامية في تحريم تناول هذه الأسماك، مع مناقشة الآراء الفقهية المختلفة في هذه المسألة وتوضيح الرأي الراجح، مع التركيز على منهجية الاستدلال الفقهي وأهمية الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية.

الأدلة الشرعية على حرمة السمك من غير ذي الفلس

1. القرآن الكريم:

يستند الشيعة الإمامية إلى آية من القرآن الكريم في استدلالهم على تحريم تناول الأسماك عديمة القشور، وهي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 14).

يفسر علماء الشيعة عبارة "لحمًا طريًا" بأنها تشير إلى السمك الحلال الذي يمتلك قشورًا (فلسًا). هذا التفسير يستند إلى قاعدة فقهية أساسية، وهي أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه. وفي هذه الحالة، يعتبر وجود الفلس شرطًا لحلية السمك، وبالتالي فإن غيابه دليل على التحريم.

2. سنة أهل البيت (عليهم السلام):

تؤكد العديد من الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) على تحريم تناول الأسماك التي لا تمتلك قشورًا. من هذه الأحاديث:

  • صحيحة محمد بن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: "كل ما كان من السمك وليس له قشر فلا تأكله".
  • صحيحة عبد الله بن سنان: عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: "كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سوق المدينة ويمر بحيتان ويقول: لا تأكلوا من السمك ما لم يكن له قشر".
  • موثقة حنان بن سدير: قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أكل السمك، فقال: ما كان له قشر فكل، وما لم يكن له قشر فلا تأكله.

هذه الأحاديث تعتبر من الأدلة القوية التي يستند إليها الشيعة الإمامية في تحريم تناول الأسماك التي لا تمتلك قشورًا، حيث يرون أنها صريحة في النهي عن تناول هذه الأنواع من الأسماك، وتشكل بمجموعها دليلًا قاطعًا على حرمة أكل السمك من غير ذي الفلس.

مناقشة الرأي القائل بالكراهة والرد عليه

في مقابل الأدلة السابقة، هناك رأي فقهي آخر في المذهب الإمامي يرى أن النهي عن تناول الأسماك عديمة القشور هو للكراهة وليس للتحريم. يستند أصحاب هذا الرأي إلى بعض الأحاديث التي ظاهرها الإباحة، مثل صحيحة زرارة وصحيحة محمد بن مسلم التي ورد فيها أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحرم شيئًا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه.

ومع ذلك، فإن هذا الرأي لا يلقى قبولًا واسعًا بين فقهاء الشيعة الإمامية، وذلك للأسباب التالية:

  • ضعف دلالة الأحاديث: الأحاديث التي يستدل بها على الكراهة هي أحاديث أقل قوة من حيث السند والدلالة مقارنة بالأحاديث الصريحة في التحريم.
  • تعارضها مع الأحاديث الصريحة: هذه الأحاديث التي ظاهرها الإباحة تتعارض مع الأحاديث الصريحة في التحريم، مما يستدعي الجمع بينهما، والجمع الراجح هو حمل الأحاديث الظاهرة في الإباحة على الكراهة، أو على أنها خاصة ببعض أنواع الأسماك التي لا تمتلك قشورًا ولكنها ليست ضارة، وهذا الجمع يحفظ قوة جميع الأحاديث ولا يهمل أي دليل شرعي.
  • الإجماع الفقهي: أجمع فقهاء الشيعة الإمامية على حرمة تناول الأسماك التي لا تمتلك قشورًا، وهذا الإجماع يعتبر دليلًا قويًا على صحة هذا الرأي، ويعكس فهم الأمة الإسلامية عبر التاريخ لهذه المسألة.

الخاتمة

في الختام، يمكن القول إن مسألة تحريم تناول الأسماك التي لا تمتلك قشورًا هي مسألة قطعية في الفقه الإمامي، حيث يعتمد الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي على الأدلة الشرعية من القرآن الكريم وسنة أهل البيت (عليهم السلام). وعلى الرغم من وجود رأي فقهي ضعيف في هذه المسألة، إلا أن الرأي الغالب والراجح هو تحريم تناول هذه الأسماك، وذلك لقوة الأدلة الدالة على التحريم وصراحتها، بالإضافة إلى الإجماع الفقهي.

مصادر الأحاديث:

  • صحيحة محمد بن مسلم: الكافي - الكليني - ج 6 / ص 219
  • صحيحة عبد الله بن سنان: الكافي - الكليني - ج 6 / ص 220
  • موثقة حنان بن سدير: الكافي - الكليني - ج 6 / ص 220
  • صحيحة زرارة: تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 9 / ص 5
  • صحيحة محمد بن مسلم (الثانية): تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 9 / ص 6
  • صحيحة ابن مسكان: تهذيب الأحكام - الطوسي - ج 9 / ص 5

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/