شرح الخطبة من نهج البلاغة: النهي عن غيبة الناس (شرح لغوي ومقاصدي )
مقدمة
في رحاب نهج البلاغة، نجد أنفسنا أمام ينبوع فيّاض من الحكمة والبلاغة، حيث يتجلى لنا الإمام علي (عليه السلام) بقامته الشامخة، يخطب في الناس، كاشفاً عن آفات النفوس، وموجهاً إلى محاسن الأخلاق. ومن بين تلك الجواهر الثمينة، نستلهم اليوم من خطبته الشريفة التي تتناول موضوع الغيبة، ذلك الداء الخفي الذي ينخر في جسد المجتمع، ويهدم أركان الأخوة والمحبة.
1. "وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم"
شرح لغوي:
- يستهل الإمام كلامه بأداة الحصر "إنما" ليؤكد أن ما بعدها هو المقصود بالحكم، وهو وجوب الرحمة على أهل الذنوب والمعصية.
- يستخدم فعل "ينبغي" الذي يعني "يجب" أو "يحسن"، ليؤكد أن هذا الفعل ليس مجرد أمر مستحب، بل هو واجب أخلاقي.
- يحدد الإمام المسؤولية بـ "أهل العصمة" وهم المعصومون من الذنوب، و"المصنوع إليهم في السلامة" أي الذين وفقهم الله للابتعاد عن المعاصي.
- يوضح أن الرحمة يجب أن تكون موجهة نحو "أهل الذنوب والمعصية"، أي كل من وقع في الخطيئة، بغض النظر عن حجمها.
- يؤكد على أن "الشكر" لله على نعمة العصمة والسلامة يجب أن يكون هو الشعور "الغالب" أي المسيطر على أهل العصمة، ويكون بمثابة "الحاجز" الذي يمنعهم من الغيبة والنميمة.
الشرح المقاصدي:
- يحدد الإمام علي (ع) في هذه الجملة المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق أهل العصمة وأولئك الذين وفقهم الله للبعد عن المعاصي. فهم ليسوا معفيين من واجباتهم تجاه الآخرين، بل عليهم أن يكونوا قدوة في الرحمة والتسامح.
- يؤكد على أن الشكر لله على نعمة العصمة والسلامة هو الحصن المنيع الذي يحميهم من الوقوع في الغيبة والنميمة. فالشكر يملأ القلب بالرضا والقناعة، ويحول دون النظر إلى عيوب الآخرين بازدراء واحتقار.
2. "فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيّره ببلواه أ ما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به"
شرح لغوي:
- يبدأ الإمام جملة جديدة بأداة الاستفهام "فكيف" التي تفيد التعجب والاستنكار، مشيراً إلى حالة أسوأ من الأولى.
- يصف الشخص الذي يغتاب غيره بـ "العائب"، وهو اسم فاعل من "عاب"، أي الذي يكثر من عيب الناس وذكر مساوئهم.
- يوضح فعل الغيبة بـ "عاب أخاه" أي ذكره بما يكره من العيوب، و"عيّره ببلواه" أي لامَهُ وعاتبه على مصيبته أو ذنبه.
- يستخدم أداة استفهام أخرى "أ ما ذكر" بمعنى "ألَم يذكر"، وهي تفيد التوبيخ والإنكار، متسائلاً عن سبب نسيان العائب لستر الله عليه.
- يوضح أن الله قد ستر على العائب ذنوباً "مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به"، أي أن العائب نفسه قد ارتكب أخطاء أكبر مما يعيب به غيره.
الشرح المقاصدي:
- ينتقل الإمام (ع) إلى حالة من الاستنكار الشديد لفعل الغيبة، خاصة عندما تصدر من شخص غير معصوم.
- يتساءل الإمام عن دوافع العائب الذي ينسى ستر الله عليه وذنوبه التي قد تكون أكبر مما يعيب به غيره، وكأنه يقول: كيف تتجرأ على فضح غيرك وأنت نفسك لست بريئًا من العيوب؟
- يهدف هذا التساؤل إلى تذكير الإنسان بضعفه وتقصيره أمام الله، وبأن الله تعالى قد ستر عليه الكثير من الذنوب، فكيف له أن يتجرأ على فضح عيوب الآخرين؟
- يحث هذا الكلام على التأمل في النفس ومحاسبتها قبل النظر إلى عيوب الآخرين.
3. "وكيف يذمّه بذنب قد ركب مثله فإن لم يكن ركب ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله فيما سواه مما هو أعظم منه"
شرح لغوي:
- "يذمّه": من "الذم" وهو عيب الإنسان وذكر مساوئه.
- "ركب": بمعنى ارتكب أو أتى.
- "بعينه": بمعنى نفسه أو عين الشيء.
- "عصى": خالف أمر الله.
- "فيما سواه": في غير ذلك الذنب.
الشرح المقاصدي:
- يواصل الإمام توبيخه للعائب، متسائلاً عن المنطق وراء لوم شخص على ذنب قد يكون العائب نفسه قد ارتكبه. فهو بذلك يظهر تناقضًا في سلوكه، إذ كيف يستهجن في غيره ما يفعله هو نفسه؟
- يشدد على أن حتى لو لم يرتكب العائب نفس الذنب بعينه، فلا شك أنه قد ارتكب معاصي أخرى قد تكون أعظم. فهو بذلك يذكر العائب بأنه ليس معصومًا من الخطأ، وأنه لا يملك الحق في إصدار الأحكام على الآخرين.
- يهدف الإمام إلى إبراز تناقض العائب وتذكيره بأنه ليس بأفضل من غيره، وأنه عليه أن يركز على إصلاح نفسه قبل أن ينشغل بعيوب الآخرين.
4. "وأيم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجراءته على عيب الناس أكبر"
شرح لغوي:
- "وأيم الله": أُقسم بالله، وهي صيغة قسم للتأكيد على أهمية ما بعدها.
- "الكبير": الذنوب الكبيرة، وهي المعاصي التي يعاقب الله عليها بشدة في الدنيا والآخرة.
- "الصغير": الذنوب الصغيرة، وهي المعاصي التي قد يعفو الله عنها.
- "جراءته": مصدر "جرؤ"، بمعنى تهوره وتجاوزه الحدود.
الشرح المقاصدي:
- يؤكد الإمام بقسم أن مجرد جرأة الإنسان على عيب الناس هي في حد ذاتها ذنب كبير، حتى لو لم يكن قد عصى الله في الكبائر، بل عصاه في الصغائر فقط.
- يشدد على أن هذه الجرأة قد تكون أكبر حتى من الذنوب الصغيرة التي يرتكبها، لأنها تنم عن قسوة القلب، وتصلف اللسان، واستهانة بحرمات المسلمين.
- يهدف الإمام إلى إبراز خطورة الغيبة حتى لو لم يقترن بارتكاب الكبائر، فمجرد التجرؤ على انتهاك أعراض الناس هو أمر عظيم عند الله.
5. "يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه"
شرح لغوي:
- "يا عبد الله": نداء أبوي حنون للإنسان، يذكره بعبوديته لله، وبأن عليه أن يتحلى بصفات العبودية، ومنها التواضع ورحمة الخلق.
- "لا تعجل": نهي عن التسرع في إصدار الأحكام على الآخرين، فهو يدعو إلى التأني والتروي قبل إطلاق الأحكام.
- "مغفور له": أي غفر الله له ذنبه، وهو تذكير بأن الله غفور رحيم، وقد يتوب على العاصي ويغفر له.
- "لا تأمن": نهي عن الاطمئنان والأمن من مكر الله، حتى لو كانت المعصية صغيرة.
- "معذب": اسم مفعول من "عذب"، أي المعاقب.
الشرح المقاصدي:
- ينادي الإمام الإنسان بنداء أبوي، ويحثه على عدم التسرع في إصدار الأحكام على الآخرين بسبب ذنوبهم، فقد يكون الله قد غفر لهم. فهو يدعو إلى ترك الحكم لله، وعدم التسرع في إدانة الآخرين.
- في الوقت نفسه، يحذره من الاطمئنان إلى نفسه بسبب صغر المعصية التي يرتكبها، فقد يعذبه الله عليها. فهو يذكر الإنسان بأن الله شديد العقاب، وأنه لا يجوز الاستهانة بأي معصية، مهما صغرت.
- يهدف الإمام إلى غرس مبدأ الرحمة والتواضع في نفس الإنسان، وحثه على الخوف من الله في السر والعلن.
6. "فليَكُفّ من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه وليكن الشكر شَاغلًا له على معافاته مما ابتلي به غيره"
شرح لغوي:
- "ليَكُفّ": فعل أمر من "كف"، بمعنى ليمتنع أو لينتهي.
- "لما يعلم من عيب نفسه": أي بسبب ما يعرفه من عيوب في نفسه.
- "وليكن الشكر شَاغلًا له": أي ليجعل الشكر لله شاغلاً له وملء قلبه.
- "معافاته": مصدر "عوفي"، بمعنى سلامته وعافيته من البلاء.
- "ابتلي": فعل ماض مبني للمجهول من "ابتلى"، بمعنى اختبر وامتحن.
الشرح المقاصدي:
- يختتم الإمام خطبته بدعوة صريحة وواضحة إلى الكف عن الغيبة، ويحث على التأمل في عيوب النفس بدلاً من الانشغال بعيوب الآخرين.
- يربط بين الكف عن الغيبة ومعرفة عيوب النفس، فالإنسان الذي يدرك تقصيره وعيوبه يكون أحرص على ستر عيوب الآخرين.
- يدعو إلى شغل الوقت بشكر الله على نعمة العافية والسلامة من الذنوب التي ابتلي بها الآخرون، فالشكر يملأ القلب بالرضا والقناعة، ويحول دون الحسد والحقد على الآخرين.
- يهدف الإمام إلى توجيه الإنسان نحو الإصلاح الذاتي والشكر لله بدلاً من الانشغال بالآخرين وانتقادهم.
خاتمة
في هذه الخطبة الموجزة، يرسم لنا الإمام علي (عليه السلام) صورة واضحة لخطورة الغيبة، وآثارها المدمرة على الفرد والمجتمع. إنها دعوة إلى التمسك بالأخلاق الفاضلة، ونبذ الرذائل، وبناء مجتمع تسوده المحبة والاحترام، ويغيب عنه التجريح والتشهير. إنها دعوة إلى أن نكون جميعاً بناة خير، لا دعاة شر، وأن نسعى جاهدين لنكون من أهل العصمة والسلامة، الذين يرحمون الخلق، ويشكرون الله على نعمه.

0 تعليقات