التداخل الوجودي بين الخالق والمخلوق: استكشافٌ فلسفيٌّ عميقٌ في العلاقة بين الله والوجود
مقدمة تُشكّل علاقة الله بخلقه محورًا أساسيًا في الفكر الفلسفي والديني على مر العصور. وتتنوع الرؤى والتفسيرات لهذه العلاقة بين من يرى تراتبية في الوجود، ومن يعتبر المخلوقات مجرد ظلال للحقيقة الإلهية. وفي خضم هذا التنوع الفكري، تبرز نظرية "التداخل الوجودي" كرؤية فلسفية عميقة تسعى إلى تقديم إطار جديد لفهم هذه العلاقة المعقدة.
الفصل الأول: التداخل الوجودي: مفهومه وموقعه في الفلسفة
التداخل الوجودي: مسألة فلسفية جوهرية تُعرف الفلسفة على أنها البحث في عوارض الموجود بما هو موجود، دون قيد زائد. وبناءً على هذا التعريف، فإن "التداخل الوجودي"، الذي يتناول إمكانية تداخل الموجودات المختلفة فيما بينها، يعتبر مسألة فلسفية جوهرية. ويمكن إدراج هذه المسألة ضمن "الإلهيات بالمعنى الأخص" عندما تتناول تداخل وجود الله مع وجود المخلوقات، أو ضمن "الأمور العامة" عندما تبحث في تداخل أي وجود مع وجود آخر.
تعريف التداخل: من الأجسام إلى الوجود في اللغة، يعني التداخل "دخول شيء في شيء آخر". وقد استخدم الفلاسفة هذا المصطلح أولاً في بحث "تداخل الأجسام"، حيث يعني اجتماع جسمين في مكان يتسع فقط لواحد منهما. ولكن، يمكن توسيع هذا المفهوم ليشمل "التداخل الوجودي"، الذي يعني ثبوت وجودين في موطن واحد، بحيث لا يمنع وجود أحدهما من وجود الآخر. وفي إطار علاقة الله بالمخلوقات، يشير هذا إلى أن وجود الله اللامتناهي لا يمنع من وجود المخلوقات في نفس الموطن الوجودي.
التداخل الوجودي والألفاظ المشابهة: توضيح وتفريق لضمان الفهم الدقيق لمفهوم التداخل الوجودي، يجب تمييزه عن ألفاظ أخرى قد تبدو مشابهة، مثل:
- الاجتماع: هو وجود عدة معان في وجود واحد، كاجتماع معنى "الإنسان" و"الحيوان" في زيد.
- الاتحاد: هو أيضًا وجود عدة معان في وجود واحد، ويستخدم غالبًا في سياق الحمل الشائع الصناعي.
- الانضمام: هو وجود شيئين متغايرين بجانب بعضهما، كالانضمام المفترض بين المادة والصورة في الجسم.
- التركيب الحقيقي: هو اتصال عدة أجزاء لتكوين شيء جديد ذي آثار مختلفة عن آثار الأجزاء، كتركيب الأكسجين والهيدروجين لتكوين الماء.
- الامتزاج: هو خلط ومزج شيئين ببعضهما، وقد يؤدي إلى أثر جديد أو لا.
- الحلول: هو أن يكون وجود الشيء في نفسه عين وجوده لغيره، ويختص بالأعراض والصور الحالّة.
يختلف التداخل الوجودي عن كل هذه المفاهيم، فهو يعني تداخل وجودين مع احتفاظ كل منهما بخصوصيته، دون أن يؤثر أحدهما على الآخر من ناحية التداخل.
- أقسام التداخل: استكشاف التنوع يمكن تقسيم التداخل من وجوه مختلفة:
- بلحاظ الوجود والعدم:
- تداخل وجودين: كتداخل وجود الله اللامتناهي في وجود المخلوقات.
- تداخل الوجود والعدم: كتداخل وجود كتاب مع عدم وجود قلم في نفس المكان.
- تداخل عدمين: كتداخل عدم وجود قلم وعدم وجود دفتر في نفس المكان.
- بلحاظ الوجوب والإمكان:
- تداخل واجبين: كتداخل وجود الله مع وجود واجب مفترض آخر (وهو أمر مستبعد في الفلسفة الإسلامية).
- تداخل الواجب والممكن: كتداخل وجود الله مع وجود المخلوقات.
- تداخل ممكنين: كتداخل وجود الروح مع وجود الجسد.
- تداخل واجب وممكنين: كتداخل وجود الله مع وجود الروح والجسد.
- بلحاظ التناهي وعدم التناهي: يمكن تطبيق نفس الأمثلة السابقة على هذا التقسيم.
الفصل الثاني: التداخل الوجودي بين الله والمخلوقات: المعنى والدليل
نظريات مختلفة حول علاقة المخلوقات بالله: استعراض نقدي قبل التعمق في نظرية التداخل الوجودي، من الضروري استعراض نظريتين سابقتين حول علاقة المخلوقات بالله:
- نظرية التشكيك في الوجود: ترى وجودًا واحدًا ذا مراتب مختلفة بين الله والمخلوقات، فوجود الله هو الأشد، بينما وجود المخلوقات أضعف، وعلاقة المخلوقات بالله هي علاقة الرابط بالمستقل.
- نظرية الوحدة الشخصية للوجود: ترى أنّ المخلوقات ليست إلا تجليات لله، وعلاقتها به هي علاقة الشأن بذي الشأن.
نظرية التداخل الوجودي: رؤية توافقية تقدم نظرية التداخل الوجودي رؤية توافقية تجمع بين القول بوجود حقيقي للمخلوقات، وبين عدم تناهي وجود الله. فالله حاضر في جميع مواطن الوجود، ووجوده متداخل في الوجودات الأخرى، دون أن يلغي ذلك وجودها الحقيقي ومغايرتها له.
التداخل الوجودي في الشريعة: السند النقلي لا يقتصر إثبات نظرية التداخل الوجودي على العقل، بل تدعمها أيضًا نصوص دينية، مثل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تشير إلى حضور الله في كل مكان، وتداخل وجوده مع وجود المخلوقات، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ﴾ وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
خاتمة تُعدّ نظرية التداخل الوجودي رؤيةً فلسفيةً عميقةً تقدم إطارًا جديدًا لفهم علاقة الله بالمخلوقات. فهي تؤكد على حضور الله اللامتناهي في كل مكان، وعلى وجود حقيقي للمخلوقات، بحيث يكون وجود الله متداخلاً في وجودها دون أن يمتزجا أو يتحدا. وتجد هذه النظرية سندًا لها في كل من العقل والنقل، مما يزيد من قوتها ومتانتها، ويجعلها جديرة بالدراسة والتأمل.
إضاءات إضافية
- يمكن اعتبار التداخل الوجودي صفة فعلية لله، أي صفة تحتاج إلى أمر خارج عن ذاته ليتصف بها، مثل صفة "الخالق". وهذا يعني أن تداخل الله في المخلوقات لا يضيف إلى كماله شيئًا، وعدم اتصافه به قبل خلق المخلوقات لا يعني نقصًا فيه.
- تجيب نظرية التداخل الوجودي عن إشكالية برهان عدم التناهي، الذي يستخدم لإثبات وحدة الوجود، فبينما يرى هذا البرهان أن عدم تناهي الله يستلزم نفي أي وجود آخر، فإن نظرية التداخل الوجودي تسمح بوجود المخلوقات وتداخلها مع وجود الله دون أن ينتقص ذلك من عدم تناهيه.
- يمكن استخدام أمثلة أخرى لتقريب مفهوم التداخل الوجودي، مثل تداخل الهواء مع الماء في كأس، أو تداخل الضوء مع الهواء في غرفة.
- يتطلب فهم نظرية التداخل الوجودي فهماً عميقاً للمفاهيم الفلسفية الأساسية، مثل الوجود، العدم، الوجوب، الإمكان، التناهي، وعدم التناهي.
- تفتح نظرية التداخل الوجودي الباب أمام المزيد من البحث والاستكشاف في العلاقة بين الله والوجود، وتدعو إلى إعادة النظر في بعض المسائل الفلسفية التقليدية.

0 تعليقات