فقه الاستخارة: دراسة استدلالية مقارنة - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 29, 2024 أغسطس 29, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

فقه الاستخارة: دراسة استدلالية مقارنة



فاضل عباس الريس

مقدمة

تُعتبر الاستخارة ممارسةً دينيةً شائعة، خاصة في الأوساط الدينية، حيث يلجأ إليها الأفراد لاتخاذ القرارات المهمة في حياتهم، وتثير هذه الممارسة جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض. يهدف هذا البحث إلى استكشاف مفهوم الاستخارة في التراث الإسلامي، وتحديد معناها ومفهومها، والوقوف على مختلف الآراء الفقهية حول حكمها وصفتها الشرعية.

الفصل الأول: الاستخارة في اللغة والتراث

تُعرّف الاستخارة لغوياً بأنها طلب الخيرة في الشيء، أي طلب الخير من الله في فعل ما أو تركه. وتختلف الاستخارة عن التفأل، الذي هو التفاؤل بسماع كلمة طيبة أو رؤية شيء محمود، وعن القرعة، التي تستخدم لتمييز الأمور وحسم الخلافات بين الناس. وقد تناول التراث الإسلامي مسألة الاستخارة بشكل محدود في القرون الهجرية الأولى، واقتصر الأمر على ذكرها في كتب الحديث والرواية. وبرز الاهتمام بها كموضوع مستقل في التأليف في القرون المتأخرة، وخاصة منذ العصر الصفوي، حيث ظهرت العديد من الكتب والرسائل التي تناولت الاستخارة بالتفصيل، ومن أبرزها كتاب "فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين رب الأرباب في الاستخارات" للسيد علي بن طاووس.

الفصل الثاني: حكم الاستخارة

اختلف الفقهاء في حكم الاستخارة الاستشارية، التي يراد بها التعرف على الخير في الفعل المراد الإقدام عليه أو تركه. فبينما يرى البعض حرمتها، استناداً إلى آية الاستقسام بالأزلام، يذهب جمهور الفقهاء إلى جوازها واستحبابها، مستندين في ذلك إلى النصوص العامة في الدعاء والقرعة، وإلى النصوص الخاصة الواردة في أصناف الاستخارات. وقد أثيرت العديد من الاعتراضات على الرأي القائل بالحرمة، أهمها:

  • تفسير آية الاستقسام بالأزلام: يرى البعض أن الاستقسام بالأزلام المذكور في الآية الكريمة يشير إلى نوع من المقامرة كان شائعاً في الجاهلية، ولا علاقة له بالاستخارة التي هي دعاء إلى الله وطلب للخير منه.
  • علم الغيب: يختص علم الغيب بالله تعالى، ولا يمكن للإنسان معرفته إلا بتعليم منه, والاستخارة هي طلب للهداية والرشد في الأمور، وليست طلباً لمعرفة الغيب.
  • تعطيل العقل: يرى البعض أن الاستخارة تؤدي إلى تعطيل العقل وإلغاء التفكير والتدبر في الأمور. وقد أُجيب عن ذلك بأن الاستخارة هي استشارة الله تعالى، الذي يعلم الغيب والمصالح والمفاسد، ولا تنافي استخدام العقل والتفكير في الأمور.

الفصل الثالث: أنواع الاستخارة وآدابها

تُصنف الاستخارة إلى نوعين رئيسيين:

  • الاستخارة الدعائية: وهي الدعاء إلى الله تعالى أن يجعل الخير في الفعل المراد إيقاعه، أو أن يوفق العبد لما يختاره له ويسره له.
  • الاستخارة الاستشارية: وهي طلب التعرف على ما فيه الخير والصلاح في الفعل الذي يراد الإقدام عليه أو تركه، وذلك من خلال وسائل معينة كاستخارة المصحف الشريف، أو السبحة، أو الرقاع، أو غيرها.

وقد وردت العديد من النصوص والروايات التي تناولت هذين النوعين من الاستخارة، واختلف الفقهاء في مدى اعتبار هذه النصوص وصحتها. وتوجد أيضًا آداب خاصة بالاستخارة والمستخير، منها:

  • الإخلاص في النية: أن يقصد الاستخارة لله تعالى وحده، لا لأي غرض دنيوي أو مادي.
  • الطهارة: أن يكون على طهارة كاملة، وأن يصلي ركعتين قبل الاستخارة.
  • قراءة الأدعية المأثورة: أن يقرأ الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام.
  • التوجه الباطني والتركيز: أن يكون قلبه حاضرًا مع الله تعالى، وأن يركز على حاجته وطلبه.
  • التسليم للنتيجة والرضا: أن يتقبل نتيجة الاستخارة برضا وتسليم، وأن يتوكل على الله في جميع أموره.

الفصل الرابع: الاستخارة بالقرآن الكريم والرقاع

  • الاستخارة بالقرآن الكريم: وهي إحدى طرق الاستخارة الاستشارية الشائعة، وتتم بفتح المصحف وقراءة الآية الأولى في الصفحة التي يقع عليها النظر، وقد أثير الجدل حول هذه الطريقة بسبب ورود أحاديث تنهى عن التفأل بالقرآن، فمن الفقهاء من يرى أنها جائزة ومنهم من يمنعها.
  • الاستخارة بالرقاع: وهي طريقة أخرى للاستخارة الاستشارية، وتتم بكتابة عبارات معينة على مجموعة من الرقاع، واختيار واحدة منها عشوائياً. وقد وردت العديد من الروايات حول هذه الطريقة، ولكن معظمها ضعيف السند، واختلف الفقهاء في مدى اعتبارها.

الفصل الخامس: الاستخارة بالقلب والاستشارة

  • الاستخارة بالقلب: وتتم بالصلاة والدعاء، ثم الاستماع إلى ما يلقيه الله في القلب، وقد اعتبرها بعض الفقهاء أقوى أنواع الاستخارة، لأنها تعتمد على الإلهام الإلهي المباشر.
  • الاستخارة بالاستشارة: وتتم بالاستشارة مع أهل الخبرة والثقة، وهي مستحبة في الشريعة الإسلامية، وتعتبر من وسائل اتخاذ القرار الرشيد.

الفصل السادس: النيابة في الاستخارة

اختلف الفقهاء في جواز النيابة في الاستخارة، فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، والأرجح هو عدم جوازها، لأن الاستخارة هي علاقة شخصية بين العبد وربه، ولا يجوز تفويضها إلى غيره.

خاتمة

تُعدّ الاستخارة ممارسة دينية مهمة في حياة المسلمين، وتعكس حاجتهم إلى التوجه إلى الله تعالى وطلب هدايته وتوفيقه في اتخاذ القرارات، وهي ممارسة تعزز الصلة بين العبد وربه، وتنمي الشعور بالتوكل والاعتماد عليه. وعلى الرغم من الجدل الفقهي حول بعض جوانبها، إلا أنها تبقى ممارسة روحية ذات قيمة كبيرة في حياة المسلمين.

وتدعو هذه الدراسة إلى ضرورة فهم الاستخارة في سياقها الشرعي الصحيح، والابتعاد عن الخرافات والبدع التي قد تشوب هذه الممارسة. كما تدعو إلى إجراء المزيد من البحوث والدراسات حول الاستخارة، لتعميق الفهم لهذه الممارسة الدينية المهمة، وتقديم إجابات شافية على التساؤلات التي يثيرها في ظل التحديات المعاصرة.

وفي النهاية، يمكن القول إن الاستخارة، سواء كانت دعائية أو استشارية، تعكس حاجة الإنسان إلى التواصل مع الله تعالى، وطلب هدايته وتوفيقه في اتخاذ القرارات المصيرية. وهي ممارسة تعزز الصلة بين العبد وربه، وتنمي الشعور بالتوكل والاعتماد عليه. وعلى الرغم من الجدل الفقهي حول بعض جوانبها، إلا أنها تبقى ممارسة روحية ذات قيمة كبيرة في حياة المسلمين.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/