تزكية النفس في فكر الإمام الخميني (رحمة الله عليه): دراسة معمقة
مقدمة
يعتبر الإمام الخميني (رحمة الله عليه) رمزًا شامخًا للتزكية والتهذيب النفسي في العصر الحديث. امتدادًا لسلسلة الأولياء الصالحين، سار على نهج الأنبياء والأئمة المعصومين في تزكية النفس وتهذيبها، مجاهدًا في سبيل الله ومقاومًا للظلم والطغيان. تميز نهجه في التزكية بالفرادة والعمق، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي عاشها، حيث واجه تحديات جسام واستطاع تحقيق انتصار الروح على المادة.
تركز هذه الدراسة على إبراز أهمية تزكية النفس في الإسلام من خلال استعراض فكر الإمام الخميني (رحمة الله عليه) في هذا المجال. سنتناول بالتفصيل الطرق المؤدية إلى التزكية، والعوامل المانعة منها، مع تسليط الضوء على نماذج مضيئة من حياة الإمام تجسد مفهوم التزكية في أسمى معانيه.
الفصل الأول: الطرق المؤدية إلى تزكية النفس
1. جهاد النفس
- التعريف: جهاد النفس هو الصراع الداخلي المستمر الذي يخوضه الإنسان لترويض شهواته وغرائزه، وجعلها خاضعة لأوامر الله تعالى. إنه الانتصار على قوى الظاهرية وتطهير النفس من دنس قوى الشيطان.
- الأهمية: يعتبر جهاد النفس من أهم أسس التزكية، فهو يمهد الطريق لتحقيق التقوى والوصول إلى مقام الإحسان. فالنفس الإنسانية ميالة بطبيعتها إلى الشهوات والملذات، وجهادها يكمن في مقاومة هذه الميول وتوجيهها نحو ما يرضي الله تعالى.
- في فكر الإمام: يؤكد الإمام الخميني على أن جهاد النفس هو "الجهاد الأكبر"، وهو أصعب من الجهاد في ساحة المعركة. ويرى أن تحقيق التزكية الحقيقية لا يمكن أن يتم بمعزل عن معترك الحياة وتحمل الصعاب، فالسالك الحق هو الذي يجاهد نفسه في كل لحظة، ويقاوم إغراءات الدنيا وشهواتها. يقول الإمام: "إن ما هو ضروري بالنسبة إلينا جميعاً هو أن نبدأ بإصلاح أنفسنا و عدم الاقتناع بإصلاح الظاهر وحده، بل السعي للبدء بإصلاح قلوبنا و عقولنا".
2. العلم
- التعريف: العلم هو المعرفة الحقيقية التي تنير العقل والقلب، وتهدي الإنسان إلى طريق الحق والصلاح. وهو يشمل العلم بالله تعالى و صفاته، والعلم بالكون والحياة، والعلم بأحكام الشريعة الإسلامية وآدابها.
- الأهمية: يعتبر العلم من أهم وسائل التزكية، فهو ينير بصيرة الإنسان ويزيده معرفة بالله تعالى، مما يقوي إيمانه ويزيده إقبالاً على الطاعات واجتناباً للمعاصي.
- في فكر الإمام: يرى الإمام الخميني أن العلم والتربية توأمان لا ينفصلان، فالعلم الحقيقي هو الذي يقترن بتهذيب النفس وإصلاحها. ويؤكد على أن العلم الذي لا يزكي النفس ويقرب إلى الله هو علم لا قيمة له. يقول الإمام: "صحيح أنّ العلم نور، و لكن الأوعية النظيفة و القلوب الطاهرة، أما الأوعية النتنة و القلوب المظلمة فليس الأمر فيها كذلك".
3. التمسك بالقيم الأخلاقية
- التعريف: الأخلاق هي مجموعة الصفات الحميدة التي يتحلى بها الإنسان، كالصبر والشجاعة والكرم والعفة والصدق والأمانة وغيرها. وهي تعكس جوهر الإنسان وتحدد قيمته ومكانته.
- الأهمية: الأخلاق الحسنة أساس تزكية النفس، وهي الطريق إلى رضا الله تعالى والفوز بالجنة. فالإنسان الذي يتحلى بالأخلاق الحميدة يكون قريبًا من الله تعالى، ومحبوبًا عند الناس.
- في فكر الإمام: يؤكد الإمام الخميني على أهمية التمسك بالقيم الأخلاقية، ويرى أنها أساس بناء الإنسان وتزكية نفسه. ويحذر من الانجراف وراء الشهوات والأهواء، ويحث على التحلي بالأخلاق الإسلامية الحميدة. يقول الإمام: "إن الله سبحانه و تعالي إنمّا بعث الأنبياء عليهم السلام لبناء الإنسان و تربيته، و تحذيره من اتبّاع الطرق المؤدّية إلي النقائص الرذائل، و ترغيبه بالفضائل".
4. القرآن والعترة الطاهرة
- التعريف: القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو معجزة خالدة وهادٍ إلى سواء السبيل. والعترة الطاهرة هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الأئمة المعصومون الذين اختارهم الله تعالى لحفظ الدين وتبيين أحكامه.
- الأهمية: القرآن والعترة هما المصدران الأساسيان للهداية والتربية في الإسلام، وهما الطريق إلى معرفة الله تعالى والسلوك إليه. ففي القرآن الكريم تجد كل ما يحتاجه الإنسان في حياته، وفي العترة الطاهرة تجد القدوة الحسنة والأسوة الصالحة.
- في فكر الإمام: يعتبر الإمام الخميني القرآن والعترة الطاهرة هما "الثقلين" اللذين أوصى بهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤكد على ضرورة التمسك بهما في كل شؤون الحياة. يقول الإمام: "فالقرآن الكريم كتاب معرفة الله و طريق السلوك إليه تعالي".
5. الجهاد في ساحة الحرب
- التعريف: الجهاد في ساحة الحرب هو القتال في سبيل الله تعالى دفاعًا عن الإسلام والمسلمين، وهو من أفضل العبادات وأجل الطاعات.
- الأهمية: الجهاد في سبيل الله له أثر كبير في تزكية النفس، فهو يربي في الإنسان الشجاعة والتضحية والإيثار، ويجعله مستعدًا للتخلي عن كل شيء في سبيل الله تعالى.
- في فكر الإمام: يعتبر الإمام الخميني الجهاد في سبيل الله "بابًا من أبواب الجنة"، وهو وسيلة لتحقيق الشهادة في سبيل الله، التي تعتبر أسمى مراتب التزكية. يقول الإمام: "لقد طوي هؤلاء في ليلة واحدة طريق مئة سنة، و قد وصلت أيديهم و بشكل مباغت إلي كلّ ما يتمناه العرفاء و الشعراء من العرفان في سنوات متمادية".
6. أداء التكليف الشرعي
- التعريف: التكليف الشرعي هو ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه، وهو يشمل الفرائض والواجبات والمستحبات والمكروهات والمحرمات.
- الأهمية: أداء التكليف الشرعي هو أساس العبادة والطاعة، وهو الطريق إلى رضا الله تعالى والفوز بالجنة. فالإنسان الذي يؤدي تكاليفه الشرعية يكون قد حقق الغاية من وجوده، وأثبت صدق إيمانه وتقواه.
- في فكر الإمام: يعتبر الإمام الخميني أداء التكليف الشرعي هو المحور الأساسي في حياة المسلم، وهو الطريق إلى تحقيق التزكية الحقيقية. ويؤكد على أن كل العبادات والأعمال الصالحة يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، وأن تكون مبنية على أساس التقوى والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه. يقول الإمام: "إنّ الطريقة و الحقيقة لا تحصلان إلا من طريق الشرعية".
الفصل الثاني: العوامل المانعة عن تزكية النفس
1. الغفلة
- التعريف: الغفلة هي نسيان الله تعالى والانشغال عنه بمتاع الدنيا وزينتها، وهي حالة من عدم الوعي والانتباه لما يحيط بالإنسان من نعم الله تعالى ونقمته.
- الخطورة: الغفلة هي آفة الآفات، فهي تجعل الإنسان أسيراً لشهواته وأهوائه، وتصده عن طريق الحق والصلاح. فالإنسان الغافل لا يدرك حقيقة وجوده وغاية خلقه، ولا يهتم بأمور الآخرة وحسابها.
- في فكر الإمام: يحذر الإمام الخميني من الغفلة ويدعو إلى اليقظة والانتباه، ويعتبرها من أكبر أسباب الانحراف عن طريق الله تعالى. يقول الإمام: "حتّي متي تريدون أن تظلّوا تغطّون في نوم الغفلة، و منغمسين في الفساد و الضياع؟".
2. الأهواء النفسية
- التعريف: الأهواء النفسية هي الميول والرغبات التي تنبع من النفس الإنسانية، كحب المال والجاه وال2. الأهواء النفسية
- التعريف: الأهواء النفسية هي الميول والرغبات التي تنبع من النفس الإنسانية، كحب المال والجاه والشهوات والغضب والحسد وغيرها. وهي تمثل قوى داخلية تدفع الإنسان إلى فعل ما يشتهيه، حتى لو كان مخالفًا لأوامر الله تعالى.
- الخطورة: الأهواء النفسية تعتبر من أخطر العوائق التي تحول دون تزكية النفس، فهي تجعل الإنسان أسيراً لشهواته ورغباته، وتصده عن طريق الحق والصلاح. فالإنسان الذي يتبع أهواءه يضل عن سبيل الله، ويقع في المعاصي والذنوب، مما يؤدي إلى شقاءه وتعاسته في الدنيا والآخرة.
- في فكر الإمام: يحذر الإمام الخميني بشدة من خطورة الأهواء النفسية، ويعتبرها من أخطر الأمراض التي تصيب القلب. ويدعو إلى مجاهدة النفس ومقاومة هذه الأهواء، والتحلي بالصبر والتقوى لترويضها وتوجيهها نحو الخير والصلاح. يقول الإمام: "الأمراض النفسية هي من هذا النوع. فلو كانت مصحوبة بالألم المباشر لحرّكت المصاب و دفعته إلي معالجتها. و لكن ماذا نفعل؟ ماذا نفعل ما دامت هذه الأمراض لا يُحسّ بآلامها رغم خطورتها؟".
3. حب الدنيا
- التعريف: حب الدنيا هو التعلق الشديد بمتاعها وزينتها، والانشغال بها عن ذكر الله تعالى والعمل للآخرة. وهو حالة من الجشع والطمع، والحرص على جمع المال والجاه والسلطة، حتى لو كان ذلك على حساب القيم والمبادئ.
- الخطورة: حب الدنيا يعتبر من أكبر الآفات التي تصيب القلب، فهو يصد الإنسان عن طريق الله تعالى، ويجعله غافلاً عن الآخرة وحسابها. فالإنسان الذي يحب الدنيا يصبح عبداً لها، ويضحي بكل شيء في سبيل الحصول على المزيد منها، حتى لو كان ذلك على حساب دينه وأخلاقه.
- في فكر الإمام: يعتبر الإمام الخميني حب الدنيا "رأس كل خطيئة"، وهو يرى أن التعلق بالدنيا هو السبب الرئيسي في كل الشرور والفتن التي تحدث في العالم. ويحذر من الانخداع بزخارف الدنيا ومتاعها، ويحث على الزهد والتقوى والعمل للآخرة. يقول الإمام: "إنَّ جذور كلّ الاختلافات التي تفتقد إلي الهدف المحدّد و المقدّس، تعوّد إلي حبّ الدنيا".
4. الأنانية وحب الذات
- التعريف: الأنانية وحب الذات هما صفتان مذمومتان تعبران عن تعظيم الإنسان لنفسه واعتبارها مركز الكون، والانشغال بتحقيق مصالحها ورغباتها على حساب الآخرين.
- الخطورة: الأنانية وحب الذات تؤديان إلى الطغيان والظلم، وتجعلان الإنسان يتكبر على الآخرين ويستعلي عليهم. وهما من أخطر الأمراض التي تصيب القلب، وتجعل الإنسان بعيدًا عن الله تعالى ومحبة الناس.
- في فكر الإمام: يحذر الإمام الخميني من الأنانية وحب الذات، ويعتبرهما من أرث الشيطان. ويدعو إلى التواضع والإيثار وحب الخير للآخرين، ويعتبرهما من أهم صفات المؤمن الحق. يقول الإمام: "تحرّر من حبّ النفس و العُجب فهما إرث الشيطان".
5. الحجب الظلمانية والنورانية
- التعريف: الحجب هي حواجز معنوية تحول بين الإنسان وبين رؤية الحقائق والوصول إلى الله تعالى. وهي تنقسم إلى حجب ظلمانية، وهي التي تنشأ عن الذنوب والمعاصي، وحجب نورانية، وهي التي تنشأ عن التعلق بالدنيا حتى لو كانت في سبيل الله.
- الخطورة: الحجب تحجب الإنسان عن رؤية الحقائق والوصول إلى الله تعالى، وتجعله يعيش في ظلمة وجهل. فالإنسان الذي تحجبه الحجب لا يدرك حقيقة وجوده وغاية خلقه، ولا يستطيع الوصول إلى مقام الإحسان والقرب من الله تعالى.
- في فكر الإمام: يوضح الإمام الخميني أنواع الحجب التي يبتلى بها الإنسان، ويدعو إلى مجاهدة النفس وتطهيرها من الذنوب والمعاصي للتخلص من الحجب الظلمانية، والتحرر من التعلق بالدنيا للتخلص من الحجب النورانية. يقول الإمام: "إنّ التوجه إلي غير الله تعالي يحجب الإنسان يحجب «ظلمانية» و حُجب «نورانية»".
6. الشيطان
- التعريف: الشيطان هو عدو الإنسان اللدود، وهو يسعى جاهدًا لإغواء الإنسان وإضلاله عن سبيل الله تعالى. ويتخذ الشيطان أساليب مختلفة لتحقيق هدفه، كالوعد والوعيد والتزيين والتخويف.
- الخطورة: الشيطان يعتبر من أخطر العوائق التي تحول دون تزكية النفس، فهو يوسوس للإنسان بالشر ويغريه بارتكاب المعاصي والذنوب. فالإنسان الذي يستسلم لوساوس الشيطان يضل عن سبيل الله، ويقع في الهلاك والشقاء.
- في فكر الإمام: يحذر الإمام الخميني من الشيطان ويدعو إلى محاربته ومقاومة وساوسه، ويعتبره عدوًا لدودًا للإنسان لا يكل ولا يمل من محاولة إغوائه وإضلاله. ويحث على اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به في التغلب على مكائد الشيطان. يقول الإمام: "وقتال أساس الفتنة و هو الشيطان و جنوده، و لهؤلاء فروغ و جذور في أعماق قلوب بني الإنسان كافّه".
الفصل الثالث: نماذج من التزكية في حياة الإمام الخميني (رحمة الله عليه)
لقد تجسدت مبادئ التزكية في حياة الإمام الخميني (رحمة الله عليه) بشكل ملموس، وشهد له بذلك كل من عرفه أو اطلع على سيرته العطرة. ونذكر هنا بعض النماذج التي تعكس مدى التزامه بتزكية نفسه وتهذيبها:
- عبادته: كان الإمام الخميني (رحمة الله عليه) مواظبًا على العبادة وأداء المستحبات، خاصة تلاوة القرآن الكريم والصلاة في أول وقتها. وكان يقيم الليل ويجاهد نفسه في سبيل الله، حتى في أشد الظروف وأصعب الأوقات.
- زهده: اتخذ الإمام حياة البساطة والزهد، وكان قانعًا بما عنده وتورع عن الطمع بما عند الآخرين. وكان منزله متواضعًا وملابسه بسيطة، ولم يكن يهتم بمظاهر الدنيا وزينتها.
- تواضعه: كان الإمام الخميني (رحمة الله عليه) متواضعًا بعيدًا عن مظاهر التكبر والغرور، وكان يجتنب الجلوس في صدر المجالس، ويؤثر خدمة الآخرين على نفسه.
- صبره: كان الإمام الخميني (رحمة الله عليه) صابراً وثابتاً أمام مشاكل الحياة والملمات الجسيمة، ولم يتأثر بالمصائب التي تعرض لها، بل كان يعتبرها من الألطاف الإلهية الخفية.
- النظام والاستثمار الدقيق للوقت: كان الإمام الخميني (رحمة الله عليه) دقيقًا في تنظيم وقته، وكان يلتزم ببرنامجه اليومي بدقة بالغة، ولم يكن يضيع وقته في الأمور التافهة والعبثية.
خاتمة
في ختام هذه الدراسة، يتبين لنا أن الإمام الخميني (رحمة الله عليه) كان نموذجًا حيًا للإنسان المتزكي والمتهذب، وقد جسد في حياته كل المعاني السامية للتزكية والتهذيب النفسي. ويحثنا على السير على نهجه، ومجاهدة أنفسنا في سبيل الله تعالى، والتحلي بالأخلاق الإسلامية الحميدة، والتمسك بالقرآن والعترة الطاهرة، والابتعاد عن كل ما يغضب الله تعالى ويبعدنا عنه.
وبهذه الدراسة نكون قد استعرضنا جوانب مهمة من فكر الإمام الخميني (رحمة الله عليه) في تزكية النفس، وألقينا الضوء على بعض الخصوصيات التي تميز بها في هذا المجال. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً إلى تزكية نفوسنا وتهذيبها، وأن يجعلنا من السالكين إلى رضاه.
المراجع:
- القرآن الكريم.
- نهج البلاغة.
- الكافي.
- بحار الأنوار.
- وسائل الشيعة.
- الخلاف

0 تعليقات