سورة الفيل: تدابير الله في وجه الطغيان
مقدمة
تتجلى في سورة الفيل عظمة الله وقدرته على حماية بيته الحرام، وتدمير كل من تسول له نفسه المساس به. وتبرز السورة كيف أن الله يدافع عن المؤمنين به، ويرد كيد الكائدين في نحورهم. إنها قصة تاريخية تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا خالدة، وتذكرنا بأن الله هو القادر على كل شيء، وأنه لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.
الآية 1: رؤية بعين اليقين
(1) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ
تبدأ السورة باستفهام إنكاري، يستدعي التفكر والتدبر في قدرة الله وعظمته. فالفعل "ترى" لا يشير إلى الرؤية الحسية، بل إلى الرؤية القلبية والمعرفة اليقينية. وكأن الله يخاطبنا: "ألم تعلموا وتيقنوا بما فعل ربكم بأصحاب الفيل؟" إنها دعوة لاستحضار تلك الواقعة التاريخية العظيمة، واستخلاص العبر والدروس منها.
الآية 2: كيد الكائدين في تضليل
(2) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
يؤكد هذا الاستفهام الإنكاري عجز الكائدين وضعف تدبيرهم. فكيدهم الذي أرادوا به هدم الكعبة وإذلال المسلمين، انتهى بهم إلى التهلكة والضياع. إن الله يجعل كيد الكافرين في تضليل، ويرد تدبيرهم عليهم، ويحول قوتهم إلى ضعف وهوان.
الآية 3: جنود السماء
(3) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ
في هذه الآية، يتجلى تدخل الله المباشر لحماية بيته الحرام. فأرسل عليهم طيرًا أبابيل، أي جماعات متفرقة من الطير، لتكون جنودًا من السماء تدافع عن الكعبة وتدمر أعداء الله.
الآية 4: حجارة من سجيل
(4) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ
لم تكن هذه الطيور تحمل أسلحة تقليدية، بل كانت تحمل حجارة من سجيل، وهي حجارة من الطين المحروق، شديدة الصلابة والحرارة. وكانت هذه الحجارة بمثابة القذائف التي أهلكت أصحاب الفيل وأبادتهم.
الآية 5: كعصف مأكول
(5) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ
تصف هذه الآية نهاية أصحاب الفيل المأساوية. فقد أصبحوا كعصف مأكول، أي كأوراق الزرع التي أكلها الدود والهوام، فلم يبق منهم إلا أشلاء متناثرة. إنها نهاية كل طاغية يتجرأ على الله وبيته الحرام.
بحث روائي
تجمع الروايات على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة الأشرم. وقد بنى كعبة في اليمن ليحج الناس إليها بدلًا من الكعبة المشرفة. وعندما علم بفعل رجل من كنانة في كعبته باليمن، غضب أبرهة وأقسم على هدم الكعبة. قاد جيشه نحو مكة، ولكن الله أرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فأهلكتهم جميعًا.
وقد ورد في الحديث الشريف عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "لما أراد أبرهة الأشرم أن يهدم الكعبة، بعث الله إليه طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول".
الخاتمة
سورة الفيل هي تذكير بقدرة الله وعظمته، وبأنه الناصر للمؤمنين والمدمر للكافرين. إنها قصة تاريخية تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا خالدة، وتحثنا على الثقة بالله والتوكل عليه، وعلى الدفاع عن الحق والوقوف في وجه الظلم والطغيان. إنها تذكير بأن الله هو القادر على كل شيء، وأنه لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.

0 تعليقات