بيان النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر
للعلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي
اعداد وتقرير : فاضل الريس
مقدمة
يُعدّ كتاب "بيان النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر" من أهمّ كتب علم الكلام عند الشيعة الإمامية، وهو شرحٌ لـ "الباب الحادي عشر" من كتاب "منهاج الصلاح في مختصر المصباح" للشيخ أبي جعفر الطوسي، وقد قام بشرحه العلامة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (المتوفى 726 هـ). يهدف هذا الكتاب إلى بيان أهمّ معتقدات الإمامية الإثني عشرية بأسلوب علمي أكاديمي، ويتميز بمنهجه العقلي، حيث تُستخدم النقولات كمساندة للدليل العقلي فقط، باستثناء بعض المعتقدات المترتبة على الأوليات مثل كلام الله وحشر الأطفال وبعض تفاصيل القيامة.
الفصل الأوّل: مدخل إلى علم الكلام
أوّلًا: تعريف علم الكلام
اختلف العلماء في تعريف علم الكلام، فمنهم من عرّفه بأنّه:
- العلم الذي يُقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبهات. أي هو العلم الذي يُمكّن الإنسان من إثبات عقيدته والدفاع عنها بالحجج والبراهين، وردّ الشبهات التي قد تُثار حولها.
- العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية. أي هو العلم الذي يبحث في أصول الدين ومعتقداته، ويُثبتها بالأدلة القطعية اليقينية.
ثانيًا: موضوع علم الكلام
اختلف العلماء أيضًا في موضوع علم الكلام، فمنهم من قال إنّه:
- الموجود بما هو موجود. أي أنّه يبحث في كلّ ما هو موجود في الكون، من الله تعالى إلى المخلوقات.
- المعلومات الخاصة. أي أنّه يبحث في المعلومات المتعلقة بالعقائد الدينية فقط.
- وجود الله ووجود الممكنات. أي أنّه يبحث في إثبات وجود الله تعالى، ووجود المخلوقات التي أوجدها الله.
- ذاته وصفاته. أي أنّه يبحث في ذات الله تعالى وصفاته.
- العقائد الإيمانية. أي أنّه يبحث في المعتقدات التي يجب على المسلم الإيمان بها.
ثالثًا: تسميات علم الكلام
لعلم الكلام تسميات كثيرة، منها:
- علم التوحيد والصفات. لأنّه يبحث في توحيد الله تعالى وصفاته.
- علم أصول الدين. لأنّه يبحث في أصول الدين التي يجب على كلّ مسلم معرفتها.
- الفقه الأكبر. لأنّه يتناول قضايا أوسع وأشمل من الفقه الأصغر الذي يبحث في الأحكام العملية.
- علم الكلام. وسبب تسميته بـ "علم الكلام" هو أنّ مسألة حدوث وقدَم الكلام الإلهي كانت من أشهر المسائل التي خاض فيها المتكلمون الأوائل.
رابعًا: غايات علم الكلام وأغراضه ومنافعه
من غايات علم الكلام وأغراضه ومنافعه:
- المعرفة التحقيقية بالعقائد الدينية. أي الوصول إلى معرفة يقينية بأصول الدين ومعتقداته، عن طريق الأدلة والبراهين.
- الإرشاد والهداية. أي هداية الناس إلى الحقّ والصواب، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم.
- الذود عن العقائد الدينية. أي الدفاع عن العقائد الدينية ضدّ الشبهات والانحرافات.
- حاجة العلوم الدينية إلى علم الكلام. حيث إنّ علم الكلام يُعدّ أساسًا للعديد من العلوم الدينية الأخرى، مثل الفقه والتفسير.
- صحة النية والاعتقاد. حيث إنّ صحة النية والاعتقاد تُعدّ من أهمّ شروط قبول الأعمال، وعلم الكلام يُساعد على تصحيح النية والاعتقاد.
خامسًا: الأدوار التأسيسية لعلم الكلام الإسلامي والعوامل المؤثرة فيه
لعلم الكلام الإسلامي ثلاثة أدوار تأسيسية:
- عصر الرسالة: بدأت فيه فاتحة المحاججة الكلامية الإسلامية مع بدايات البعثة النبوية، حيث واجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم العديد من الشبهات والاعتراضات من قِبل الكفار والمشركين، وردّ عليها بالحجج والبراهين.
- عصر ما بعد الرسول حتى استشهاد الإمام علي: ازدادت فيه وتيرة المواجهات الكلامية مع غير المسلمين، وظهرت بعض الفرق الكلامية التي خالفت أهل السنة والجماعة في بعض المعتقدات.
- عصر ما بعد الإمام علي: ظهرت فيه فرق كلامية عديدة نتيجةً لجور وطغيان الحكم الأموي، وانتشار الأفكار الفلسفية اليونانية، واختلاف الناس في فهم النصوص الدينية.
سادسًا: تطور علم الكلام
علم الكلام كسائر العلوم في تطور دائم، ومن أهمّ مناشئ تطوره:
- التحولات الاجتماعية والفكرية. حيث إنّ التغيرات التي تطرأ على المجتمعات تؤثر على الفكر والعلم، وتُؤدّي إلى ظهور أفكار ونظريات جديدة.
- تلاقي الثقافة الإسلامية بالثقافات الأخرى. حيث إنّ تلاقي الثقافات يُؤدّي إلى تبادل الأفكار والعلوم، ويُثري الفكر الإسلامي.
- تأثير الفلسفة في علم الكلام. حيث تأثّر علم الكلام بالفلسفة اليونانية، واستخدم بعض أساليبها ومناهجها في البحث والتحليل.
- الأغراض السياسية. حيث استخدم بعض الحكام والسياسيين علم الكلام لتحقيق أغراضهم السياسية، ودعم سلطتهم.
- دور بعض الشخصيات السياسية والعلمية. حيث كان لبعض الشخصيات السياسية والعلمية دور كبير في تطوير علم الكلام، ونشر معارفه.
الفصل الثاني: بيان النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر
مقدمة صاحب النافع
يستهلّ العلامة الحلّي كتابه "النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر" بمقدّمة يذكر فيها أنّ الله تعالى لم يخلق العالم عبثًا، بل لغاية وحكمة، وهي عبادته. ويجب على كلّ عاقل مكلفّ إجابة ربّ العالمين، وهذا لا يكون إلا بمعرفته يقينًا. ويجب على كلّ عارف مكلفّ تنبيه الغافلين وإرشاد الضالين.
توطئة الفصول
أوّلًا: فيما يجب على عامة المكلفين من معرفة أصول الدين
يجب على عامة المكلفين معرفة أصول الدين، وهي:
- التوحيد: أي إفراد الله تعالى بالعبادة، وعدم الإشراك به أحدًا.
- العدل: أي الإيمان بأنّ الله تعالى عادل في جميع أفعاله، ولا يظلم أحدًا.
- النبوة: أي الإيمان بأنّ الله تعالى أرسل الأنبياء والرسل لهداية الناس.
- الإمامة: أي الإيمان بأنّ الله تعالى نصب الأئمة من أهل البيت عليهم السلام لقيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
- المعاد: أي الإيمان باليوم الآخر، والبعث والحساب، والجنة والنار.
ثانيًا: إجماع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية
أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية، وما يصحّ عليه وما يمتنع منه، والنبوة والإمامة والمعاد. والدليل على وجوب المعرفة هو:
- الدليل العقلي: وهو الدليل الذي يعتمد على العقل والمنطق، مثل دليل حدوث العالم، ودليل التمانع.
- الدليل السمعي: وهو الدليل الذي يعتمد على النصوص الدينية، مثل القرآن الكريم والأحاديث النبوية.
ثالثًا: وجوب معرفة الله تعالى بالدليل لا بالتقليد
وجب أن تكون معرفة الله تعالى بالنظر والاستدلال لا بالتقليد، لأنّها ليست ضرورية، أي أنّ الإنسان لا يُولد وهو يعرف الله تعالى، بل يجب عليه أن يبحث ويتعلم حتى يصل إلى معرفة الله تعالى.

0 تعليقات