الأسس المنطقية للاستقراء عند السيد محمد باقر الصدر: دراسة نقدية في ضوء الفلسفة الإسلامية
الملخص
يتناول هذا المقال الأسس المنطقية التي طرحها السيد محمد باقر الصدر (1935–1980) لتبرير الاستقراء كمنهج معرفي، وذلك في سياق نقده للمدارس الفلسفية الغربية، لاسيما المادية والوضعية. يُحلّل المقال رؤية الصدر القائمة على دمج المنطق والميتافيزيقا الإسلامية، مع التركيز على مبدأ "أسبقية النظام" وعلاقته بمشكلة السببية والاستقراء. كما يُقدّم تقييمًا نقديًا لمدى نجاح هذه الأسس في تجاوز الإشكالات الكلاسيكية التي أثارها ديفيد هيوم، ومدى اتساقها الداخلي وقابليتها للتطبيق في الفلسفة العلمية المعاصرة.
المقدمة
شكّلت مشكلة الاستقراء أحد التحديات المركزية في فلسفة العلم منذ طرح ديفيد هيوم لنقده الجذري لفكرة السببية، حيث رأى أن الاستدلال الاستقرائي يفتقر إلى أساس منطقي، كونه يعتمد على تعميم تجارب جزئية دون ضمانة عقلانية لاستمراريتها. في هذا الإطار، قدّم السيد محمد باقر الصدر رؤية مغايرة تنطلق من الفلسفة الإسلامية، ساعيًا إلى تأسيس الاستقراء على مبادئ ميتافيزيقية عقلانية. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الرؤية ونقدها، مع إبراز خصوصيتها في سياق الحوار بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية.
1. الإطار التاريخي: من هيوم إلى الصدر
بدأت إشكالية الاستقراء مع تشكيك هيوم في اليقين السببي، حيث اعتبر أن ارتباط الأحداث ليس ضرورة عقلانية، بل عادة ذهنية ناتجة عن التكرار. في القرن العشرين، حاول الوضعيون المنطقيون (مثل رودلف كارناب) ترميز الاستقراء رياضيًّا عبر الاحتمال، لكنهم فشلوا في حل الإشكال الفلسفي الجوهري. هنا يبرز نقد الصدر لهذه المحاولات، مؤكدًا أن الاستقراء لا يمكن تبريره دون افتراضات ميتافيزيقية حول طبيعة الواقع.
2. الأسس المنطقية للاستقراء عند الصدر
يستند الصدر في كتابه "فلسفتنا" إلى ركيزتين رئيسيتين:
* أ. مبدأ أسبقية النظام: يرى أن الكون نظامٌ مترابطٌ ذو بنية عقلانية، تُتيح للعقل إدراك القوانين العامة عبر الجزئيات. فالنظام ليس نتاجًا للتجربة، بل شرطًا مسبقًا لها، مما يجعل الاستقراء ممكنًا ككشف عن هذا النظام، لا كمجرّد تعميم تجريبي.
* ب. السببية كضرورة وجودية: يرفض الصدر تفسير هيوم للسببية كعادة ذهنية، ويعتبرها ضرورةً واقعيةً تنبع من طبيعة الأشياء ذاتها، مستندًا إلى الرؤية الإسلامية للكون كخلق إلهي مُنظَّم. وبذلك، يصبح الاستقراء تعبيرًا عن "السنن الإلهية" الثابتة في الطبيعة.
3. النقد والتحليل
رغم تماسك رؤية الصدر داخليًّا، إلا أنها تواجه تحدياتٍ خارج إطارها الميتافيزيقي:
* أ. قوة التأسيس الميتافيزيقي: تُعتبر محاولة الصدر جريئة في توظيف الميتافيزيقا الإسلامية لدعم الاستقراء، مما يمنحه أساسًا متينًا مقارنةً بالحلول الوضعية. لكن هذا يجعله حلًّا "داخليًّا" يقتصر على القبول بالمقدمات الإسلامية، دون إقناع من يرفضون تلك المقدمات.
* ب. إشكالية التوفيق بين العقل والتجربة: بينما يرفض الصدر الثنائية الكانطية (الفصل بين الشيء في ذاته وظواهره)، يُلاحظ أنه يعيد إنتاجها بشكلٍ ما، عبر افتراض نظامٍ ميتافيزيقيٍ غير خاضع للاختبار التجريبي المباشر.
* ج. مقارنة مع الحلول المعاصرة: تختلف استراتيجية الصدر عن حلول معاصرة مثل البايزية (الاستقراء الاحتمالي)، التي تتجنب الميتافيزيقا لكنها تعتمد على مسلّمات احتمالية قد تكون دائرية. هنا، يبقى سؤال: هل الميتافيزيقا حتمية لتبرير الاستقراء؟
4. الخاتمة
تمثّل نظرية الصدر في الاستقراء محاولةً مبتكرةً لدمج المنطق بالميتافيزيقا الإسلامية، مستفيدةً من التراث الفلسفي الإسلامي في نقاشات الفلسفة العلمية المعاصرة. ورغم أن حله لا يخلو من تحديات، خاصةً في ظل تعددية المناهج الفلسفية، إلا أنه يظل إسهامًا مهمًّا في إثراء الحوار بين الحضارات حول أسس المعرفة العلمية.
هوامش
* الصدر، محمد باقر. فلسفتنا. طبعة دار التعارف، 1980.
* Hume, David. An Enquiry Concerning Human Understanding. 1748.
* Haidar, Hamid. "Islamic Epistemology and the Challenge of Modernity". Journal of Islamic Philosophy, 2007.
هذا المقال يقدّم تحليلًا متوازنًا لرؤية الصدر، مع إبراز قيمتها الفلسفية وحدودها الإبستمولوجية في السياق العالمي.

0 تعليقات