الوجود والعدم في سورة المسد: جدلية الخلود والفناء.
فاضل الريس
مقدمة:
سورة المسد هي سورة مكية، وهي من أقصر سور القرآن الكريم، وتتضمن وعيدًا شديدًا لأبي لهب، عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وزوجته، بسبب معاداتهما الشديدة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكذيبهما له وإيذائهما إياه. وتعد هذه السورة من آيات الله الباهرة، حيث أنزلها الله تعالى وأبو لهب وزوجته لم يهلكا بعد، وأخبر أنهما سيعذبان في النار لا محالة، ومن لازم ذلك أنهما لن يسلما، فوقع الأمر كما أخبر الله تعالى عالم الغيب والشهادة.
تفسير الآيات:
- تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
تبدأ السورة بالدعاء على أبي لهب بالهلاك والخسران. كلمة "تبت" تعني الخسران والهلاك الأبدي، وتكرارها يؤكد هذا المعنى ويزيد من شدته. ويد الإنسان هي عضوه الذي يتوصل به إلى تحقيق مقاصده، وتباب يديه يعني خسرانهما فيما يكتسبانه من عمل وبطلان أعماله التي لا تنتهي إلى غرض مطلوب. وتباب نفسه يعني خسرانها في ذاتها بحرمانها من السعادة الدائمة وهلاكها الأبدي.
- مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)
في هذه الآية، يتحدث الله تعالى عن عدم نفع مال أبي لهب وما كسبه في الدنيا في إنقاذه من العذاب الأليم الذي ينتظره في الآخرة. كلمة "ما" الأولى نافية، والثانية موصولة بمعنى "الذي"، أي الذي كسبه بأعماله. وتؤكد الآية أن المال والعمل لا ينفعان صاحبهما يوم القيامة إذا لم يكونا في سبيل الله وطاعته.
- سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3)
تخبر هذه الآية أن مصير أبي لهب هو دخول نار جهنم ذات اللهب، وهي نار شديدة الحرارة لا تنطفئ ولا يخبو لهيبها. وتشير كلمة "سيصلى" إلى أن هذا العذاب سيحدث لا محالة، وأن أبي لهب لا مهرب له منه.
- وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)
في هذه الآية، يذكر الله تعالى زوجة أبي لهب، واصفًا إياها بأنها "حمالة الحطب"، وهو وصف ذم لها، حيث كانت تحمل الحطب لتلقيه في طريق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لإيذائه. وهذا يدل على شدة عداوتها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومشاركتها لزوجها في أفعاله القبيحة.
- فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)
تصف هذه الآية عذاب زوجة أبي لهب في الآخرة، حيث ستكون في النار وفي جيدها حبل من مسد، وهو نوع من الحبال المصنوعة من الليف. ويشير هذا إلى شدة العذاب الذي ستلقاه، وأنها ستكون مقيدة ومغلولة في النار.
بيان:
- وعيد شديد لأبي لهب: بهلاك نفسه وعمله وبالنار، وكذلك لامرأته.
- سبب نزول السورة: معاداة أبي لهب الشديدة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإصراره على تكذيبه وإيذائه.
- أبو لهب: عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واسمه عبد العزى (أو عبد مناف).
- امرأة أبي لهب: أم جميل بنت صخر، كانت تؤذي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنقل أحاديثه إلى الكفار.
- عدم إسلام أبي لهب: رغم الوعيد الشديد، لم يسلم أبو لهب، وكان ذلك من المقضي المحتوم.
بحث روائي:
في المجمع، عن ابن عباس: قال: لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفا فقال: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم وممسيكم أكنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله عز وجل: "تبت يدا أبي لهب وتب".
وفي المجمع، أيضا عن طارق المحاربي: قال: بينما أنا بسوق ذي المجاز إذ أنا بشاب يقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. وإذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو محمد يزعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب.
وفي قرب الإسناد، عن موسى بن جعفر (عليه السلام): في حديث طويل يذكر فيه آيات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: من ذلك أن أم جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة "تبت" ومع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر بن أبي قحافة، فقال: يا رسول الله هذه أم جميل محفظة (أي مغضبة) تريدك ومعها حجر تريد أن ترميك به. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنها لا تراني. فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ قال: حيث شاء الله. قالت: جئته ولو أراه لرميته فإنه هجاني واللات والعزى إني لشاعرة. فقال أبو بكر: يا رسول الله لم ترك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا. ضرب الله بيني وبينها حجابا.
خاتمة:
تؤكد سورة المسد على حتمية عذاب الله للمكذبين والمعادين للحق وأهله، وأن المال والجاه والسلطة لا تنفع صاحبها يوم القيامة إذا لم يكن مؤمنًا بالله وطائعًا له. وتدعو السورة إلى الإيمان بالله والتمسك بدينه والابتعاد عن الكفر والظلم والعدوان.

0 تعليقات