القول الفاصل في الرد على مدعي التحريف
تأليف:
سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي
مقدمة:
يُعدّ القرآن الكريم، كلام الله المُنزّل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مصدر التشريع الأول في الإسلام، والمرجع الأساسي للمسلمين في عقائدهم وأحكامهم وتشريعاتهم. ومنذ نزوله، حرص المسلمون على حفظه وتدوينه ونقله جيلاً بعد جيل، إلا أنّه وفي مراحل تاريخية مختلفة، ظهرت بعض الادعاءات التي تُشكك في سلامة القرآن الكريم من التحريف، مُدّعيةً وجود نقصٍ أو زيادةٍ أو تغييرٍ في آياته. وقد تصدّى لهذه الادعاءات العديد من العلماء والباحثين، مُدافعين عن سلامة القرآن الكريم من كل تحريف، ومن بين هؤلاء العلماء، سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي، الذي خصّص كتابه "القول الفاصل في الرد على مدعي التحريف" لدحض هذه الادعاءات، وإثبات سلامة القرآن الكريم من أيّ تحريف أو تبديل.
الفصل الأول: تفصيل الأجوبة عن روايات التحريف
يُستهلّ المؤلف كتابه ببيان المنهج الذي اعتمده في الردّ على مدعي التحريف، وهو منهجٌ علميٌّ دقيقٌ، يعتمد على دراسة الأدلة التي يستند إليها هؤلاء المدّعون، وتفنيدها بشكلٍ مُفصّلٍ ومنطقيّ. ويُشير المؤلف إلى أنّ مُعظم الأدلة التي يعتمد عليها مُدّعو التحريف تتمثل في رواياتٍ منسوبةٍ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، فيُبيّن المؤلف أنّ هذه الروايات إما أنّها ضعيفةٌ من حيث سندها، أي أنّها مرويةٌ عن أشخاصٍ غير ثقات، أو أنّها مُتّهمةٌ بالوضع والكذب، أو أنّها لا تدلّ على التحريف أصلاً، وإنّما تحتمل معاني أُخرى.
ويُورد المؤلف أمثلةً على هذه الروايات، مثل رواية "نزلت عليّ آية الرجم"، ورواية "إنّ علياً كان رجلاً عظيم البطن"، ورواية "ما من نبيّ إلا وقد أُعطي مثل ما أُعطي محمد صلى الله عليه وآله وسلم"، وغيرها من الروايات التي يُفصّل المؤلف في بيان ضعفها وعدم دلالتها على التحريف.
الفصل الثاني: أدلة على عدم التحريف
بعد تفنيد أدلة مدعي التحريف، يُقدّم المؤلف جملةً من الأدلة القاطعة التي تُثبت عدم تحريف القرآن الكريم، والتي تُشكّل حصناً منيعاً في وجه كلّ من يُشكّك في سلامة هذا الكتاب العظيم، ومن هذه الأدلة:
-
الإجماع: يُشير المؤلف إلى أنّ المسلمين على مرّ التاريخ قد أجمعوا على سلامة القرآن الكريم من أيّ تحريفٍ أو تبديل، ولم يُخالف في ذلك إلا فئةٌ قليلةٌ شاذةٌ، لا يُعتدّ بقولها. ويُؤكّد المؤلف على أنّ هذا الإجماع يُعدّ دليلاً قاطعاً على عدم التحريف، لأنّه يُستحيل أن يتّفق المسلمون جميعاً على الكذب أو التواطؤ على إخفاء حقيقة التحريف.
-
التواتر: يُبيّن المؤلف أنّ القرآن الكريم قد نُقِل إلينا بالتواتر، أي نقله جمعٌ غفيرٌ عن جمعٍ غفيرٍ، بحيث يُستحيل تواطؤهم على الكذب أو التحريف. ويُضيف المؤلف أنّ هذا التواتر لم يقتصر على نقل كلمات القرآن الكريم، بل شمل أيضاً ترتيب السور والآيات، وعلامات الوقف والابتداء، مما يُؤكّد على أنّ القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الذي نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
-
العناية الإلهية: يُذكّر المؤلف بوعد الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه الكريم، حيث قال: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ". ويُؤكّد المؤلف على أنّ هذا الوعد الإلهيّ يُعدّ ضمانةً قاطعةً لسلامة القرآن الكريم من أيّ تحريفٍ أو تغيير، فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على حفظ كتابه من كلّ سوء.
-
شهادة التاريخ: يُشير المؤلف إلى أنّ التاريخ الإسلاميّ يشهد على حرص المسلمين على حفظ القرآن الكريم ونقله، فقد دُوّن القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحُفظ في الصدور، وتمّ جمعه وترتيبه في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، ثمّ تمّت مراجعته وتنقيحه في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وقد تضافرت جهود المسلمين على مرّ العصور لحفظ القرآن الكريم ونقله، مما يُؤكّد على سلامته من أيّ تحريف.
الفصل الثالث: دلائل مدعي التحريف والجواب عنها
في هذا الفصل، يُناقش المؤلف بعض الأدلة التي يستند إليها مدّعو التحريف، والتي لم يتناولها في الفصل الأول، ويُقدّم أجوبةً علميةً ومنطقيةً عليها، ومن هذه الأدلة:
-
اختلاف القراءات القرآنية: يُشير المؤلف إلى أنّ اختلاف القراءات القرآنية، وهو اختلافٌ في بعض حروف وكلمات القرآن، لا يُؤثّر على معناه، وقد أجمع علماء القراءات على صحته وتواتره، ويُبيّن المؤلف أنّ هذا الاختلاف لا يُعدّ دليلاً على التحريف، وإنّما هو دليلٌ على ثراء اللغة العربية، وعلى أنّ القرآن الكريم قد نُقِل إلينا بطرقٍ مُتعدّدةٍ، مما يُؤكّد على حفظه من الضياع.
-
وجود بعض الآيات التي تبدو متناقضة: يُوضّح المؤلف أنّ هذا الادعاء ناشئٌ عن عدم فهم المعنى الصحيح للآيات، إذ لا يوجد أي تناقضٍ حقيقيٍّ في القرآن الكريم، وإنّما قد يبدو التناقض ظاهرياً لمن لم يتعمّق في فهم الآيات، ويُورد المؤلف أمثلةً على ذلك، ويُبيّن المعنى الصحيح للآيات التي تبدو متناقضة، مُؤكّداً على أنّ القرآن الكريم مُنسجمٌ مع نفسه، وأنّه لا يوجد فيه أيّ تعارضٍ أو تناقض.
الفصل الرابع: أدلة التحريف غير ما مر
يُواصل المؤلف في هذا الفصل مناقشة بعض الأدلة الأخرى التي يستند إليها مدّعو التحريف، مثل الروايات التي تتحدث عن عدد آيات القرآن الكريم، والروايات التي تتحدث عن تغيير بعض الآيات أو السور، ويُبيّن المؤلف عدم صحة هذه الروايات، وأنّها لا تصلح للاستدلال بها على تحريف القرآن الكريم، وأنّها إما ضعيفةٌ من حيث سندها، أو أنّها مُتّهمةٌ بالوضع والكذب، أو أنّها لا تدلّ على التحريف أصلاً، وإنّما تحتمل معاني أُخرى.
خاتمة:
يُختتم المؤلف كتابه بتأكيد سلامة القرآن الكريم من كل تحريفٍ أو تبديل، وأنّه محفوظٌ بحفظ الله تعالى، وأنّ جميع الأدلة التي ساقها مدّعو التحريف لا تصلح للاستدلال على مقصودهم، ويُؤكّد المؤلف على أنّ القرآن الكريم هو المصدر الأساسيّ للإسلام، وأنّ الإيمان بسلامته من التحريف.

0 تعليقات