منهج السيد محمد باقر الصدر في فهم القرآن
تأليف: أحمد الأزرقي
مقدمة:
في خضمّ التحوّلات الفكرية والسياسية التي يشهدها العالم الإسلامي، برزت الحاجة إلى إعادة قراءة القرآن الكريم وفهمه بعمقٍ وتجديد، بما يتناسب مع روح العصر وتحدّياته. وقد قدّم السيد محمد باقر الصدر، أحد أبرز الفقهاء والمفكرين الشيعة في القرن العشرين، رؤيةً متميزةً في فهم القرآن الكريم، جمعت بين الأصالة والتجديد، والشمولية والتطبيق.
يهدف هذا الكتاب إلى تسليط الضوء على منهج السيد الصدر في فهم القرآن الكريم، واستعراض أهمّ أفكاره في مجال التفسير وعلوم القرآن، من خلال تحليلٍ معمّقٍ لمؤلفاته ومحاضراته، ومقارنة آرائه مع آراء عددٍ من المفسرين والعلماء.
الفصل الأول: الرؤية التجديدية للشهيد الصدر في مباحث علوم القرآن وتأريخه
يتناول هذا الفصل نظرةً تحليليةً لآراء السيد الصدر في مسائل علوم القرآن المختلفة، وبعض المسائل المتعلقة بتاريخ القرآن الكريم، من خلال مقارنتها مع آراء عددٍ من المحققين والعلماء في هذا المجال.
أولاً: حجية الظهور: يرى السيد الصدر أن حجية الظهور هي حجيةٌ عقليةٌ وليست شرعيةً، أي أن العقل هو الذي يحكم بحجية الظهور، وليس الشرع. ويستدل على ذلك بأن حجية الظهور تقوم على أساس قاعدةٍ عقليةٍ هي "قاعدة التفهيم والبلاغة". ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالدقة والعمق، حيث يفرّق بين حجية الظهور في اللغة وحجية الظهور في النصوص الشرعية، ويُؤكد على أن حجية الظهور في النصوص الشرعية هي حجيةٌ عقليةٌ وليست شرعيةً.
ثانياً: حجية السنة: يرى السيد الصدر أن السنة النبوية الشريفة حجيةٌ شرعيةٌ، أي أن حجيتها مستمدةٌ من الشرع، وليس من العقل. ويستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصومٌ من الخطأ، وأن الله تعالى أمر بطاعته واتباع سنته. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالشمولية، حيث يُؤكد على حجية جميع أنواع السنة النبوية، سواءً كانت قوليةً أو فعليةً أو تقريريةً.
ثالثاً: حجية الإجماع: يرى السيد الصدر أن الإجماع حجيةٌ شرعيةٌ، أي أن حجيتها مستمدةٌ من الشرع، وليس من العقل. ويستدل على ذلك بأن الإجماع هو اتفاق علماء الأمة الإسلامية على حكمٍ شرعيٍّ، وأن الله تعالى وعد بحفظ دينه من الضياع. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالدقة، حيث يُحدّد شروط الإجماع الصحيح، ويُؤكد على أن الإجماع الذي لا يستوفي هذه الشروط لا يكون حجةً شرعيةً.
رابعاً: حجية العقل: يرى السيد الصدر أن العقل حجيةٌ شرعيةٌ، أي أن حجيتها مستمدةٌ من الشرع، وليس من العقل. ويستدل على ذلك بأن الله تعالى أمر باستخدام العقل في فهم النصوص الشرعية، وأن العقل هو وسيلةٌ لفهم الحقائق. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالتوازن، حيث يُؤكد على أهمية العقل في فهم النصوص الشرعية، ولكنه يُحذّر في الوقت نفسه من الاعتماد على العقل وحده دون الرجوع إلى النصوص الشرعية.
خامساً: المحكم والمتشابه: يرى السيد الصدر أن المحكم هو النصّ القرآني الواضح الدلالة، والذي لا يحتمل أكثر من معنىً واحدٍ، بينما المتشابه هو النصّ القرآني الذي يحتمل أكثر من معنىً واحدٍ. ويرى أن تفسير المتشابه يكون بالرجوع إلى المحكم. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالدقة، حيث يُبيّن أنواع المتشابه، ويُؤكد على أن تفسير المتشابه لا يكون إلا بالرجوع إلى المحكم.
سادساً: الناسخ والمنسوخ: يرى السيد الصدر أن الناسخ هو النصّ القرآني الذي يُلغي حكم نصٍّ قرآنيٍّ سابقٍ، بينما المنسوخ هو النصّ القرآني الذي يُلغى حكمه. ويرى أن معرفة الناسخ والمنسوخ تكون بالرجوع إلى أدلةٍ شرعيةٍ خاصةٍ. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالدقة، حيث يُبيّن أنواع الناسخ والمنسوخ، ويُؤكد على أن معرفة الناسخ والمنسوخ لا تكون إلا بالرجوع إلى الأدلة الشرعية الخاصة.
سابعاً: أسباب النزول: يرى السيد الصدر أن أسباب النزول هي الأحداث أو الوقائع التي كانت سببًا في نزول الآيات القرآنية. ويرى أن معرفة أسباب النزول تساعد على فهم الآيات القرآنية بشكلٍ أفضل. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالتأكيد على أهمية معرفة أسباب النزول في فهم القرآن الكريم، ولكنه يُحذّر في الوقت نفسه من الاعتماد على أسباب النزول وحدها في تفسير القرآن الكريم.
ثامناً: القراءات: يرى السيد الصدر أن القراءات هي الطرق المختلفة لقراءة القرآن الكريم. ويرى أن جميع القراءات الصحيحة حجيةٌ، وأنها تُثري فهم القرآن الكريم. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالشمولية، حيث يُؤكد على حجية جميع القراءات الصحيحة، ويرى أنها تُثري فهم القرآن الكريم.
تاسعاً: تاريخ القرآن الكريم: يرى السيد الصدر أن القرآن الكريم قد نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُفرّقًا على مدار 23 عامًا، وأن جمعه في مصحفٍ واحدٍ قد تمّ في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ويمتاز رأي السيد الصدر في هذه المسألة بالدقة، حيث يُؤرخ لمراحل جمع القرآن الكريم، ويُبيّن دور الصحابة رضوان الله عليهم في جمع القرآن الكريم وحفظه.
الفصل الرابع: التفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي عند الصدر
يتكون هذا الفصل من أربعة مباحث:
-
المبحث الأول: التفسير التجزيئي، وفيه يوضّح المؤلف مفهوم هذا النوع من التفسير وخصائصه، مُشيرًا إلى أن التفسير التجزيئي هو تفسير القرآن الكريم آيةً آيةً، أو سورةً سورةً، دون النظر إلى العلاقات بين الآيات والسور. ويرى السيد الصدر أن التفسير التجزيئي، وإن كان مُفيدًا في فهم معاني الآيات القرآنية بشكلٍ مُفرد، إلا أنه لا يُؤدي إلى فهم القرآن الكريم فهماً شاملاً، ولا يُساعد على استخراج دلالاته العامة ومقاصده الكبرى.
-
المبحث الثاني: التفسير الموضوعي (التوحيدي) مع بيان أسسه التي ارتكز عليها، وفيه يقدم المؤلف شرحًا مفصلًا لرؤية السيد الصدر في التفسير الموضوعي وأهميته، مُبيّنًا أن التفسير الموضوعي هو تفسير القرآن الكريم من خلال استخراج موضوعاته العامة، كالتوحيد، والنبوة، والمعاد، والأخلاق، والنظام الاجتماعي والسياسي، وغيرها. ويرى السيد الصدر أن التفسير الموضوعي هو المنهج الأمثل لفهم القرآن الكريم فهماً شاملاً، حيث يُساعد على استخراج دلالاته العامة ومقاصده الكبرى، ويُساعد على فهم العلاقة بين الآيات والسور، ويُساعد على فهم القرآن الكريم في ضوء الواقع الذي يعيشه المسلمون.
-
المبحث الثالث: أوجه الاختلاف بين التفسيرين، مع ذكر المناقشات والملاحظات التي وردت في هذا المجال، بالإضافة إلى بعض المقارنات بين منهج السيد الصدر ومنهج علماء آخرين. وفيه يُبيّن المؤلف أوجه الاختلاف بين التفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي، من حيث المنهج والهدف والنتائج. ويُشير المؤلف إلى أن التفسير التجزيئي يُركز على فهم معاني الآيات القرآنية بشكلٍ مُفرد، بينما يُركز التفسير الموضوعي على فهم القرآن الكريم فهماً شاملاً. ويُشير المؤلف إلى أن التفسير التجزيئي يُساعد على فهم جزئيات القرآن الكريم، بينما يُساعد التفسير الموضوعي على فهم كلياته. ويُشير المؤلف إلى أن التفسير التجزيئي قد يُؤدي إلى فهم القرآن الكريم فهماً مُجزأً، بينما يُساعد التفسير الموضوعي على فهم القرآن الكريم فهماً مُتكاملاً.
-
المبحث الرابع: نماذج وتطبيقات قدّمها السيد الصدر للتفسير الموضوعي، وهي السنن التاريخية في القرآن الكريم، وعناصر المجتمع في القرآن الكريم، وخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. وفيه يُبيّن المؤلف كيف طبّق السيد الصدر منهجه في التفسير الموضوعي على بعض سور القرآن الكريم، مُستخرجًا منها دروسًا وعبرًا في مجال فهم السنن التاريخية، وفهم عناصر المجتمع، وفهم مفهوم الخلافة الإلهية في الأرض. ويُعدّ هذا المبحث من أهمّ مباحث الكتاب، حيث يُبيّن فيه المؤلف كيف يُمكن تطبيق منهج التفسير الموضوعي على القرآن الكريم، وكيف يُمكن استخراج دلالاته العامة ومقاصده الكبرى من خلال هذا المنهج.
خاتمة:
يختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على أهمية هذه الدراسة في فهم منهج السيد محمد باقر الصدر في فهم القرآن الكريم، وإبراز إسهاماته في مجال التفسير وعلوم القرآن، مع الدعوة إلى مواصلة البحث في هذا المجال الحيوي.

0 تعليقات