التوقيفية في ترتيب الآيات القرآنية: قراءة نقدية في نظرية الطباطبائي - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 13, 2024 أغسطس 21, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

التوقيفية في ترتيب الآيات القرآنية: قراءة نقدية في نظرية الطباطبائي


فاضل الريس 

مقدمة

يُعد القرآن الكريم محوراً أساسياً في حياة المسلمين، حيث يحظى باهتمام بالغ في مختلف جوانب الحياة، من التدوين والقراءة والحفظ إلى البحث والتحليل والتعليم. وتأتي أهميته من كونه كلام الله المنزل، الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من أي تحريف أو تغيير.

يتناول هذا البحث مسألة توقيفية ترتيب الآيات القرآنية، أي ما إذا كان ترتيب الآيات كما هو موجود اليوم قد تم بتوجيه إلهي من خلال النبي محمد صلى الله عليه وآله، أم أنه نتاج اجتهاد بشري من الصحابة. يعتبر الرأي السائد بين علماء الشيعة أن ترتيب الآيات توقيفي، في حين يخالف في ذلك العلامة الطباطبائي، الذي يرى أن ترتيب الآيات لم يكن توقيفياً، بل شهد تدخلاً واجتهاداً من الصحابة.

يهدف هذا المقال إلى استعراض وتحليل الأدلة التي قدمها العلامة الطباطبائي لدعم رأيه، ومناقشتها، ومن ثم تقديم الأدلة التي تؤيد توقيفية ترتيب الآيات القرآنية.

المحور الأول: عدم التوقيفية - الأدلة والمناقشات

الدليل الأول: الروايات

استند العلامة الطباطبائي إلى ثلاث مجموعات من الروايات لإثبات عدم توقيفية ترتيب الآيات:

  1. روايات جمع القرآن: تشير هذه الروايات إلى أن جمع القرآن تم في زمن الصحابة، مما يعني أن ترتيب الآيات لم يكن بتوجيه نبوي مباشر. وتشمل هذه الروايات ما جاء في تاريخ اليعقوبي وتاريخ أبي الفداء وغيرها، التي تصف عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر وعثمان.

  2. روايات انقضاء السور بالبسملة: تدل هذه الروايات على أن النبي محمد صلى الله عليه وآله كان يعتمد على نزول البسملة لمعرفة نهاية السورة وبدء سورة جديدة، مما يشير إلى أن ترتيب الآيات كان وفقاً للترتيب الزمني لنزولها. ومع ذلك، فإن الترتيب الحالي للآيات في المصحف لا يتوافق دائماً مع هذا الترتيب الزمني.

  3. روايات مصحف الإمام علي عليه السلام: تشير هذه الروايات إلى أن الإمام علي عليه السلام قام بجمع القرآن بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله، ورتب الآيات وفقاً لترتيب نزولها. وهذا الترتيب يختلف عن الترتيب الموجود في المصحف العثماني، مما يشير إلى أن الترتيب الحالي ليس توقيفياً.

مناقشة ورد

  • الضعف السندي: تعاني هذه الروايات من ضعف في السند، فهي ليست متواترة ولا تفيد علماً قطعياً، بل هي أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها بشكل قاطع.

  • التناقض الداخلي: تتعارض هذه الروايات فيما بينها، فبعضها يشير إلى أن جمع القرآن تم في عهد عثمان، وبعضها الآخر يشير إلى أنه تم في عهد أبي بكر أو عمر. وهذا التعارض يضعف من قوتها ويجعلها غير قابلة للاحتجاج بها.

  • وجود المعارض: تتعارض هذه الروايات مع روايات أخرى، صحيحة السند، تشير إلى أن القرآن الكريم كتب في عهد النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأنه أمر علياً عليه السلام بجمعه. وهذا يعني أن ترتيب الآيات كان قد تم بتوجيه نبوي، وأن ما قام به الصحابة لاحقاً كان مجرد عملية جمع وتدوين لما هو موجود بالفعل.

  • "جمع القرآن" في معانيه المختلفة: يُستخدم مصطلح "جمع القرآن" في سياقات مختلفة، فقد يعني حفظه في الصدور، أو كتابته على مختلف المواد، أو جمعه في مصحف واحد، أو توحيد المصاحف المختلفة. وبالتالي، فإن الروايات التي تتحدث عن جمع القرآن في عهد الصحابة قد تشير إلى أحد هذه المعاني، ولا تعني بالضرورة أن القرآن لم يكن مكتوباً ومرتبًا في عهد النبي صلى الله عليه وآله.

  • شوائب جمع القرآن: تشير بعض الروايات إلى أن بعض الآيات القرآنية قد تم جمعها وكتابتها بناءً على شهادة شاهدين أو حتى شاهد واحد. وهذا يتعارض مع الإجماع على أن القرآن الكريم وصل إلينا بالتواتر، أي من خلال سلسلة متصلة من الرواة، مما يجعل هذه الروايات غير مقبولة.

  • التوقيفية مقتضى الإعجاز: يعتبر القرآن الكريم معجزة إلهية، ويتجلى هذا الإعجاز في ترتيب وتنسيق آياته. وبالتالي، يجب أن يكون هذا الترتيب توقيفياً، أي صادراً من الله تعالى، وإلا فإنه يفقد صفة الإعجاز.

  • كتابة الصحابة للقرآن وعرضه على النبي صلى الله عليه وآله: تشير الأدلة التاريخية إلى أن عدداً من الصحابة كانوا يكتبون الوحي، ويعرضون ما كتبوه على النبي صلى الله عليه وآله للتأكد من صحته. وهذا يشير إلى أن ترتيب الآيات كان يتم بتوجيه نبوي، وأن الصحابة كانوا مجرد كتبة للوحي.

تساؤلات مشروعة حول مصحف الإمام علي عليه السلام

استند العلامة الطباطبائي أيضاً إلى ما يعرف بـ "مصحف علي عليه السلام" للقول بعدم توقيفية ترتيب الآيات. ويُعتقد أن هذا المصحف قد كتب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وأن ترتيب آياته يختلف عن ترتيب الآيات في المصحف العثماني. ومع ذلك، تثار العديد من التساؤلات حول هذا المصحف:

  • هل كُتب هذا المصحف بالفعل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله؟
  • هل يختلف ترتيبه عن ترتيب المصحف العثماني؟
  • ما الذي يميز هذا المصحف عن المصحف العثماني؟

يشير المشهور بين المؤرخين إلى أن الإمام علياً عليه السلام جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله. ومع ذلك، فإن هذا يتعارض مع الروايات التي تشير إلى أنه كان يكتب الوحي ويجمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله.

وبالتالي، فإنه من المرجح أن يكون مصحف الإمام علي عليه السلام قد كتب في حياة النبي صلى الله عليه وآله، وأنه لا يختلف في ترتيبه عن المصحف العثماني. وما يميزه هو احتواؤه على الشروح والتفسير والتأويل للآيات، وهو ما يفسر حجمه الكبير الذي ذُكر في بعض الروايات.

أما الروايات التي تشير إلى أن الإمام علياً عليه السلام جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، فمن المرجح أنها موضوعة، وتهدف إلى تشويه موقف الإمام المعارض للسلطة الحاكمة آنذاك.

المحور الثاني: التوقيفية بالدليل والبرهان

يعتمد الرأي القائل بتوقيفية ترتيب الآيات على عدة أدلة، منها:

  • تأكيد القرآن على توقيفية ترتيب الآيات: يؤكد القرآن الكريم في العديد من الآيات أن جميع كلماته وآياته، بما في ذلك ترتيبها وتنسيقها، هي من الله تعالى. وتشير هذه الآيات إلى أن القرآن الكريم نزل من عند الله بتنزيل، وأنه كتاب مبين، وأن ترتيله وتنسيقه من الله تعالى.

  • إطلاق لفظ السورة في الآيات: يستخدم القرآن الكريم مصطلح "السورة" للإشارة إلى مجموعة من الآيات القرآنية المترابطة في المعنى والمحاطة ببسملتين. وهذا يشير إلى أن مفهوم السورة كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وآله، وأن ترتيب الآيات داخل السور كان بتوجيه إلهي.

النتيجة

بعد استعراض الأدلة والمناقشات، يتبين أن الأدلة التي قدمها العلامة الطباطبائي لدعم عدم توقيفية ترتيب الآيات القرآنية غير كافية، وأن الأدلة التي تؤيد التوقيفية أقوى وأكثر اتساقاً مع النصوص الشرعية والعقل. وبالتالي، فإن الرأي الصحيح هو أن ترتيب الآيات القرآنية توقيفي، أي أنه تم بتوجيه إلهي من خلال النبي محمد صلى الله عليه وآله.


شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/