عبد الجبار الرفاعي وتجديد الخطاب الديني: مقاربة في المشروع الفكري

إنارات فقهية نوفمبر 09, 2025 نوفمبر 09, 2025
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 


يُعدُّ المشروع الفكري للدكتور عبد الجبار الرفاعي واحدا من المشاريع التجديدية الجادّة في حقل الفلسفة والدين في العالم العربي والإسلامي المعاصر. ينطلق الرفاعي من خلفيته الأكاديمية في الفلسفة الإسلامية، ووعيه العميق بإشكاليات الواقع الديني، لطرح رؤية نقدية شاملة تهدف إلى إحياء البعد الإنساني والروحي في الدين، وتحريره من قبضة الخطابات الأيديولوجية والجمود التراثي. يمثل مشروعه محاولة لاستئناف الحوار الخلاق بين التراث الإسلامي ومقتضيات العصر، من خلال إعادة بناء علم الكلام بوصفه المدخل النظري الأساسي لتجديد الفكر الديني برمته.


يرى الرفاعي أن أزمة الفكر الديني المعاصر تتجلى بشكل أساسي في عجز علم الكلام التقليدي عن تقديم إجابات مقنعة للتحديات الوجودية والمعرفية التي يفرضها الواقع الحديث. فالعلم الكلامي الكلاسيكي، بمنظوره، كان نتاجا لسياق تاريخي وثقافي مغاير، وقد استنفد أغراضه بعد أن تحول إلى خطاب جدلي مغلق، يكرّس الانقسامات المذهبية ويغيب العلاقة الحية بين الإنسان والله. من هنا، يدعو الرفاعي إلى "علم كلام جديد"، لا يكون مجرد امتداد للأسئلة القديمة وإجاباتها، بل نقلة نوعية تنتقل بالخطاب الديني من حيز الجدل النظري حول العقائد إلى فضاء التجربة الدينية الحية. هذا العلم الجديد لا ينفصل عن إحياء التجارب الروحية الشخصية، ويستوعب إنجازات العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، مع الحفاظ على جوهر الرسالة الدينية التي تضع الإنسان وغايته الوجودية في مركز اهتمامها.


يشكل التركيز على النزعة الإنسانية والرحمانية جوهر مشروع الرفاعي التجديدي. فهو يؤكد أن الغاية المركزية للدين هي خدمة الإنسان وتعزيز كرامته، التي يراها هبة إلهية وجودية، وليست منحة من سلطة دينية أو سياسية. وفق هذه الرؤية، يصبح الدين أداة للتحرر والرحمة، وليس أداة للقمع والإكراه. إن إحياء البعد الروحي يعني استعادة ذلك الحوار الشخصي العميق بين العبد وربه، وهو حوار يتجاوز الطقوس الشكلية ليغوص في أعماق الوجدان والضمير الإنساني. وبالتالي، فإن قراءة النصوص الدينية يجب أن تخضع لهذه الغاية، عبر تأويل يتجاوز الحرفية ليكشف عن الأبعاد الأخلاقية والجمالية التي تثري الحياة الإنسانية وتضفي عليها معنى.


في هذا السياق، يقدم الرفاعي تحليلا دقيقا لأنماط التدين وتمثلاته على المستويين الفردي والجماعي. فهو يلفت إلى أن الدين ليس كيانا موحدا ومتجانسا، بل هو مجموعة من التمثلات والممارسات المتعددة، التي تتشكل وفقا للخبرات الذاتية والظروف الاجتماعية والتاريخية للمتدينين. هذا التنوع في التمثلات يفسر ذلك التعقيد والازدواجية اللذين قد يطبعان السلوك الديني، حيث يتحول الدين أحيانا من مصدر للسلام الداخلي والقيم الأخلاقية إلى إيديولوجيا مغلقة تكرس العنف والاستبعاد. لذلك، تدعو مقاربة الرفاعي إلى فهم الدين كتجربة حية وديناميكية، تتفاعل مع الواقع المتغير، بعيدا عن النماذج الجاهزة والقراءات الحرفية الجامدة التي تحبس الدين في قوالب الماضي.


لا يمكن فهم دعوة الرفاعي إلى التجديد بمعزل عن نقده الجذري للتراث. فهو لا ينكر قيمة التراث الفكرية والأخلاقية، لكنه يحذر من تحوله إلى سلطة مطلقة تسجن العقل المسلم وتمنعه من الاجتهاد والإبداع. يرى أن الهيمنة غير النقدية للتراث على الوعي المعاصر هي أحد الأسباب الرئيسية لأزمة العقل العربي والإسلامي، حيث يتم التعامل مع النصوص التراثية بقداسة تمنع أي محاولة للفحص والتمحيص. من هذا المنطلق، يطالب بقراءة التراث قراءة تاريخية تضع النصوص في سياقاتها الاجتماعية والثقافية، وتكشف عن الأبعاد الإنسانية الخالدة فيها، مع التخلي عن تلك العناصر التي لم تعد متوافقة مع مقتضيات العدل والكرامة الإنسانية في العصر الراهن. لقد تجسد هذا المشروع النقدي عمليا من خلال مؤسسته الأكاديمية، "مركز دراسات فلسفة الدين"، ومجلته "إشكاليات"، اللذين أصبحا منصة حوار فكري مفتوح، أسهم في إثراء النقاش حول قضايا الدين والمجتمع في العالم العربي، وتأثيراته واضحة في أوساط أكاديمية وفكرية عديدة، خاصة في بلدان مثل المغرب والعراق.


 يمثل فكر عبد الجبار الرفاعي محاولة عميقة لتأسيس أنسنة الخطاب الديني، عبر الدمج بين العمق الفلسفي والرؤية النقدية والالتزام الأخلاقي. مشروعه ليس مجرد تنظير أكاديمي منعزل، بل هو مشاركة وجودية في هموم الإنسان المعاصر وإشكالياته، سعيا إلى دين ينفتح على الحياة، ويخدم الإنسان، ويساهم في بناء عالم أكثر عدالة وسلاما. إنه يدعو إلى استعادة الدين كمنبع للرحمة والمحبة والمعنى، في مواجهة النزعات التكفيرية والتطرف التي شوهت صورة الإسلام والمسلمين. ورغم أن مشروعه يواجه تحديات كبيرة من قبل التيارات التقليدية والمحافظة، إلا أنه يظل منارات مشرقة في درب تجديد الفكر الديني، وإحياء لدور المثقف المسلم كجسر بين تراثه الأصيل وإنسانيات العصر.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/