تطور التفسير الروائي عند الشيعة: مناهجه وامتيازاته وتحدياته - فاضل الريس

إنارات فقهية سبتمبر 04, 2024 سبتمبر 04, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

تطور التفسير الروائي عند الشيعة: مناهجه وامتيازاته وتحدياته


فاضل عباس الريس

مقدمة

يعتبر علم تفسير القرآن الكريم من أقدم وأهم العلوم الإسلامية، حيث يسعى إلى كشف المعاني والمقاصد الإلهية الواردة في هذا الكتاب المقدس. وقد تطورت مناهج التفسير عبر العصور، ومن بينها منهج التفسير الروائي الذي يعتمد على الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في شرح وتوضيح الآيات القرآنية. وقد أسهم الشيعة بشكل كبير في هذا المجال، حيث أولوا أهمية بالغة للروايات التفسيرية واعتبروها مصدراً أساسياً لفهم القرآن الكريم.

منزلة التفسير الروائي وتطوره عند الشيعة

تميز التفسير الروائي عند الشيعة بمكانة رفيعة واهتمام متواصل من قبل المفسرين الشيعة على مر العصور. ومع ذلك، لم يكن هناك منهجية واحدة متبعة في التعامل مع هذا النوع من التفسير. فقد رأى بعض المفسرين أن التفسير الروائي هو وحده التفسير الصحيح، واكتفوا بذكر الروايات المفسرة للآيات دون اللجوء إلى أي أدوات تفسيرية أخرى، ويمكن أن نطلق على هذا المنهج "التفسير الروائي البحت". ومن الأمثلة على هذا النهج تفسير السيد هاشم البحراني "البرهان في تفسير القرآن".

في المقابل، هناك مجموعة أخرى من المفسرين الشيعة الذين صححوا الاجتهاد في التفسير واستخدموا أدوات تفسيرية متنوعة إلى جانب الروايات، مثل آيات القرآن الأخرى، واللغة، وأشعار العرب. ومع ذلك، ظل التفسير الروائي هو المنهج السائد عندهم، ويمكن أن نطلق على هذا المنهج "التفسير الاجتهادي-الروائي". ومن الأمثلة على هذا النهج "تفسير القمي" للمؤلف علي بن إبراهيم القمي، و"تفسير الصافي" للمولى محسن الفيض الكاشاني.

هناك أيضاً مجموعة من المفسرين الشيعة الذين اتبعوا المنهج الاجتهادي الجامع في تفسير القرآن، ولكنهم اعتمدوا على الروايات كأحد المصادر الرئيسية في تفسيرهم. ويمكن أن نعتبر هذا المنهج "التفسير الروائي الضمني". ومن الأمثلة على هذا النهج "تفسير التبيان" للشيخ الطوسي، و"مجمع البيان في تفسير القرآن" للشيخ الطبرسي.

وأخيراً، هناك منهج آخر في التعامل مع الروايات التفسيرية يتمثل في تبيينها وتحليلها بشكل منفصل عن عملية التفسير ذاتها. وقد تبنى هذا المنهج العلامة الطباطبائي في تفسيره الشهير "الميزان في تفسير القرآن"، حيث قام بجمع وتحليل الروايات التفسيرية ومناقشتها وتقييمها بناءً على مدى توافقها مع ظاهر القرآن الكريم.

امتياز التفسير الروائي الشيعي

يتميز التفسير الروائي الشيعي عن التفسير الروائي عند أهل السنة بالاعتماد الكبير على الروايات المأثورة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذين يعتبرهم الشيعة مفسرين معصومين للقرآن الكريم، وأنهم أخذوا تفسير القرآن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة. وبالتالي، فإن كل معنى يذكرونه للآيات يعتبر بمثابة بيان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون حقاً ومطابقاً للواقع. وهذا يعطي التفسير الروائي الشيعي ميزة نسبية على التفسير الروائي عند أهل السنة، حيث يعتمد الأخير بشكل أكبر على آراء الصحابة والتابعين التي قد تكون عرضة للخطأ والاجتهاد البشري.

مناقشة آفات مناهج التفسير الروائي الشيعي

على الرغم من الأهمية الكبيرة للتفسير الروائي عند الشيعة، إلا أن كل منهج من مناهج التفسير الروائي يعاني من بعض الآفات والعيوب. فالتفسير الروائي البحت يعاني من عدم الجامعية، واحتمالية احتوائه على إسرائيليات أو روايات مختلقة أو مشبوهة، وحذف الأسانيد وتقطيع المتون، وعدم تبويب الروايات.

أما التفسير الاجتهادي-الروائي، فيعاني من عدم الاهتمام الكافي بالمستندات غير الروائية، والاستناد إلى الروايات دون دراسة كافية لأسانيدها ودلالاتها ومدى توافقها مع القرآن الكريم والعقل والضروريات الدينية.

والتفسير الروائي الضمني يعاني أيضاً من عدم ذكر الأسانيد في أغلب الأحيان، وعدم الفصل بين الروايات الشيعية والروايات الواردة من طريق أهل السنة، وعدم الإشارة إلى وضعية سند الروايات ومدى اعتبارها.

وأخيراً، يعاني منهج بيان وتحليل الروايات التفسيرية من عدم ذكر مصادر الروايات في كثير من الأحيان، وحذف أسانيدها، وتقطيع النصوص في بعض الروايات، وعدم الاشتمال على جميع الروايات التفسيرية المرتبطة بالآيات.

المنهج الأمثل للتفسير الروائي

لتجاوز هذه الآفات وتحقيق الاستفادة القصوى من التفسير الروائي، يمكن اقتراح منهج متكامل يجمع بين نقاط القوة في المناهج المختلفة ويتجنب نقاط ضعفها. ويمكن أن يتضمن هذا المنهج النقاط التالية:

  1. الاهتمام بالاجتهاد الجامع: يجب على المفسر أن يبذل جهده في فهم معنى الآية من خلال التدبر في سياقها اللغوي والقرآني، والاستعانة بالآيات الأخرى، والمصادر اللغوية، والمعارف الأخرى ذات الصلة.
  2. الاستعانة بالروايات المعتبرة: يجب على المفسر أن يجمع الروايات ذات الصلة بالآية من مصادر الشيعة الموثوقة، وأن يقوم بدراسة أسانيدها ودلالاتها ومدى توافقها مع القرآن الكريم والعقل والضروريات الدينية.
  3. تقييم الروايات: يجب على المفسر أن يقيّم الروايات بناءً على صحة أسانيدها وسلامة دلالاتها، وأن يرفض الروايات التي تتعارض مع القرآن الكريم أو العقل أو الضروريات الدينية.
  4. تبويب الروايات: يجب على المفسر أن يبوّب الروايات بناءً على موضوعاتها وأنواعها، وأن يفصل بين الروايات التي تتعلق بمعنى الآية والروايات التي تتعلق بفضائلها أو أسباب نزولها أو غير ذلك.
  5. الجمع بين الروايات: يجب على المفسر أن يحاول الجمع بين الروايات المختلفة التي تتعلق بمعنى الآية، وأن يبين أوجه التوافق والاختلاف بينها.
  6. الاستفادة من الروايات في حدود الإمكان: يجب على المفسر أن يستفيد من الروايات المعتبرة في تفسير الآية، وأن يبين كيف تسهم هذه الروايات في فهم المعنى المراد من الآية.

خاتمة

يمثل التفسير الروائي عند الشيعة تراثاً غنياً ومصدراً مهماً لفهم القرآن الكريم. وعلى الرغم من التنوع في مناهج التفسير الروائي، إلا أن جميع هذه المناهج تشترك في الاهتمام بالروايات المأثورة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولتحقيق الاستفادة القصوى من هذا التراث، يجب على المفسرين أن يتبنوا منهجاً متكاملاً يجمع بين الاجتهاد الجامع في فهم معنى الآية والاستعانة بالروايات المعتبرة وتقييمها وتبويبها والجمع بينها والاستفادة منها في حدود الإمكان. وبذلك، يمكن للتفسير الروائي أن يسهم بشكل فاعل في إثراء فهمنا للقرآن الكريم وتعميق علاقتنا بهذا الكتاب المقدس.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/