شرح دعاء "اللهم ارزقنا توفيق الطاعة" المنسوب للإمام المهدي عليه السلام - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 22, 2024 أغسطس 22, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

شرح دعاء "اللهم ارزقنا توفيق الطاعة" المنسوب للإمام المهدي عليه السلام


فاضل الريس 

نص الدعاء:

اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، وأكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدد ألسنتنا بالصواب والحكمة، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهر بطوننا من الحرام والشبهات، واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة، واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة، واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة، وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتاهم بالرؤفة والرحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة، وعلى الشباب بالإِنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة، وعلى الفقراء بالصبر والقناعة، وعلى الغزاة بالنصر والغلبة، وعلى الأسرى بالخلاص والراحة، وعلى الأمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة، وبارك للحجاج والزوار في الزاد والنفقة، واقض ما أوجبت عليهم من الحج والعمرة، بفضلِك ورحمتِك يا أرحم الراحمين.  

أولاً: الشرح اللغوي

هذا الدعاء، وإن كان مختصراً في كلماته، إلا أنه يحمل في طياته معاني لغوية عميقة ودقيقة، تعكس سمو المقاصد ونبل الغايات. لنبدأ بشرح بعض هذه الكلمات:

  • "اللهم": هي كلمة الاستغاثة والتوجه إلى الله، تعبر عن حاجة الداعي إلى ربه، وتضرعه إليه في جميع أحواله. فهي كلمة تجمع بين التعظيم والافتقار، وتؤكد على أن الله هو الملاذ والمنجا في كل شدة وضيق.
  • "ارزقنا": أي "امنحنا ورزقنا" من فضلك، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو الذي يهب العطاء ويمنح السعادة. وهذه الكلمة تعبر عن إدراك الإنسان لعجزه وفقره إلى الله، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله.
  • "توفيق الطاعة": أي "يسر لنا فعل ما أمرت به ووفقنا إليه"، فالإنسان، وإن كان قادراً على الفعل، إلا أنه يحتاج إلى توفيق الله وتأييده ليثبت على الطاعة ويستقيم على أمره. فالطاعة هي الطريق إلى رضا الله والفوز بالجنة، وهي تحتاج إلى قوة وعزيمة لا يملكها الإنسان إلا بتوفيق من الله.
  • "وبعد المعصية": أي "أبعدنا عن الذنوب والمعاصي"، فالمعصية هي الانحراف عن طريق الله، وهي التي تجلب الشقاء والخسران في الدنيا والآخرة. وهذه الكلمة تعبر عن خوف الإنسان من الوقوع في المعصية، ورغبته في الابتعاد عنها بكل ما أوتي من قوة.
  • "صدق النية": أي "اجعل نياتنا خالصة لوجهك الكريم"، فاالجاد هي أساس العمل، وإذا صلحت النية صلح العمل كله. فالنية الصادقة هي التي تكون خالصة لله، لا يشوبها رياء أو سمعة أو أي غرض دنيوي.
  • "عرفان الحرمة": أي "وفقنا لمعرفة حدودك، وما يجب احترامه وتقديره"، فالحرمة هي ما يجب صونه وحفظه، سواء كانت حرمة الله أو حرمة خلقه. وعرفان الحرمة هو إدراك عظمة الله تعالى، وتعظيم أوامره ونواهيه، والبعد عما حرم، سواء كان ذلك في حق الله أو في حق عباده.
  • "أكرمنا بالهدى والاستقامة": أي "أعطنا الهداية إلى الطريق المستقيم، ووفقنا للثبات عليه"، فالهدى هو النور الذي يضيء الطريق، والاستقامة هي الثبات على الحق وعدم الانحراف. والهدى والاستقامة هما مطلب كل مؤمن، فبهما يصل الإنسان إلى رضوان الله والفوز بالجنة.
  • "سدد ألسنتنا بالصواب والحكمة": أي "اجعل كلامنا موافقاً للحق والصواب، ومليئاً بالحكمة والموعظة الحسنة"، فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة السيئة قد تجلب الندم والحسرة. واللسان هو أداة للتواصل والتعبير، وعليه أن يكون أداة للخير والبناء، لا أداة للشر والهدم.
  • "املأ قلوبنا بالعلم والمعرفة": أي "انشر في قلوبنا نور العلم والمعرفة، واجعلنا من أهل الفهم والإدراك"، فالعلم هو مفتاح التقدم والرقي، وهو الذي يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات. والعلم والمعرفة هما غذاء الروح، وهما اللذان يرفعان الإنسان إلى مراتب الكمال.
  • "طهر بطوننا من الحرام والشبهات": أي "احفظ بطوننا من تناول الحرام والمشبوه"، فالحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، وعلى المسلم أن يتجنب الشبهات كما يتجنب الحرام. فما يدخل إلى البطن يؤثر على القلب والنفس، والحرام يفسد القلب ويعمي البصيرة.
  • "اكفف أيدينا عن الظلم والسرقة": أي "امنع أيدينا من التعدي على حقوق الآخرين وأخذ أموالهم بغير حق"، فالظلم ظلمات يوم القيامة، والسرقة من أكبر الكبائر. واليد هي أداة للعمل والكسب، وعليها أن تكون أداة للخير والعطاء، لا أداة للشر والظلم.
  • "واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة": أي "احفظ أبصارنا من النظر إلى المحرمات، واجعلنا نعف أنفسنا عن الفواحش والرذائل"، فالعين هي بوابة القلب، والنظر إلى الحرام قد يقود إلى الوقوع في الفاحشة. وغض البصر هو حفظ للنفس وصيانة لها من الوقوع في الفتن.
  • "واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة": أي "احفظ أسماعنا من سماع الكلام الباطل والغيبة والنميمة"، فاللغو هو الكلام الذي لا فائدة منه، والغيبة هي الحديث عن الآخرين في غيابهم بما يكرهون. وسماع اللغو والغيبة يفسد القلب ويضعف الإيمان.

وهكذا يستمر الدعاء، متنقلاً بين مختلف الجوانب الروحية والأخلاقية والاجتماعية، سائلاً الله أن يهب عباده كل ما يصلح دينهم ودنياهم، ويقوي علاقتهم بربهم، ويجعلهم خير أمة أخرجت للناس.

شرح دعاء "اللهم ارزقنا توفيق الطاعة" المنسوب للإمام المهدي عليه السلام (الجزء الثاني)

ثانياً: الشرح المقاصدي

هذا الدعاء، وإن كان يتضمن طلبات شخصية للداعي، إلا أنه يتعدى ذلك بكثير، ليصبح رؤية شاملة لمجتمع فاضل يسوده الخير والعدل والرحمة. دعونا نتأمل بعض هذه المقاصد:

  • الارتقاء الروحي والأخلاقي: الدعاء يركز على تزكية النفس وتطهيرها من الرذائل، وطلب الهداية والاستقامة، وملء القلب بالعلم والمعرفة، مما يؤدي إلى الارتقاء الروحي والأخلاقي للإنسان. هذا الارتقاء هو الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الفاضل، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع.
  • بناء مجتمع متراحم: الدعاء يشمل مختلف فئات المجتمع، من العلماء والمتعلمين، إلى المرضى والمسنين، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الحكام والرعية، مما يعكس رؤية إسلامية شاملة للمجتمع، تقوم على التراحم والتكافل والتعاون. الدعاء لكل فئة بما يناسبها يدل على شمولية الإسلام واهتمامه بكل أفراد المجتمع، دون تمييز أو تفرقة.
  • تحقيق العدل والإنصاف: الدعاء يطلب العدل والشفقة للأمراء، والإنصاف وحسن السيرة للرعية، مما يؤكد على أهمية العدل في بناء مجتمع سليم وقوي. العدل هو أساس الاستقرار والرخاء، وهو الذي يضمن لكل فرد حقه ويحميه من الظلم. وبهذا يتحقق التوازن في المجتمع، وتسود الطمأنينة والسكينة.
  • تيسير أداء العبادات: الدعاء يختم بالدعاء للحجاج والزوار، وطلب قضاء مناسك الحج والعمرة، مما يدل على أهمية العبادات في حياة المسلم، وأنها وسيلة للتواصل مع الله ونيل رضاه. الحج والعمرة هما رمز للتضحية والتفاني في سبيل الله، وهما يرسخان مفهوم الوحدة والتآخي بين المسلمين، ويذكرانهم بأنهم جميعاً سواسية أمام الله.
  • الأمن والاستقرار: الدعاء يتضمن أيضاً طلب النصر للغزاة والخلاص للأسرى، مما يعكس أهمية الأمن والاستقرار في بناء المجتمع. فبدون الأمن لا يمكن تحقيق التقدم والازدهار، ولا يمكن للناس أن يعيشوا في سلام وطمأنينة. الدعاء للغزاة والأسرى هو دعاء لتحقيق الأمن والسلام في المجتمع، لكي يتمكن الناس من العيش في أمان وحرية.
  • دور العلم والعلماء: الدعاء يخص العلماء والمتعلمين بطلب خاص، مما يدل على أهمية العلم والعلماء في المجتمع الإسلامي. فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وعليهم مسؤولية كبيرة في نشر العلم والمعرفة، وهداية الناس إلى طريق الحق. الدعاء لهم بالزهد والنصيحة هو دعاء لكي يكونوا قدوة حسنة للناس، وأن يخلصوا في نيتهم لله في تعليمهم ونصحهم.
  • تكامل الأدوار في المجتمع: الدعاء يوجه طلبات مختلفة لفئات مختلفة من المجتمع، مما يعكس أهمية تكامل الأدوار في بناء المجتمع الصالح. فالعلماء يعلمون، والمتعلمون يجتهدون، والمستمعون يتبعون، والمرضى يحتاجون إلى الشفاء، والموتى يحتاجون إلى الرحمة، والمشايخ يحتاجون إلى الوقار، والشباب يحتاجون إلى التوبة، والنساء يحتاجون إلى الحياء، والأغنياء يحتاجون إلى التواضع، والفقراء يحتاجون إلى الصبر، والغزاة يحتاجون إلى النصر، والأسرى يحتاجون إلى الخلاص، والأمراء يحتاجون إلى العدل، والرعية تحتاج إلى الإنصاف. كل فئة لها دورها في بناء المجتمع، والدعاء يذكرنا بأهمية كل هذه الأدوار، ويدعو الله أن يوفق كل فئة لأداء دورها على أكمل وجه.
  • الشمولية والرحمة: الدعاء لا يقتصر على فئة معينة من الناس، بل يشمل جميع المسلمين، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، أغنياء وفقراء، حكاما ومحكومين. وهذا يعكس رحمة الإسلام وشموليته، وحرصه على سعادة جميع الناس في الدنيا والآخرة.
  • التوازن بين الدنيا والآخرة: الدعاء يطلب الخير في الدنيا والآخرة، فهو يطلب التوفيق للطاعة والبعد عن المعصية، والعلم والمعرفة، والشفاء والراحة، والنصر والغلبة، والخلاص والراحة، والعدل والإنصاف، وحسن السيرة، وبركة الزاد والنفقة، وقضاء مناسك الحج والعمرة. وهذا يعكس التوازن الذي يريده الإسلام بين الدنيا والآخرة، فلا إغراق في الدنيا ولا إهمال لها، بل العمل الصالح فيها من أجل الفوز بالسعادة في الآخرة.

ثالثاً: الشرح الفلسفي

هذا الدعاء، في جوهره، هو صرخة روح تتوق إلى الانعتاق من قيود المادة والتحليق في عالم المعاني. إنه دعاء يحمل في طياته فلسفة عميقة عن الإنسان والحياة، ويذكرنا بأننا لسنا مجرد أجساد تسعى وراء الملذات، بل أرواح متعطشة للمعرفة والكمال.

  • رحلة الروح إلى الله: الحياة الدنيا، في منظور هذا الدعاء، هي رحلة للروح إلى الله، وهي رحلة محفوفة بالتحديات والابتلاءات. الإنسان، في هذه الرحلة، يحتاج إلى "توفيق الطاعة وبعد المعصية"، لكي يتمكن من تجاوز هذه التحديات والوصول إلى بر الأمان. فالطاعة هي الطريق إلى الله، والمعصية هي الطريق إلى الضلال والهلاك.
  • العلم نور يبدد الظلام: الجهل هو ظلمة تغطي القلوب والعقول، وتحجب الإنسان عن رؤية الحقائق. والعلم هو النور الذي يبدد هذا الظلام، ويكشف للإنسان عن أسرار الكون ومعاني الحياة. الدعاء يطلب "ملء القلوب بالعلم والمعرفة"، لكي يرتقي الإنسان بفكره وروحه، ويصل إلى مراتب الكمال. فالعلم هو الذي يجعل الإنسان يدرك عظمة الخالق، ويتفكر في آياته الكونية، ويسير في طريق الحق.
  • الجسد والمعصية: الجسد هو أداة للروح، ولكنه قد يكون أيضاً مصدرًا للمعصية والانحراف. الدعاء يطلب من الله أن يطهر الجسد من كل ما يشوبه، وأن يجعله أداة للخير والطاعة، لكي يتمكن الإنسان من تحقيق التوازن بين الروح والجسد، والسير في طريق الاستقامة. فالجسد هو أمانة عند الإنسان، وعليه أن يحافظ عليه ويستخدمه في طاعة الله، لا في معصيته.
  • المجتمع مرآة للنفوس: المجتمع هو انعكاس للنفوس التي يتكون منها. فإذا صلحت النفوس صلح المجتمع، وإذا فسدت النفوس فسد المجتمع. الدعاء يطلب الخير لجميع فئات المجتمع، لأنه يدرك أن صلاح المجتمع يبدأ بصلاح الأفراد. فكل فرد في المجتمع له دور يؤديه، وإذا قام كل فرد بدوره على أكمل وجه، تحقق الصلاح للمجتمع كله.
  • الحاكم العادل والرعية الصالحة: العلاقة بين الحاكم والرعية هي علاقة تكاملية، تقوم على العدل والإنصاف من جانب الحاكم، وعلى الطاعة وحسن السيرة من جانب الرعية. الدعاء يطلب من الله أن يلهم الحكام العدل والشفقة، وأن يلهم الرعية الإنصاف وحسن السيرة، لكي يسود المجتمع الأمن والاستقرار. فالحاكم العادل هو الذي يحقق العدل بين الناس، ويرعى مصالحهم، ويحميهم من الظلم. والرعية الصالحة هي التي تطيع ولي الأمر، وتتعاون معه في تحقيق الخير والصلاح.
  • التوازن والاعتدال: الدعاء يدعو إلى التوازن والاعتدال في جميع جوانب الحياة. فهو يدعو إلى التوازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحاكم والمحكوم. وهذا التوازن هو أساس الاستقرار والسعادة في الدنيا والآخرة.
  • الأمل والتفاؤل: الدعاء ينبع من نظرة متفائلة للحياة والإنسان، فهو يرى أن الخير موجود في هذه الأمة، وأن الله سيبعث لها من يحيي دينها ويحقق العدل في أرضها. وهذا يعطينا الأمل في مستقبل أفضل، ويحثنا على العمل من أجل تحقيقه.

في النهاية، هذا الدعاء هو دعوة للصحوة واليقظة، وللعمل الجاد من أجل تحقيق الكمال الروحي والأخلاقي، وبناء مجتمع فاضل يسوده العدل والرحمة. إنه دعاء يحمل في طياته رسالة أمل وتفاؤل، ويذكرنا بأن الله قريب من عباده، وأنه يستجيب دعاء من دعاه. إنه دعاء يعلمنا أن الخير في هذه الأمة باق إلى قيام الساعة، وأن الله سيبعث لها من يحيي دينها ويحقق العدل في أرضها، إنه الإمام المهدي المنتظر، الذي نسأل الله أن يعجل فرجه ويسهل مخرجه.

ختاماً:

هذا الدعاء المنسوب للإمام المهدي عليه السلام، هو بمثابة مناجاة صادقة لله، تعبر عن أعمق تطلعات المؤمن الصالح، وتجسد رؤيته لمجتمع مثالي يسوده الخير والعدل والرحمة. إنه دعاء يحمل في طياته معانٍ سامية وقيمًا نبيلة، ويحثنا على السير في طريق الطاعة والهداية، والعمل من أجل بناء مجتمع أفضل، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. إنه دعاء يلهمنا الأمل والتفاؤل، ويذكرنا بأن الله قريب من عباده، وأنه يستجيب دعاء من دعاه بصدق وإخلاص. فلنردد هذا الدعاء بخشوع وتدبر، ولنسأل الله أن يجعلنا ممن يستجيبون له، وأن يوفقنا لتحقيق ما فيه من خير وصلاح لنا ولمجتمعنا وللأمة الإسلامية جمعاء.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/