العصمة النبوية: تأملات فلسفية في مفهوم التكليف والاختيار من خلال النص القرآني - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 25, 2024 أغسطس 25, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

العصمة النبوية: تأملات فلسفية في مفهوم التكليف والاختيار من خلال النص القرآني


فاضل عباس الريس 

مقدمة

تُعدّ عصمة الأنبياء، ولا سيما النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، من المسائل الجوهرية التي تشغل حيزًا كبيرًا في الفكر الإسلامي، وتتداخل هذه المسألة مع مفاهيم فلسفية عميقة مثل الإرادة الحرة، التكليف الإلهي، والاختيار الإنساني. يهدف هذا المقال إلى تقديم تأملات فلسفية معمقة في مسألة عصمة الأنبياء، مع التركيز على النبي محمد، من خلال استقراء النص القرآني وتأويلاته المختلفة. وسيتم التركيز بصفة خاصة على الرؤية الشيعية التي تؤمن بعصمة الأنبياء المطلقة، حتى في مرحلة ما قبل البعثة، ومناقشة الآيات التي قد توحي بنقيض ذلك.

المفاهيم الأساسية

  • العصمة: هي مفهوم متعدد الأبعاد، يجمع بين الحفظ الإلهي، والتوفيق الرباني، والامتناع الاختياري عن الذنب والخطأ. وهي تعكس علاقة فريدة بين الإنسان والله، حيث يتجلى فيها التكليف الإلهي والاختيار الإنساني في أسمى صورهما. وتُعدّ العصمة في الإسلام شرطًا أساسيًا للنبوة، إذ تضمن سلامة الرسالة الإلهية وصدق النبي في تبليغها. فالنبي المعصوم هو الذي يحظى بحفظ الله وتوفيقه، فلا يصدر عنه أي ذنب أو خطأ، سواء كان ذلك عن قصد أو سهوًا، في جميع جوانب حياته، قبل البعثة وبعدها.

  • النبوة: تمثل النبوة ذروة الكمال الإنساني، حيث يتم اختيار النبي من قبل الله لتبليغ رسالته وتجسيد القيم الأخلاقية والروحية. وتتجلى في النبي الإرادة الحرة في أسمى صورها، حيث يختار طاعة الله والتزام أمره رغم قدرته على مخالفته. والنبوة هي مقام عظيم اختصه الله ببعض عباده الصالحين، ليكونوا وسيلة اتصال بينه وبين البشر، ولتبليغ رسالته وتعاليمه. ويُشترط في النبي أن يكون معصومًا؛ حتى يكون أهلاً لحمل هذه الأمانة العظيمة، ويكون قدوة للناس في جميع شؤون حياتهم.

  • البعثة: هي لحظة التحول في حياة النبي، حيث يتلقى الوحي ويكلف برسالة محددة. وتمثل البعثة تحديًا وجوديًا للنبي، حيث يواجه صعوبات وتضحيات جسيمة في سبيل أداء رسالته. وهي تمثل بداية مرحلة جديدة في حياة النبي، حيث ينتقل من الحياة العادية إلى حياة الرسالة والتكليف. وتتطلب البعثة من النبي أن يكون مستعدًا لتحمل أعباء الرسالة، وأن يكون معصومًا من الخطأ حتى يتمكن من أداء مهمته على أكمل وجه.

التأملات الفلسفية في مسألة العصمة

تثير مسألة العصمة تساؤلات فلسفية عميقة حول طبيعة الإرادة الحرة، التكليف الإلهي، والاختيار الإنساني. فإذا كان النبي معصومًا، فهل يعني ذلك أنه مجبر على الطاعة، وبالتالي يفقد إرادته الحرة؟ وإذا كان قادرًا على المعصية ولكنه يختار الطاعة، فهل يعني ذلك أن عصمته اختيارية وليست إجبارية؟

تقدم الرؤية الشيعية إجابة فلسفية متكاملة لهذه التساؤلات، حيث ترى أن العصمة هي هبة إلهية، لكنها ليست إجبارية، بل هي نتيجة اختيار النبي للطاعة والالتزام بأمر الله. وتتجلى في هذا الاختيار الإرادة الحرة في أسمى صورها، حيث يختار النبي الطاعة رغم قدرته على المعصية.

وتعكس هذه الرؤية مفهومًا عميقًا للتكليف الإلهي، حيث لا يتعارض التكليف مع الإرادة الحرة، بل يكملها. فالله يكلف الإنسان بما هو قادر عليه، ويمنحه الحرية في الاختيار بين الطاعة والمعصية. وتتجلى عظمة النبي في اختياره الطاعة رغم قدرته على المعصية، وهذا ما يجعله قدوة للبشرية جمعاء.

العصمة قبل البعثة: جدلية النص القرآني

تؤكد الرؤية الشيعية على عصمة الأنبياء المطلقة، حتى قبل البعثة. وتستند في ذلك إلى أدلة قرآنية وحِكمية، وتقدم تفسيرات للآيات التي قد توحي بنقيض ذلك، مما يثير جدلية حول فهم النص القرآني وتأويله.

  • شبهة الضلال:

    • الآية: "ووجدك ضالاً فهدى" (الضحى: 7)
    • التأويل الشيعي: الضلال هنا لا يعني الضلال عن الدين، بل يعني عدم العلم بالنبوة والرسالة، أي أن النبي كان قبل البعثة في حالة بحث عن الحقيقة والمعرفة، فهداه الله إليها واختاره لتبليغ رسالته.
    • البعد الفلسفي: يؤكد هذا التأويل على أن النبي، حتى قبل البعثة، كان يتمتع بإرادة حرة وكان يبحث عن الحقيقة، مما يدل على صفاء فطرته ونقائه الداخلي.
  • شبهة الوزر والزلل السلوكي:

    • الآية: "ووضعنا عنك وزرك" (الشرح: 2)
    • التأويل الشيعي: الوزر هنا لا يعني الذنب، بل يعني ثقل أعباء الرسالة، أي أن الله خفف عن النبي أعباء الرسالة وأيّدَه في تبليغها.
    • البعد الفلسفي: يبرز هذا التأويل عظمة التكليف الإلهي، حيث يخفف الله عن نبيه أعباء الرسالة، لكنه لا يسلب منه إرادته الحرة في تحملها وأدائها.
  • شبهة الغفلة والضلال:

    • الآية: "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" (يوسف: 3)
    • التأويل الشيعي: الغفلة هنا لا تعني الضلال عن الدين، بل تعني عدم العلم بقصص الأنبياء السابقة قبل نزول الوحي.
    • البعد الفلسفي: يؤكد هذا التأويل على أن النبي، حتى قبل البعثة، كان يتمتع بصفاء فطرة ونقاء داخلي، وأنه لم يكن متأثرًا بالقصص والأساطير الشائعة في عصره.
  • شبهة الكفر والشرك:

    • الآية: "ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان" (الشورى: 52)
    • التأويل الشيعي: عدم العلم بتفاصيل الشريعة قبل البعثة لا يعني الكفر أو الشرك، بل يؤكد على أن النبي كان مؤمنًا بالله وملتزمًا بالأصول الأخلاقية.
    • البعد الفلسفي: يبرز هذا التأويل أهمية الوحي في بناء المعرفة الدينية، وأن الإيمان بالله لا يتعارض مع عدم العلم بتفاصيل الشريعة قبل البعثة.
  • شبهة غفران الذنوب:

    • الآية: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" (الفتح: 2)
    • التأويل الشيعي: الذنب هنا لا يعني المعصية، بل يعني الذنوب السابقة واللاحقة للأمة، أو ذنوب قومه الذين منعوه من دخول مكة، أو نسخ أحكام المشركين.
    • البعد الفلسفي: يبرز هذا التأويل مفهوم الشفاعة في الإسلام، حيث يشفع النبي لأمته ويطلب لهم المغفرة من الله، مما يدل على رحمته وعطفه.

العصمة والاختيار: بين الجبر والتفويض

تثير مسألة العصمة جدلية فلسفية أخرى حول العلاقة بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية. فهل عصمة النبي تعني أن الله أجبره على الطاعة، وبالتالي سلب منه إرادته الحرة؟ أم أن الله منحه القدرة على الاختيار، ولكنه اختار طاعة الله بإرادته الحرة؟

تقدم الفلسفة الإسلامية حلاً لهذه المعضلة من خلال مفهوم "الأمر بين الأمرين"، الذي يرفض كلاً من الجبر والتفويض. فالله لا يجبر الإنسان على فعل شيء، ولا يفوض إليه الأمر تمامًا، بل يمنحه القدرة على الاختيار ويؤثر فيه بالإلهام والهداية. وفي حالة النبي، يتجلى هذا التأثير الإلهي في أسمى صوره، حيث يختار النبي الطاعة بإرادته الحرة، ولكن بتوفيق وإلهام من الله.

الأبعاد الأخلاقية والتربوية للعصمة

تتجلى الأبعاد الأخلاقية والتربوية للعصمة في كونها نموذجًا مثاليًا يحتذى به. فالنبي المعصوم هو القدوة الحسنة التي تجسد القيم الأخلاقية والروحية في أسمى صورها. وتدعو هذه القدوة إلى الاقتداء بالنبي في جميع شؤون الحياة، والسعي إلى تحقيق الكمال الإنساني من خلال الالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه.

وتعكس العصمة أيضًا مفهومًا عميقًا للمسؤولية الأخلاقية، حيث يتحمل النبي مسؤولية عظيمة في تبليغ رسالة الله وهداية الناس. وهذه المسؤولية تتطلب منه أن يكون معصومًا من الخطأ، حتى لا يضل الناس بسبب أخطائه.

العصمة والعدالة الإلهية

تثير مسألة العصمة تساؤلات حول عدالة الله. فإذا كان الله قد منح الأنبياء عصمة خاصة، فهل هذا يعني أنه يفضل بعض الناس على الآخرين؟ وهل هذا يتعارض مع مفهوم العدالة الإلهية؟

يجيب الفكر الإسلامي على هذه التساؤلات بأن الله لا يفضل أحدًا على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح. وعصمة الأنبياء هي نتيجة لاختيارهم الطاعة والالتزام بأمر الله، وليست تفضيلاً تعسفيًا. والله تعالى هو العدل المطلق، ولا يظلم أحدًا من خلقه.

العصمة والحكمة الإلهية

ترتبط العصمة أيضًا بمفهوم الحكمة الإلهية. فالله تعالى هو الحكيم، وكل أفعاله مبنية على الحكمة والمصلحة. وعصمة الأنبياء هي تجلٍ من تجليات الحكمة الإلهية، إذ تضمن سلامة الرسالة الإلهية ونجاحها في هداية البشرية.

العصمة والمعرفة الإلهية

تتصل العصمة أيضًا بمفهوم المعرفة الإلهية. فالله تعالى هو العليم بكل شيء، ويعلم من خلقه من يستحق النبوة والعصمة. واختيار الله للأنبياء ومنحهم العصمة هو دليل على علمه المسبق بصدقهم وإخلاصهم وقدرتهم على تحمل أعباء الرسالة.

الخلاصة

تقدم هذه المقالة تأملات فلسفية معمقة في مسألة عصمة الأنبياء، مع التركيز على النبي محمد (صلى الله عليه وآله). وتؤكد على أن العصمة هي هبة إلهية، ولكنها ليست إجبارية، بل هي نتيجة اختيار النبي للطاعة والالتزام بأمر الله. وتتجلى في هذا الاختيار الإرادة الحرة في أسمى صورها، حيث يختار النبي الطاعة رغم قدرته على المعصية.

وتعكس هذه الرؤية مفهومًا عميقًا للتكليف الإلهي، حيث لا يتعارض التكليف مع الإرادة الحرة، بل يكملها. فالله يكلف الإنسان بما هو قادر عليه، ويمنحه الحرية في الاختيار بين الطاعة والمعصية. وتتجلى عظمة النبي في اختياره الطاعة رغم قدرته على المعصية، وهذا ما يجعله قدوة للبشرية جمعاء.

وتؤكد هذه المقالة أيضًا على عصمة الأنبياء المطلقة، حتى قبل البعثة. وتستند في ذلك إلى أدلة قرآنية وحِكمية، وتقدم تأويلات للآيات التي قد توحي بنقيض ذلك. وتقدم الرؤية الشيعية تأويلات فلسفية لهذه الآيات، تربطها بمفاهيم الإرادة الحرة، التكليف الإلهي، والاختيار الإنساني.

وتدعو هذه المقالة إلى إعادة قراءة النص القرآني وتأويلاته المختلفة في ضوء هذه المفاهيم الفلسفية، سعياً إلى فهم أعمق لطبيعة النبوة والعصمة وعلاقتها بالإرادة الحرة والتكليف الإلهي، وكذلك إلى فهم أعمق لعدالة الله وحكمته وعلمه.


شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/