عالم البرزخ: دراسة تحليلية موسعة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 08, 2024 أغسطس 21, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

عالم البرزخ: دراسة تحليلية موسعة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية


فاضل الريس 

مقدمة:

يُعتبر عالم البرزخ، تلك المرحلة الفاصلة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، من المواضيع التي حظيت باهتمام كبير في الفكر الإسلامي. يتناول هذا البحث الموسع مفهوم البرزخ وأدلته الشرعية والعقلية، مع التركيز على حياة الإنسان في هذه المرحلة الفاصلة بين الموت والبعث. يستند البحث إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، بالإضافة إلى آراء العلماء والمفكرين في هذا المجال.

الفصل الأول: تعريف البرزخ وأدلته

تعريف البرزخ:

البرزخ لغةً يعني الحاجز بين شيئين. وفي الاصطلاح الإسلامي، يُشير إلى المرحلة التي يمر بها الإنسان بعد الموت وقبل البعث، وهي مرحلة فاصلة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة. يصف القرآن الكريم هذه المرحلة بأنها "برزخ إلى يوم يبعثون"، مما يدل على أنها فترة انتظار وحياة انتقالية.

أدلة وجود البرزخ:

  • القرآن الكريم: ورد ذكر البرزخ صراحة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 100). كما تدل آيات أخرى على وجود حياة بعد الموت، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169). هذه الآية الكريمة تؤكد أن الشهداء أحياء في عالم البرزخ وينعمون برزق الله، وكذلك قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) } المؤمنون، وهي آية ظاهرة الدلالة على أن هناك حياة متوسطة بين حياتهم الدنيوية وحياتهم بعد البعث.  

  • السنة النبوية: وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصف حياة البرزخ، منها حديث البراء بن عازب الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن روح المؤمن تكون في الجنة، في طير أخضر، يأكل من ثمارها ويشرب من أنهارها". هذا الحديث يوضح أن المؤمنين ينعمون في البرزخ بحياة طيبة، وفي تفسير القمّي عن سويد بن غفلة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: [ إنَّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، مثل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إني كنت عليك لحريصاً شحيحاً، فمالي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك. ثم يلتفت إلى ولده فيقول: والله إني كنت لكم لمحباً، وإني كنت عليكم لحامياً، فماذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك ونواريك فيها. ثم يلتفت إلى عمله فيقول: والله إني كنت فيك لزاهداً، وإنك كنت عليَّ لثقيلاً، فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم حشرك، حتى أعرض أنا وأنت على ربك، فإن كان لله ولياً أتاه أطيب الناس ريحاً، وأحسنهم منظراً، وأزينهم رياشاً، فيقول أبشر بروح من الله وريحان وجنة نعيم، قد قدمت خير مقدم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنة، وإنه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجله. فإذا دخل قبره أتاه ملكان، وهما فتّانا القبر، يحبران أشعارهما، ويحبران الأرض بأنيابهما، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والإِسلام ديني. فيقولان: ثبتك الله فيما تحب وترضى، وهو قول الله:{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..(27)} إبراهيم فيفسحان له في قبره مد بصره، ويفتحان له باباً إلى الجنة، ويقولان: نمْ قرير العين، نوم الشاب الناعم، وهو قوله:  { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) }. الفرقان وإذا كان لربه عدواً، فإنه يأتيه أقبح خلق الله رياشاً، وأنتنه ريحاً، فيقول له: أبشر بنزل من حميم، وتصليه جحيم،  وإنه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يحبسه، فإذا أدخل قبره أتيا ممتحنا القبر، فألقيا عنه أكفانه ثم قالا له: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له ما دريت ولا هديت، فيضربانه بمرزبه(*) ضربة، ما خلق الله دابة إلاَّ وتذعر لها، ما خلا الثقلان، ثم يفتحان له باباً إلى النار. ثم يقولان له: نم بشرِّ حال، فيبؤ من الضيق مثل ما فيه القنا من الزّج، حتى أن دماغه يخرج من بين ظفره ولحمه، ويسلط الله عليه حيات الأرض، وعقاربها، وهوامِّها تنهشه، حتى يبعثه الله من قبره، وأنه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر. (16)

  • الأدلة العقلية: يرى بعض العلماء أن العقل يحكم بوجود البرزخ، حيث أن الروح لا تنعدم بالموت، بل تنتقل إلى عالم آخر. فالإنسان يتكون من جسد وروح، وعند الموت ينفصل الجسد عن الروح، ولكن الروح تبقى حية وتنتقل إلى عالم البرزخ، وهذا ما يؤيده الفلاسفة أيضًا، حيث يرون أن النفس الإنسانية جوهر مجرد، لا يقبل الفناء والبطلان، فإذا فارقت البدن، انتقلت إلى عالم آخر، وهو عالم البرزخ.

الفصل الثاني: عوالم الوجود الثلاثة

ينقسم الوجود إلى ثلاثة عوالم رئيسية وفقًا للفلسفة الإسلامية:

  1. عالم التجرد التام العقلي (عالم العقل): وهو عالم الأرواح المجردة عن المادة، يتميز بالكمال المطلق والصفاء التام. هذا العالم هو عالم الملائكة والأنبياء والأولياء الصالحين. وهو عالمٌ عقليٌ مجَّردٌ تامٌ ذاتاً وفعلاً عن المادة وآثارها، ويسمى: “عالم العقل”.
  2. عالم المثال (البرزخ): وهو عالم متوسط بين عالمي العقل والمادة، يتميز بوجود الأشباح والصور التي تحاكي الأجسام المادية ولكنها مجردة عنها. هذا العالم هو عالم الأرواح بعد الموت. وهو عالم مثاليٌ مجَّردٌ عن المادةِ دون آثارها من الأشكال، والأبعاد، والأوضاع وغيرها، وفي هذا العالم -أي: المثال- أشباح متمثلة في صفة الأجسام، التي في عالم المادة والطبيعة، في نظام شبيه بنظامها الذي في عالم المادة.
  3. عالم المادة والماديات (عالم الشهادة): وهو العالم الذي نعيش فيه، يتميز بوجود الأجسام المادية التي تخضع للتغير والتحول. وهو وجودٌ فيه وصمة القوة والاستعداد، لا اجتماع لكمالاته الأولية والثانوية الممكنة في أول كينونته، فلا يتصور فيه طرو شيء من الكمال بعد ما لم يكن.

    الفصل الثالث: حياة الإنسان في البرزخ

    حياة البرزخ للمؤمنين:

    • نعيم وسعادة: ينعم المؤمنون في البرزخ بالسعادة والنعيم، ويُرزقون من ثمار الجنة وأنهارها. كما يلتقون بأحبائهم من المؤمنين ويتعارفون عليهم، كما جاء في الحديث القدسي: "إنَّ أرواح المؤمنين إذا اجتمعت في الجنة، فإنهم يتعارفون كما يتعارف الإخوان في الدنيا"، وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن المؤمن ليرى مقعده من الجنة، ومقعده من النار، فيقال له: هذا مقعدك لو عصيت الله، وهذا مقعدك لطاعة الله".

    • بشارة بمكانتهم في الجنة: يُبشر المؤمنون في البرزخ بمكانتهم في الجنة وينتظرون بفارغ الصبر يوم البعث. يذكر القرآن الكريم أنهم "يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

    • أمثلة من الأحاديث: وردت أحاديث كثيرة تصف نعيم المؤمنين في البرزخ، منها حديث: "إن المؤمن إذا مات، فإنه يفتح له باب من أبواب الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفرش له من فراشها"، وحديث آخر: "إن المؤمن ليرى مقعده من الجنة ومقعده من النار فيقال له هذا كان مقعدك لو عصيت الله وهذا مقعدك بطاعة الله".

    حياة البرزخ للكافرين:

    • عذاب ونكال: يعاني الكافرون في البرزخ من العذاب والنكال، ويُعذبون بنار جهنم. كما يُحاسبون على أعمالهم السيئة ويُنذرون بعذاب الآخرة. يصف القرآن الكريم حالهم بقوله: "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب".

    • ندم وأسى: يحسون بالندم والأسى على ما فرطوا في جنب الله ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا الصالحات. يقول تعالى في كتابه الكريم: "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون".

    • أمثلة من الأحاديث: وردت أحاديث تصف عذاب الكافرين في البرزخ، منها حديث: "إن الكافر إذا مات، فإنه يفتح له باب من أبواب النار، فيأتيه من حرها وسعيرها، ويفرش له من فراشها"، وحديث آخر: "الكافر في قبره كالمصلوب على خشبة، يضرب بالسياط حتى يتمنى أن لو كان في الدنيا ليعمل عملا صالحا".

    الفصل الرابع: أحداث البرزخ

    • سؤال الملكين (نكير ومنكر): يُسأل الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، ويُثبت الله المؤمنين بالقول الثابت ويُخذل الكافرين. هذا السؤال يعتبر أول مرحلة من مراحل الحساب في الآخرة. كما ورد في الحديث: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كان مؤمنا، قال: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة".

    • عذاب القبر ونعيمه: يتعرض الكافرون لعذاب القبر، حيث يضيق عليهم القبر ويُعذبون بأنواع العذاب، مثل الضرب بالسياط، والحرق بالنار، ولسع الأفاعي والعقارب. بينما ينعم المؤمنون بنعيم القبر، حيث يتسع عليهم القبر ويُنعمون بالراحة والسرور، ويفسح لهم في قبورهم مد البصر، ويفتح لهم باب إلى الجنة.

    • رؤية الأنبياء والصالحين: يرى المؤمنون في البرزخ الأنبياء والصالحين ويتحدثون إليهم. هذا يعتبر من نعيم البرزخ الذي يختص به المؤمنون. جاء في الحديث: "إن المؤمن إذا مات، أتاه إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فيقولون له: أبشر بالجنة، فإنك قد نجوت من الدنيا".

    • زيارة الأحياء للأموات: يُمكن للأحياء زيارة الأموات في قبورهم والدعاء لهم. هذا يعتبر من الأعمال الصالحة التي تعود بالنفع على الميت في البرزخ. ورد في الحديث: "زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة".

    الفصل الخامس: أهمية الإيمان بالبرزخ

    • تحقيق الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالبرزخ يقوي الإيمان باليوم الآخر ويجعل الإنسان أكثر حرصًا على الاستعداد له. فالإيمان بالبرزخ يجعل الإنسان يدرك أن الموت ليس نهاية الحياة، بل هو بداية لحياة جديدة في عالم البرزخ، ثم البعث والحساب والجزاء في الآخرة.

    • الاستعداد للحياة الأبدية: يجعل الإنسان أكثر وعيًا بأهمية العمل الصالح والابتعاد عن المعاصي، استعدادًا للحياة الأبدية في الآخرة. فالإنسان يعلم أنه سيُحاسب في البرزخ على أعماله في الدنيا، وأن هذا الحساب سيكون له تأثير على حياته في الآخرة.

    • التعزية في فقد الأحبة: يخفف الإيمان بالبرزخ من حزن الفراق، حيث أن المؤمنين يلتقون بأحبائهم في البرزخ ويتواصلون معهم. هذا يعطي المؤمنين الأمل في اللقاء بأحبائهم الذين فارقوهم في الدنيا، ويخفف من ألم الفراق.

    الخاتمة:

    يُعتبر عالم البرزخ مرحلة هامة في حياة الإنسان بعد الموت، حيث يختبر فيها جزاء أعماله في الدنيا وينتظر البعث والجزاء الأكبر في الآخرة. الإيمان بالبرزخ وأحداثه يدفع المؤمن إلى الاستقامة والعمل الصالح، ويُعزيه في فقد أحبائه، ويُذكّره بحقيقة الحياة الأبدية في الآخرة.


شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/