تأليف: آية الله السيد مرتضى الخسروشاهي
مقدمة
يُعدّ حديث الغدير من الأحاديث النبوية التي احتلت مكانةً مركزيةً في التاريخ الإسلاميّ، لما له من دلالةٍ عميقةٍ على مسألة الإمامة والخلافة في الإسلام. وقد أثار هذا الحديث، منذ ظهوره، جدلًا واسعًا بين مختلف الفرق الإسلامية، ولا سيما بين السنة والشيعة، حيث يعتبره الشيعة الدليل الأبرز على إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام وخلافته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما يختلف معه في ذلك جمهور أهل السنة.
وقد قام آية الله السيد مرتضى الخسروشاهي، وهو فقيه وعالم دين شيعي بارز، بتأليف كتاب "معنى حديث الغدير" كدراسةٍ نقديةٍ معمّقةٍ لآراء الإمام فخر الرازي، أحد أبرز علماء أهل السنة، حول هذا الحديث الشريف. وقد سعى المؤلف، من خلال هذا الكتاب، إلى توضيح حقيقة حديث الغدير وأهميته في إثبات ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وردّ الشبهات التي أثارها الرازي حول دلالته على الإمامة والخلافة.
وتتميز هذه الدراسة بمنهجها العلميّ الدقيق، وأسلوبها التحليليّ الرصين، حيث اعتمد المؤلف على الأدلة الشرعية والعقلية والتاريخية في تفنيد آراء الرازي، وإثبات صحة حديث الغدير ودلالته على خلافة علي عليه السلام.
الفصل الأول: قضية الغدير وأهميتها
* السياق التاريخي لحدث الغدير: يبدأ المؤلف هذا الفصل بتوضيح السياق التاريخي لحدث الغدير، حيث يصف رحلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأخيرة إلى مكة لأداء فريضة الحج، والتي عُرفت بحجة الوداع. وفي طريق عودته من مكة، وفي منطقة تُسمى غدير خم، في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإيقاف الركب، وألقى خطبةً شهيرةً أمام جمعٍ غفيرٍ من المسلمين، بلغ عددهم - حسب بعض الروايات - مئة ألف أو يزيدون.
* نص حديث الغدير: وفي هذه الخطبة، أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه". وقد تكرر ذكر هذا الحديث في مصادر السنة والشيعة، مع اختلاف يسير في الألفاظ، مثل رواية: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله".
* أهمية حديث الغدير في الفكر الشيعي: يؤكد المؤلف على أهمية هذا الحديث في الفكر الشيعي، حيث يُعتبر الدليل الأبرز على إمامة علي عليه السلام وخلافته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. فحديث الغدير، بحسب المؤلف، يُثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نصّ على علي عليه السلام بالإمامة والخلافة، وأنه هو الخليفة الشرعي من بعده، وأنّ ولاية عليّ عليه السلام ولايةٌ إلهيّةٌ وليست باختيار الناس.
* شواهد على أهمية الغدير: يستدلّ المؤلف على أهميّة هذا الحدث من خلال عدّة شواهد، منها:
* نزول آية التبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67). حيث يرى الشيعة أنّ هذه الآية نزلت في غدير خمّ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورًا بتبليغ ولاية عليّ عليه السلام، وأنّه لم يكن مخيّرًا في ذلك.
* تهنئة الصحابة لعليّ عليه السلام: بعد إعلان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لولاية عليّ عليه السلام، قام عددٌ من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر، بتهنئة عليّ عليه السلام بقولهم: "بخٍ بخٍ لك يا عليّ، أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ".
* إقامة وليمة الغدير: أقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وليمةً في غدير خمّ احتفالًا بهذا الحدث، ممّا يدلّ على أهميّته.
الفصل الثاني: آراء فخر الرازي حول حديث الغدير
ينتقل المؤلف في هذا الفصل إلى عرض آراء الإمام فخر الرازي، العالم السني البارز، حول حديث الغدير. وقد استقى المؤلف هذه الآراء من كتاب الرازي "المناقب"، حيث أبدى الرازي بعض التحفظات على حديث الغدير، وحاول التشكيك في دلالته على خلافة علي عليه السلام.
ومن أبرز النقاط التي أثارها الرازي:
* الطعن في صحة الحديث: شكك الرازي في صحة بعض روايات حديث الغدير، مُستندًا إلى ضعف بعض رواتها أو وجود اختلافات في ألفاظ الحديث. كما زعم أنّ ابن إسحاق، وهو من كبار المحدّثين، لم يروِ حديث الغدير في كتابه "السيرة النبويّة"، ممّا يُشكّك في صحّته.
* التأويل في معنى "المولى": حاول الرازي تأويل معنى كلمة "المولى" في الحديث، مُفسرًا إياها بمعانٍ أخرى غير الخلافة والإمامة، مثل المحبة والنصرة والمساعدة والقرابة.
* الادعاء بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يُرد النص على خليفة: زعم الرازي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد في خطبة الغدير النص على خليفة له، وإنما أراد فقط تأكيد مكانة علي عليه السلام ومحبته له، أو أنّه كان يريد الردّ على الذين شكّكوا في عليّ عليه السلام بعد حادثة تخلّفه عن غزوة تبوك.
* التّشكيك في دلالة "والي" و "عادي": حاول الرازي التّشكيك في دلالة كلمتي "والي" و "عادي" في الحديث، مفترضًا أنّ المقصود بهما مجرّد المحبّة والمعاداة، وليس الولاء السياسيّ.
الفصل الثالث: الرد على آراء الرازي
يُمثل هذا الفصل الجزء الأهم من الدراسة، حيث يُناقش المؤلف آراء الرازي بشكلٍ تفصيلي، ويُفنّدها بأسلوب علمي رصين. ويُعتمد المؤلف في ذلك على مجموعةٍ من الأدلة والبراهين، من أهمها:
* الدفاع عن صحة الحديث: يُؤكد المؤلف على صحة حديث الغدير، مُستشهدًا بكثرة رواته من الصحابة والتابعين، وتواتر روايته في مصادر السنة والشيعة. كما يُشير إلى أن الاختلافات اليسيرة في ألفاظ الحديث لا تُؤثر على صحته أو معناه، وأنّها من قبيل الاختلاف الوارد في الروايات المتواترة. كما ردّ على زعم الرازي بأنّ ابن إسحاق لم يروِ الحديث، مُبيّنًا أنّ ابن إسحاق قد روى الحديث بالفعل، وأنّ من نقل عنه "السيرة النبويّة" قد حذفوا حديث الغدير لأسبابٍ مذهبيّةٍ.
* توضيح معنى "المولى": يُفصّل المؤلف في شرح معنى كلمة "المولى"، مُستندًا إلى اللغة العربية واستخدامات هذه الكلمة في القرآن الكريم والحديث النبوي. ويخلص إلى أن المعنى الأصلي لكلمة "المولى" هو "الولي" أو "السيد" أو "الإمام"، وأن هذا المعنى هو الأنسب لسياق حديث الغدير، وأنّ سياق الحديث يدلّ على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد بيان خليفته من بعده.
* إثبات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نصّ على علي عليه السلام بالخلافة: يُؤكد المؤلف على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قصد في خطبة الغدير النص على على عليه السلام بالخلافة، مُستدلًا على ذلك بظروف وملابسات الخطبة، وبأقوال الصحابة والتابعين الذين فهموا هذا المعنى من الحديث. ويُشير إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد خاطب الناس في خطبة الغدير بسؤالٍ استنكاريٍّ هو: "ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟"، فأجابوه: "بلى يا رسول الله"، ثمّ قال: "من كنت مولاه فعليّ مولاه". وهذا يدلّ على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يُبيّن لهم أنّ عليًّا أولى بهم من أنفسهم، كما أنّ النبيّ أولى بهم من أنفسهم، وهذا هو معنى الخلافة.
* الردّ على تشكيك الرازي في دلالة "والي" و "عادي": يردّ المؤلف على تشكيك الرازي في دلالة كلمتي "والي" و "عادي"، مُبيّنًا أنّ هاتين الكلمتين تُستخدمان في اللغة العربيّة للدلالة على الولاء السياسيّ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد استخدمهما في هذا المعنى في خطبة الغدير.
الفصل الرابع: دلالة حديث الغدير على خلافة علي عليه السلام
يُخصص المؤلف هذا الفصل لتأكيد دلالة حديث الغدير على خلافة علي عليه السلام، من خلال استعراض مختلف جوانب الحديث وتحليلها. ويُشير المؤلف إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استخدم في خطبة الغدير عباراتٍ واضحةً وصريحةً تُثبت أن عليًا عليه السلام هو خليفته من بعده.
* عبارات تدلّ على الخلافة: من هذه العبارات:
* "من كنت مولاه فعليّ مولاه": وهي العبارة الرئيسيّة في حديث الغدير، والتي تدلّ على أنّ عليًّا هو وليّ الأمر من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
* "اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه": وهي عبارة تؤكّد على وجوب طاعة عليّ عليه السلام وموالاته، وأنّ معاداته هي معاداةٌ للّه ورسوله.
* "انصر من نصره، واخذل من خذله": وهي عبارة تدلّ على أنّ نصر عليّ عليه السلام هو نصرٌ للّه ورسوله، وأنّ خذلانه هو خذلانٌ لهما.
* الردّ على شبهة عدم التصريح بالخلافة: يُناقش المؤلف بعض الشبهات التي أثيرت حول دلالة الحديث، مثل شبهة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان يُريد النص على علي عليه السلام بالخلافة لفعل ذلك صراحةً. ويُردّ المؤلف على هذه الشبهة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صرّح بخلافة علي عليه السلام في مواضع أخرى، مثل قوله: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي". وأن حديث الغدير يُعدّ نصًا صريحًا في هذا المعنى، وأنّ عدم تصريحه بالخلافة صراحةً كان لحكمةٍ يعلمها الله ورسوله، وربّما كان ذلك لتجنّب الفتنة بين المسلمين.
الخاتمة
يختتم المؤلف الدراسة بتأكيد أهمية حديث الغدير في الفكر الإسلامي، ودوره في إثبات ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام. كما يدعو إلى ضرورة دراسة هذا الحديث وفهمه بشكل صحيح، بعيدًا عن التوجهات المذهبية الضيقة. ويُشدد على أن حديث الغدير يُمثل حقيقةً تاريخيةً لا يمكن إنكارها، وأنه يُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن عليًا عليه السلام هو الخليفة الشرعي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
تأييد للكتاب والكاتب
إنّ كتاب "معنى حديث الغدير" للسيد مرتضى الخسروشاهي يُعدّ إضافةً قيّمةً للمكتبة الإسلامية، لما يتضمّنه من بحثٍ معمّقٍ ومناقشةٍ علميّةٍ لإحدى أهمّ القضايا في التاريخ الإسلاميّ، وهي قضيّة الغدير. وقد تميّز الكتاب بمنهجه العلميّ الواضح، وأسلوبه السهل الممتنع، مما يجعله في متناول جميع القراء. ولا شكّ أنّ هذا الكتاب سيكون له أثرٌ كبيرٌ في توضيح حقيقة حديث الغدير، وردّ الشبهات التي أثيرت حوله، وإثبات ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
وختامًا، لا يسعني إلّا أنْ أثني على جهود المؤلف الجليلة في إعداد هذا الكتاب القيّم، وأنْ أدعو الله تعالى أنْ يجزيه خير الجزاء على ما قدّمه للإسلا م والمسلمين.

0 تعليقات