تفسير سورة الواقعة
فاضل الريس
مقدمة:
تتجلى سورة الواقعة كلوحة فنية بديعة، تصور أحداث يوم القيامة العظيم وتقسيم الخلائق إلى ثلاثة أزواج بحسب أعمالهم. في هذا التفسير، سنستكشف المعاني العميقة لهذه الآيات، ونستلهم منها العبر والدروس التي ترشدنا إلى طريق الحق والنجاة.
تفسير الآيات:
1. "إذا وقعت الواقعة"
- الواقعة: اسم من أسماء يوم القيامة، يشير إلى حدث هائل وفريد سيقع لا محالة، وهو يوم الحساب والجزاء الذي لا مفر منه.
- إذا وقعت: تعبير يدل على حتمية وقوع هذا الحدث، ويحثنا على الاستعداد له والتفكر في عواقبه.
2. "ليس لوقعتها كاذبة"
- ليس لوقعتها كاذبة: يؤكد على صدق وعد الله بوقوع القيامة، ويقطع الطريق على أي شك أو تكذيب. فهي حقيقة ثابتة لا يمكن لأحد أن ينكرها أو يتجاهلها، وسوف تقع لا محالة.
3. "خافضة رافعة"
- خافضة رافعة: تشير إلى قدرة الله المطلقة في تغيير الأحوال والأوضاع يوم القيامة. فهو يخفض من يشاء من الكافرين والمجرمين إلى دركات النار، ويرفع من يشاء من المؤمنين والصالحين إلى أعلى درجات الجنة. وتشير أيضًا إلى انقلاب الموازين في ذلك اليوم، حيث تظهر الحقائق الخفية وتنكشف السرائر المستورة، فلا يبقى هناك مكان للخداع أو التظاهر.
4. "إذا رجت الأرض رجا"
- إذا رجت الأرض رجا: تصف شدة الزلزلة التي ستصيب الأرض يوم القيامة، وتهتز بها اهتزازًا عنيفًا يفوق كل تصور، فتتزلزل الأرض وتضطرب، وتخرج أثقالها، وتصبح كأنها سراب يحسبه الظمآن ماء.
5. "وبست الجبال بسا"
- وبست الجبال بسا: تصف الآية تفتت الجبال وتناثرها كالغبار، في مشهد مهيب يدل على قوة الله وعظمته وقدرته على قلب نظام الكون رأسًا على عقب. فالجبال التي تبدو لنا اليوم شامخة وثابتة، ستصبح في ذلك اليوم هباءً منثورًا، مما يزيد من هول المشهد وعظمته.
6. "فكانت هباء منبثا"
- فكانت هباء منبثا: تكمل الآية وصف تفتت الجبال، فتتحول إلى غبار متناثر في الهواء، كأنها لم تكن موجودة من قبل. وهذا المشهد يذكرنا بضعف الإنسان وقلة حيلته أمام قدرة الله وعظمة يوم القيامة.
7. "وكنتم أزواجا ثلاثة"
- وكنتم أزواجا ثلاثة: تشير إلى تقسيم الناس يوم القيامة إلى ثلاث فئات بحسب أعمالهم: أصحاب الميمنة، وهم أهل السعادة والنعيم، وأصحاب المشأمة، وهم أهل الشقاء والعذاب، والسابقون، وهم الصفوة المقربون إلى الله.
8. "فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة"
- فأصحاب الميمنة: هم أهل السعادة والنعيم، الذين يؤتون كتاب أعمالهم باليمين.
- ما أصحاب الميمنة: أسلوب استفهام تعجبي للإشارة إلى عظمة مكانتهم وشأنهم، وإلى ما أعده الله لهم من نعيم مقيم في الجنة.
9. "وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة"
- وأصحاب المشأمة: هم أهل الشقاء والعذاب، الذين يؤتون كتاب أعمالهم بالشمال.
- ما أصحاب المشأمة: أسلوب استفهام تعجبي للإشارة إلى سوء حالهم ومصيرهم، وإلى ما أعده الله لهم من عذاب أليم في النار.
10. "والسابقون السابقون"
- والسابقون السابقون: هم الذين سبقوا إلى الخيرات والأعمال الصالحة، وتفوقوا على غيرهم في الطاعة والعبادة. وتكرار اللفظ يؤكد على مكانتهم وفضلهم، وأنهم أعلى درجة من أصحاب الميمنة في الجنة.
11. "أولئك المقربون"
- أولئك المقربون: يشير إلى السابقين، وهم أعلى درجة في الجنة، فهم المقربون إلى الله، الذين بلغوا أعلى مراتب الإيمان والتقوى.
12. "في جنات النعيم"
- في جنات النعيم: يصف مكانة المقربين، فهم في أعلى درجات الجنة، حيث النعيم المقيم واللذات الأبدية التي لا تنقطع ولا تزول.
13. "ثلة من الأولين"
- ثلة من الأولين: يشير إلى أن المقربين يتألفون من جماعة كبيرة من الأمم السابقة، الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات.
14. "وقليل من الآخرين"
- وقليل من الآخرين: يشير إلى أن المقربين يتألفون أيضًا من عدد قليل من هذه الأمة، مما يدل على أن الفوز بالجنة ليس حكرًا على أمة معينة، بل هو لمن اتقى الله وعمل صالحًا، وأن قلة من هذه الأمة ستبلغ هذه الدرجة العالية من القرب إلى الله.
15. "على سرر موضونة"
- على سرر موضونة: يصف نعيم المقربين في الجنة، فهم يستريحون على سرر فاخرة، مصنوعة بعناية وإتقان، ومزينة بأجمل الألوان والنقوش.
16. "متكئين عليها متقابلين"
- متكئين عليها متقابلين: يصف حالة المقربين على السرر، فهم في حالة استرخاء وراحة، ويتكئون عليها في أوضاع مريحة، ويتقابلون ويتبادلون الأحاديث الودية والطيبة، في جو من الألفة والمحبة.
17. "يطوف عليهم ولدان مخلدون"
- يطوف عليهم ولدان مخلدون: يخدم المقربين في الجنة ولدان لا يكبرون ولا يشيخون، ويظلون في شباب دائم، ويقدمون لهم ما لذ وطاب من الطعام والشراب والخدمات الأخرى، في صورة تجسد الكرم والجود الإلهي.
18. "بأكواب وأباريق وكأس من معين"
- بأكواب وأباريق وكأس من معين: يقدم الخدم للمقربين مشروبات متنوعة في أكواب وأباريق، ومن بينها كأس من خمر مخصوص، وهو شراب طهور لا يسكر ولا يذهب العقل، بل يزيد من لذتهم ونعيمهم.
19. "لا يصدعون عنها ولا ينزفون"
- لا يصدعون عنها ولا ينزفون: يؤكد أن الخمر في الجنة لا تسبب أي أذى أو ضرر، بل هي مصدر للذة ونعيم خالص، فلا تسبب الصداع أو السكر أو أي آثار سلبية أخرى، بل هي مشروب طاهر يزيد من بهجة الحياة في الجنة.
20. "وفاكهة مما يتخيرون"
- وفاكهة مما يتخيرون: يتمتع المقربون بأطيب الفاكهة، ويختارون منها ما يحلو لهم، فهي متوفرة بأنواعها وألوانها وأشكالها، وتلبي جميع الأذواق والرغبات، في صورة من صور الكرم الإلهي الذي لا حدود له.
21. "ولحم طير مما يشتهون"
- ولحم طير مما يشتهون: يتناولون أيضًا لحوم الطيور الشهية، ويختارون منها ما يشتهون، فهي مطهوة ومجهزة بأفضل الطرق، وتقدم لهم بكل كرم وجود، في صورة من صور النعيم الذي لا يخطر على بال بشر.
22. "وحور عين"
- وحور عين: يصف نساء الجنة بأنهن جميلات الطلعة، ذوات عيون واسعة وجميلة، وهن خلق خاص من خلق الله، يتمتعن بصفات فريدة وجمال لا يوصف، يزيد من سعادة أهل الجنة ونعيمهم.
23. "كأمثال اللؤلؤ المكنون"
- كأمثال اللؤلؤ المكنون: تشبيه بديع يصور جمال حور العين وصفاءهن، ويدل على أنهن لم يمسسهن أحد من قبل، كاللؤلؤ المصون المخزون في الصدف، لم24. "جزاء بما كانوا يعملون"
- يؤكد أن كل هذه النعم هي جزاء للمقربين على أعمالهم الصالحة في الدنيا، وأن الله يجزي المحسنين بإحسان، ويجازيهم على أعمالهم الصالحة التي أدوها في حياتهم الدنيا، فيثيبهم على طاعتهم وإيمانهم.
25. "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما"
- تتميز الجنة بأنها خالية من الكلام الباطل والسيئ، فلا يسمع فيها أي كلام لا فائدة منه أو يؤدي إلى الإثم، بل هي مكان للكلام الطيب والذكر الحسن.
26. "إلا قيلا سلاما سلاما"
- الكلام الوحيد الذي يسمعه المقربون في الجنة هو السلام والتحية، مما يدل على الأمن والسكينة التي تسود فيها، وعلى المحبة والألفة بين أهلها.
27. "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين"
- يعرفنا هذا النص بأصحاب اليمين، وهم أهل الجنة الذين يؤتون كتاب أعمالهم باليمين. ويستخدم أسلوب الاستفهام للتعبير عن عظمة مكانتهم وجزائهم، وإثارة الدهشة والإعجاب بهم.
28. "في سدر مخضود"
- يتمتع أصحاب اليمين في الجنة بأشجار السدر، وهي شجرة النبق، وقد أزيل عنها الشوك لتصبح أكثر جمالًا وفائدة، فلا يؤذيهم شوكها، بل يستمتعون بظلها وثمارها اللذيذة.
29. "وطلح منضود"
- يستمتعون أيضًا بأشجار الطلح، وهي شجرة ذات ثمار لذيذة وظل بارد، وقد رتبت ثمارها بشكل جميل ومنظم، مما يزيد من جمال المنظر وروعة الجنة.
30. "وظل ممدود"
- يستظلون بظلال وارفة لا تنقطع ولا تزول، حتى في أوقات الحر الشديد، مما يوفر لهم الراحة والسكينة الدائمة.
31. "وماء مسكوب"
- يشربون من ماء جار عذب، يسقيهم من نعيم الجنة، ويرتوي منه ظمأهم إلى الأبد.
32. "وفاكهة كثيرة"
- يتناولون من الفاكهة المتنوعة والشهية، وهي متوفرة بكثرة في الجنة، وتلبي جميع الأذواق والرغبات.
33. "لا مقطوعة ولا ممنوعة"
- تؤكد على وفرة الفاكهة في الجنة، وأنها لا تنقطع في أي فصل من الفصول، ولا يمنع أحد من تناولها، بل هي متاحة للجميع للاستمتاع بها.
34. "وفرش مرفوعة"
- يستريحون على فرش عالية وناعمة، مصنوعة من أجود أنواع الحرير والديباج، مما يزيد من راحتهم ومتعتهم في الجنة.
35. "إنا أنشأناهن إنشاء"
- يخلق الله نساء الجنة خلقًا خاصًا، يتمتعن بصفات فريدة وجمال لا يوصف، ويجعلهن عذارى في كل مرة يأتيهن أزواجهن، مما يدل على تجدد النعيم في الجنة واستمراره.
36. "فجعلناهن أبكارا"
- نساء الجنة عذارى، لا يعرفن غير أزواجهن، مما يزيد من متعة الأزواج وسعادتهم، ويضمن لهم حياة زوجية هانئة ومستقرة.
37. "عربا أترابا"
- نساء الجنة فصيحات اللسان، يتحدثن العربية، وهن في مثل سن أزواجهن، مما يخلق انسجامًا وتوافقًا بينهم، ويزيد من متعة الحياة الزوجية.
38. "لأصحاب اليمين"
- كل هذه النعم مخصصة لأصحاب اليمين، الذين عملوا الصالحات في الدنيا واتقوا الله، فجزاهم الله على أعمالهم الصالحة بهذه النعم العظيمة.
39. "ثلة من الأولين"
- يتألف أصحاب اليمين من جماعة كبيرة من الأمم السابقة، الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات.
40. "وثلة من الآخرين"
- يتألف أصحاب اليمين أيضًا من جماعة كبيرة من هذه الأمة، مما يدل على شمولية رحمة الله وعدله في الجزاء، وأن الجنة ليست حكرًا على أمة معينة، بل هي لمن اتقى الله وعمل صالحًا.
41. "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال"
- يعرفنا هذا النص بأصحاب الشمال، وهم أهل النار الذين يؤتون كتاب أعمالهم بالشمال. ويستخدم أسلوب الاستفهام للتعبير عن سوء حالهم وعذابهم، وإثارة الرهبة والنفور منهم.
42. "في سموم وحميم"
- يعيش أصحاب الشمال في عذاب شديد، محاطون بسموم النار الحارقة وحميمها المغلي، فلا يجدون أي راحة أو لذة، بل يعانون من الألم والعذاب الشديد.
43. "وظل من يحموم"
- يستظلون بظل الدخان الكثيف، وهو ظل لا يقيهم من حر النار ولا يوفر لهم أي راحة، بل يزيد من عذابهم وشقائهم، ويجعلهم في حالة من الاختناق والضيق.
44. "لا بارد ولا كريم"
- يصف ظل الدخان بأنه لا يبرد ولا يسر، بل يزيد من عذابهم وشقائهم، ويجعلهم في حالة من الضنك والتعاسة.
45. "إنهم كانوا قبل ذلك مترفين"
- يبين الله سبب عذاب أصحاب الشمال، وهو أنهم كانوا في الدنيا مترفين، أي منعَّمين مغرقين في النعيم، فنسوا الله وأعرضوا عن طاعته، وانشغلوا بملذات الدنيا ولذاتها عن ذكر الله وشكره.
46. "وكانوا يصرون على الحنث العظيم"
- يوضح هذا النص أن أصحاب الشمال كانوا مصرين على نقض عهدهم مع الله، واستكبروا عن طاعته، وتمادوا في معاصيهم دون ندم أو توبة، فلم يتعظوا بالنذر والإنذار، واستمروا في غيهم وضلالهم.
47. "وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون"
- يعبر هذا النص عن شك أصحاب الشمال في البعث بعد الموت، واستبعادهم لفكرة إعادة الحياة للأجساد المتحللة. فهم يرون أن الموت هو النهاية، وأن الإنسان يتحول إلى تراب وعظام، ولا يمكن أن يعود إلى الحياة مرة أخرى.
48. "أوآباؤنا الأولون"
- يزيد هذا النص من استبعادهم للبعث، فهم لا يرون إمكانية إعادة الحياة لهم فحسب، بل يستبعدون أيضًا إعادة الحياة لآبائهم وأجدادهم الذين ماتوا منذ زمن بعيد، وتحولت أجسادهم إلى تراب.
49. "قل إن الأولين والآخرين"
- يوجه الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بالرد على هؤلاء المكذبين، ويؤكد لهم أن جميع الناس، سواء من الأولين أو الآخرين، سيُبعثون ويُحشرون يوم القيامة، فلا فرق بينهم في هذا الأمر.
50. "لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم"
- يحدد الله موعدًا محددًا للحشر، وهو يوم القيامة، الذي يعلمه الله وحده، وسوف يحشر الله فيه جميع الخلائق للحساب والجزاء.
51. "ثم إنكم أيها الضالون المكذبون"
- يخاطب الله المكذبين مباشرة، ويصفهم بالضلال والتكذيب، مما يدل على غضب الله عليهم واستيائه من أفعالهم، وأنهم يستحقون العذاب الأليم على كفرهم وعنادهم.
52. "لآكلون من شجر من زقوم"
- يصف الله عذاب أصحاب الشمال بأنهم سيأكلون من شجر الزقوم، وهو شجر مر الطعم ينبت في جهنم، وله ثمار كرؤوس الشياطين، مما يزيد من عذابهم وألمهم.
53. "فمالئون منها البطون"
- سيمتلئون من ثمار الزقوم، مما يزيد من عذابهم وألمهم، ويجعلهم في حالة من الغثيان والاشمئزاز.
54. "فشاربون عليه من الحميم"
- بعد أكل الزقوم، سيشربون من الحميم، وهو ماء شديد الحرارة يغلي في بطونهم، مما يزيد من عذابهم وألمهم، ويجعلهم يتمنون الموت ولا يجدونه.
55. "فشاربون شرب الهيم"
- يشربون شربًا شديدًا كشرب الهيم، وهو الإبل العطشانة التي تشرب الماء بشراهة حتى تموت، أو كشرب الرمال التي لا تروى بالماء، مما يدل على شدة عطشهم وعذابهم.
56. "هذا نزلهم يوم الدين"
- يؤكد الله أن هذا العذاب هو جزاء المكذبين الضالين يوم القيامة، وهو يوم الحساب والجزاء، حيث يجازي الله كل إنسان بما عمل، فيثيب المحسنين ويعاقب المسيئين.
57. "نحن خلقناكم فلو لا تصدقون"
- يخاطب الله المكذبين، ويذكرهم بأنه هو خالقهم، وأنه قادر على إعادة خلقهم يوم القيامة، فكيف لا يصدقون به وبقدرته على البعث والحساب؟
58. "أفرأيتم ما تمنون"
- يسألهم الله عن قدرتهم على خلق المني الذي يخرج من أجسادهم، ويشير إلى أنهم عاجزون عن خلقه، فكيف يشكون في قدرة الله على خلقهم من جديد بعد موتهم وتحولهم إلى تراب؟
59. "أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون"
- يؤكد الله أنه هو الخالق الحقيقي، وأن الإنسان عاجز عن خلق أي شيء، حتى المني الذي يخرج من جسده، فكيف يدعي الإنسان أنه يستطيع أن يخلق نفسه أو غيره؟
60. "نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين"
- يبين الله أنه هو الذي يقدر الموت للناس، وأنه لا يمكن لأحد أن يسبقه أو يعجزه في ذلك، فهو يقبض الأرواح في الوقت الذي يريده، ولا يمكن لأحد أن يتدخل في هذا الأمر.
61. "على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون"
- يوضح الله أن الموت ليس نهاية الوجود، بل هو انتقال إلى حياة أخرى، حيث سيبدل الله الخلق ويخلقهم في صورة أخرى لا يعلمونها، وهي صورة مناسبة للحياة في الآخرة.
62. "ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون"
- يذكر الله الناس بخلقهم الأول، ويحثهم على التفكر فيه والتذكر، فمن خلقهم أول مرة قادر على إعادة خلقهم، فكيف ينكرون البعث وهم يرون قدرة الله في خلقهم من العدم؟
63. "أفرأيتم ما تحرثون"
- يسألهم الله عن قدرتهم على إنبات الزرع الذي يحرثونه، ويشير إلى أنهم عاجزون عن ذلك، وأن الله وحده هو الذي ينبت الزرع وينميه، فهم يزرعون البذور في الأرض، ولكن الله هو الذي يحييها وينبتها.
64. "أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون"
- يؤكد الله أنه هو الزارع الحقيقي، وأن الإنسان مجرد سبب في عملية الزراعة، والله هو الذي يهب الحياة للبذور وينميها، ويخرج منها الزرع والثمار.
65. "لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون"
- يبين الله قدرته على إهلاك الزرع وتحويله إلى حطام، مما يدل على أنه هو المتصرف في الكون، وأن الإنسان ضعيف وعاجز أمامه، فلا يستطيع أن يحمي زرعه من إرادة الله وقدرته.
66. "إنا لمغرمون"
- يعبر هذا النص عن استنكار الإنسان لخسارته في حال إهلاك الزرع، ويشعر بالغبن والحرمان، لأنه بذل جهدًا ومالًا في زراعته، ولكنه لم يحصد ثماره.
67. "بل نحن محرومون"
- يصحح الله قول الإنسان، ويبين أن الحرمان الحقيقي هو حرمانه من نعيم الجنة بسبب كفره ومعصيته، وأن خسارة الدنيا لا تقارن بخسارة الآخرة.
68. "أفرأيتم الماء الذي تشربون"
- يسألهم الله عن قدرتهم على إنزال المطر الذي يشربون منه، ويشير إلى أنهم عاجزون عن ذلك، وأن الله وحده هو الذي ينزل المطر من السماء، وهو الذي يحيي الأرض بعد موتها.
69. "أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون"
- يؤكد الله أنه هو المنزل الحقيقي للمطر، وأن الإنسان مجرد مستفيد من هذه النعمة الإلهية، فلا يستطيع أن ينزل المطر أو يتحكم فيه، بل هو بيد الله وحده.
70. "لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون"
- يبين الله قدرته على تحويل الماء العذب إلى ماء أجاج، أي مالح مر، مما يدل على أنه هو المتصرف في الكون، وأنه يستحق الشكر على نعمه، فبدلاً من أن يشكر الإنسان الله على نعمة الماء العذب، قد ينكرها ويجحدها، فيستحق العقاب والحرمان.
71. "أفرأيتم النار التي تورون"
- يسألهم الله عن قدرتهم على خلق النار التي يوقدونها، ويشير إلى أنهم عاجزون عن ذلك، وأن الله وحده هو الذي خلق النار وأوجدها، فهم يستطيعون إشعال النار، ولكنهم لا يستطيعون خلقها من العدم.
72. "أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون"
- يؤكد الله أنه هو الخالق الحقيقي للنار وللشجرة التي يستخرجون منها الوقود، وأن الإنسان مجرد مستخدم لهذه النعمة، فهو لا يستطيع أن يخلق الشجرة أو ينبتها، بل الله هو الذي يفعل ذلك.
73. "نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين"
- يبين الله أن النار لها فوائد متعددة، فهي تذكرة للإنسان بيوم القيامة ونار جهنم، وهي أيضًا متاع للمقوين، أي المسافرين في الصحراء الذين يحتاجون إليها للتدفئة والإنارة والطهي، فهي نعمة من الله يستخدمها الإنسان في حياته الدنيا.
74. "فسبح باسم ربك العظيم"
- يأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بتسبيحه وتنزيهه، وذلك بعد أن ذكر له الأدلة على قدرته وعظمته، وأنه هو الخالق الرازق المتصرف في الكون، فيجب على الإنسان أن يعترف بفضل الله عليه، ويشكره على نعمه، ويسبحه ويقدسه.
75. "فلا أقسم بمواقع النجوم"
- يقسم الله بمواقع النجوم في السماء، وهي قسم عظيم يدل على أهمية ما سيذكره بعده، فالنجوم لها مواقع محددة في السماء، ولا تتغير ولا تتحرك إلا بإذن الله، مما يدل على قدرته وعلمه وحكمته.
76. "وإنه لقسم لو تعلمون عظيم"
- يؤكد الله على عظمة القسم السابق، ويدعو الناس إلى التفكر فيه والتدبر في معانيه، وأن يتعظوا به ويعلموا أن الله صادق في وعده ووعيده، وأن يوم القيامة حق لا ريب فيه.
77. "إنه لقرآن كريم"
- يخبر الله أن القرآن الكريم هو كلامه المنزل، وهو كلام كريم عظيم الشأن، فيه الهدى والنور والرحمة للناس أجمعين.
78. "في كتاب مكنون"
- يشير إلى أن القرآن محفوظ في اللوح المحفوظ، وهو مكان أمين لا يطاله التغيير أو التحريف، فهو محفوظ عند الله في مكان لا يعلمه إلا هو، مما يدل على عظمته وأهميته.
79. "لا يمسه إلا المطهرون"
- يؤكد على قدسية القرآن، وأنه لا يجوز لمسه إلا لمن كان طاهرًا من الحدث والخبث، سواء كان ذلك المس بيده أو بقراءة أو بحفظ، فهو كلام الله ويجب أن يعامل باحترام وتقدير.
80. "تنزيل من رب العالمين"
- يبين أن القرآن هو كلام الله المنزل من عنده، وهو موجه إلى جميع العالمين، وليس إلى أمة معينة، فيه الهداية للبشرية جمعاء، ويجب على الجميع اتباعه والعمل به.
81. "أفبهذا الحديث أنتم مدهنون"
- يخاطب الله المكذبين، ويوبخهم على استهانتهم بالقرآن وتكذيبهم به، رغم أنه كلام الله المنزل، ويحتوي على الحقائق والبينات التي تدلهم على طريق الصواب. فهم يتعاملون مع القرآن بلا مبالاة، ولا يعيرونه أي اهتمام، وكأنهم يدهنون به، أي يلينونه ويجعلوه شيئًا سهلًا لا قيمة له.
82. "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون"
- يبين الله أن المكذبين يجعلون تكذيبهم بالقرآن سببًا في حرمانهم من الرزق الحقيقي، وهو نعيم الجنة، فهم يفضلون متاع الدنيا الزائل على النعيم المقيم في الآخرة، ويختارون الكفر على الإيمان، فيخسرون بذلك أعظم الأرزاق وأفضلها.
83. "فلو لا إذا بلغت الحلقوم"
- يخاطب الله المكذبين، ويسألهم لماذا لا يستطيعون إعادة الروح إلى الجسد عندما تبلغ الحلقوم، أي عندما يكون الإنسان في سكرات الموت، ويوشك على مفارقة الحياة. وهذا السؤال استنكاري، يبين عجز الإنسان وضعفه أمام قدرة الله.
84. "وأنتم حينئذ تنظرون"
- يؤكد الله أن الناس يشهدون لحظة الموت، ويرون كيف تخرج الروح من الجسد، ولكنهم عاجزون عن منع ذلك أو إعادتها، مما يدل على أن الموت بيد الله وحده، وأنه لا يستطيع أحد أن يتدخل في هذا الأمر.
85. "ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون"
- يبين الله أنه هو الأقرب إلى الإنسان في لحظة الموت، وأن ملائكته القابضون للأرواح هم أقرب إليه من أي شخص آخر، ولكن الإنسان لا يراهم ولا يدركهم، مما يدل على قدرة الله وعلمه وإحاطته بكل شيء.
86. "فلو لا إن كنتم غير مدينين"
- يخاطب الله المكذبين، ويوبخهم على كذبهم وإنكارهم للبعث، ويسألهم لماذا لا يعيدون الروح إلى الجسد إذا كانوا غير مدينين، أي غير مسؤولين عن أعمالهم، وهذا السؤال استنكاري، يبين أنهم لو كانوا صادقين في إنكارهم للبعث، لكانوا قادرين على إعادة الروح إلى الجسد، ولكنهم عاجزون عن ذلك.
87. "ترجعونها إن كنتم صادقين"
- يتحدى الله المكذبين أن يعيدوا الروح إلى الجسد إذا كانوا صادقين في إنكارهم للبعث، وهذا التحدي يبين عجزهم وضعفهم، ويؤكد على حقيقة البعث وقدرة الله على إعادة الحياة للأموات.
88. "فأما إن كان من المقربين"
- يبدأ الله ببيان مصير الإنسان بعد الموت، ويذكر أولًا مصير المقربين، وهم السابقون الذين بلغوا أعلى مراتب الإيمان والتقوى.
89. "فروح وريحان وجنة نعيم"
- يصف الله جزاء المقربين بأنه روح وريحان وجنة نعيم، أي راحة وسعادة ونعيم دائم في الجنة، فهم ينعمون بالروح، أي الراحة والطمأنينة، والريحان، أي النعيم المقيم، وجنة النعيم، وهي أعلى درجات الجنة.
90. "وأما إن كان من أصحاب اليمين"
- يذكر الله مصير أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة الذين يؤتون كتاب أعمالهم باليمين، وهم أقل درجة من المقربين.
91. "فسلام لك من أصحاب اليمين"
- يخاطب الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، ويبين له أن أصحاب اليمين سيحيونه ويسلمون عليه في الجنة، مما يدل على مكانتهم وفضلهم، وعلى أنهم سيكونون في نعيم وسرور.
92. "وأما إن كان من المكذبين الضالين"
- يذكر الله مصير المكذبين الضالين، وهم أهل النار الذين أنكروا البعث وكذبوا بالله ورسله.
93. "فنزل من حميم"
- يصف الله عذابهم بأنهم سيشربون من الحميم، وهو ماء شديد الحرارة يغلي في بطونهم.
94. "وتصلية جحيم"
- سيعذبون أيضًا بتصلية جحيم، أي إدخالهم في النار وإحراقهم بها، وهو عذاب أليم لا يطاق.
95. "إن هذا لهو حق اليقين"
- يؤكد الله أن ما ذكره من البعث والجزاء هو حق اليقين، فلا شك فيه ولا ريب، ويجب على الناس أن يؤمنوا به ويستعدوا له بالأعمال الصالحة.
96. "فسبح باسم ربك العظيم"
- يأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بتسبيحه وتنزيهه، وذلك بعد أن ذكر له الأدلة على قدرته وعظمته، وأنه هو الخالق الرازق المتصرف في الكون، فيجب على الإنسان أن يعترف بفضل الله عليه، ويشكره على نعمه، ويسبحه ويقدسه.
الخلاصة:
تقدم سورة الواقعة وصفًا تفصيليًا ليوم القيامة وأهواله، وتصنف الناس إلى ثلاث فئات بحسب أعمالهم: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. وتبين السورة جزاء كل فئة، فالمقربون ينعمون في جنات النعيم، وأصحاب اليمين يتمتعون بنعم كثيرة في الجنة، بينما أصحاب الشمال يعانون من عذاب أليم في النار. وتحثنا السورة على الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح، لنفوز برضا الله وجنته، ونجتنب غضبه وناره.

0 تعليقات