تهذيب النفس في فكر الإمام الخميني: بين العلم والعمل
فاضل عباس الريس
مقدمة: يعتبر تهذيب النفس والتزكية من الأهداف الجوهرية في الإسلام، وقد أولى الإمام الخميني هذا الجانب اهتماماً بالغاً في فكره وسيرته. ففي نظره، لا يقتصر دور العلماء على اكتساب المعرفة فحسب، بل يتعداه إلى تهذيب نفوسهم وتزكيتها، والسعي الدائم لمراقبة ذ ومحاسبتها. وقد جسد الإمام هذا المفهوم في حياته، فكان نموذجاً للعالم الرباني الذي يجمع بين العلم والعمل.
أهمية تهذيب النفس في الإسلام: يرى الإمام الخميني أن تزكية النفوس وتهذيبها من الأهداف الرئيسية لبعثة الأنبياء، مستشهداً بقوله تعالى: «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة». ويؤكد أن العلماء الربانيين اهتموا بتهذيب أنفسهم ومراقبتها باستمرار، مما فتح أمامهم آفاقاً جديدة من المعرفة والهداية، تحقيقاً لوعد الله تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين».
تهذيب النفس أساس العلم: يؤكد الإمام الخميني على أهمية تهذيب النفس قبل طلب العلم، وضرورة البدء بتزكية النفس وإصلاحها قبل السعي وراء المعرفة، مشيراً إلى أن العلم نور، لكنه لا ينير القلوب المظلمة وغير المهذبة، وأن العلم بلا تهذيب قد يزيد الحجب والظلمات، فالنفس غير المهذبة تلف الحجاب عن العلم. ويحث طلاب العلم على اليقظة من أن العلم قد يكون حجاباً أكبر في القلوب غير المهذبة، وأن البون الشاسع بين العالم والمهذب يكمن في صفاء القلب ونقاء السريرة.
ضرورة اليقظة والتغيير في الحوزات العلمية: يدعو الإمام الخميني الحوزات العلمية إلى ضرورة اليقظة والتغيير في أساليبها، مؤكداً على أن الوضع الراهن يختلف عن السابق، ويتطلب من الحوزات العلمية أن تكون أكثر وعياً وتركيزاً على التقوى وتهذيب النفس، وأن تجعل جهاد النفس نصب أعينها، فمن يجاهد نفسه يستطيع أن يحكم أمة بكاملها. ويؤكد على ضرورة التخلي عن الأساليب القديمة ومواكبة التطورات، مع الالتزام بالتقوى وتهذيب النفس كركيزة أساسية.
دور الحوزات العلمية في تهذيب النفوس: يحث الإمام الخميني الحوزات العلمية على الاهتمام بتهذيب النفوس وتزكيتها، مؤكداً على أهمية التقوى وجهاد النفس في تكوين العلماء الربانيين القادرين على قيادة الأمة، ويحث طلاب العلوم الدينية على الالتزام بالتقوى وتهذيب حوزاتهم، لأن تهذيب النفس هو الأساس في بناء مجتمع صالح وقوي، وعلى جميع أبناء الشعب أن يهذبوا أنفسهم.
الإمام الخميني: نموذج للعالم المهذب: يصف آية الله مظاهري الإمام الخميني بأنه كان نموذجاً للعالم المهذب، حيث جمع بين العلم والعمل، وكان تدريسه تهذيباً وتعليماً في آن واحد، على غرار منهج رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في تزكية النفوس وتعليم الكتاب والحكمة. ويؤكد أن الإمام كان يولي اهتماماً خاصاً للجانب التربوي والأخلاقي في تعليمه، ولم يقتصر على نقل المعرفة فحسب.
الخلاصة: يؤكد الإمام الخميني على أن تهذيب النفس والتزكية من الأهداف الجوهرية في الإسلام، وأن العلم بلا تهذيب لا يحقق النفع المرجو، ويدعو العلماء وطلاب العلم إلى الاهتمام بتهذيب نفوسهم وتزكيتها قبل السعي وراء المعرفة، لأن العلم الحقيقي هو الذي يقترن بالعمل الصالح وتهذيب النفس، وقد جسد الإمام هذا المفهوم في حياته، فكان نموذجاً للعالم الرباني الذي يجمع بين العلم والعمل، ويسعى إلى تحقيق الخير والصلاح في المجتمع، وإلى ضرورة اليقظة والتغيير في الحوزات العلمية لمواكبة التطورات الراهنة.
المصدر:
- معالم خاصة من ماضي وحياة الإمام الخميني(سرگذشتهاي ويژه از زندگي امام خميني)، ج5، ص 166.
- صحيفة الامام، ج6،ص 223.
- شرح اربعين حديث، ف، امام خميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني.
- جهاد الاكبر، ف، امام خميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني.

0 تعليقات