قراءة نقدية لمقال "الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة: دراسة تحليلية في الموقف الفقهي الشيعي" للشيخ محمد عباس دهيني

إنارات فقهية يناير 27, 2025 يناير 27, 2025
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

قراءة نقدية لمقال "الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة: دراسة تحليلية في الموقف الفقهي الشيعي" للشيخ محمد عباس دهيني 


1. إشكاليات منهجية في توظيف المصادر
الانتقائية في الاستشهاد:

اعتمد المقال بشكلٍ أساسي على مصادر فقهية كلاسيكية مانعة (كالشيخ الصدوق والطوسي) مع إهمال مصادر أخرى قد تدعم الرأي المضاد. فمثلاً، لم يُشر إلى آراء علماء مثل المحقق الكركي (ت. 940هـ)، الذي ناقش شرعية الشهادة الثالثة في كتابه "جامع المقاصد"، معتبراً إياها من الشعائر المُثبتة في بعض الروايات.

الثغرة: تجاهل المصادر التي تُعالج الروايات الضعيفة عبر قاعدة التسامح في السنن، مما يُضعف التوازن في العرض.
إغفال المصادر الحديثة:

اقتصرت الاستشهادات على كتب قديمة مثل "وسائل الشيعة" و"كشف الغطاء"، بينما أهملت مراجع معاصرة مؤثرة، مثل فتاوى السيد الخوئي في "صراط النجاة" أو السيد السيستاني في "منهاج الصالحين"، اللذين اعتبرا الشهادة الثالثة مُستحبةً دون جزئيتها.

التداعية: يُوحي المقال بأن الرأي الفقهي منحازٌ تاريخياً للمنع، بينما الواقع يشهد تنوعاً في الآراء المعاصرة.
2. ضعف التحليل التاريخي والسياقي
الربط غير المدعوم بين الشهادة الثالثة والصراع الصفوي-العثماني:

زعم المقال أن ظهور الشهادة الثالثة مرتبط بالصراع السياسي في العصر الصفوي، لكنه لم يُقدِّم أدلةً تاريخية قاطعة. فالمصادر الشيعية المبكرة، مثل "مصباح المتهجد" للطوسي (ت. 460هـ)، تضمنت أدعيةً تُذكر فيها ولاية عليٍّ قبل العصر الصفوي بقرون، مما قد يُشير إلى جذور أقدم للممارسة.

النقد: الربط بين الظاهرة الدينية والسياق السياسي يحتاج إلى تحليل أعمق، كدراسة كتابات المؤرخ رسول جعفريان حول التطور الشعائري الشيعي.
التجاهل السياقي للروايات الشيعية:

رغم ضعف سند بعض روايات الشهادة الثالثة، فإن المقال لم يُشر إلى أن بعض الفقهاء اعتمدوا على المضمون العقدي للرواية بدلاً من سندها، استناداً إلى قاعدة "الاستصحاب العقائدي" في المدرسة الأخبارية.

3. القصور في النقد السندي والمتني
التعميم في توصيف الروايات بالضعف:

وصفت المقالة روايات الشهادة الثالثة بأنها "شاذة" دون تفصيل. ففي كتاب "بحار الأنوار" للمجلسي (ت. 1111هـ)، وردت روايات عن الإمام الصادق تُشير إلى فضل ذكر ولاية عليٍّ في الأذان، وإن كانت ضعيفة السند. لكن بعض الفقهاء—كالشهيد الثاني—قبلوها كشواهد تُعزز الاستحباب.

الإشكالية: عدم التمييز بين "الضعف السندي" و"القبول العملي" في التراث الشيعي.
إهمال السياق التأويلي للفقهاء المؤيدين:

تجاهل المقال حجج المؤيدين القائمة على تفسير الولاية كأصل عقدي، وليس مجرد شعار. فالإمام الخميني—في "تحرير الوسيلة"—يرى أن ذكر الولاية في الأذان يُعتبر تأكيداً على استمرارية الإمامة، حتى لو لم يكن جزءاً من الأذان الأصلي.

4. إشكالية الفصل بين "الشعيرة" و"الشعار"
التبسيط في الطرح:

افتراض أن الفصل بين البُعد التعبدي والهوياتي ممكنٌ يُهمل الطبيعة المركبة للممارسات الدينية. فـ"الشهادة الثالثة"—حتى لو كانت مستحبة—أصبحت جزءاً من الهوية الجمعية للشيعة، كما يُظهر عالم الاجتماع علي الوردي في دراساته عن المجتمع العراقي.

النقد: الفصل الاصطناعي بين الممارسة والعقيدة يُضعف فهم الدور الاجتماعي للشعائر.
إغفال البُعد الكلامي:

لم يتطرق المقال إلى أن "الولاية" في العقيدة الشيعية هي امتداد للنبوة، مما قد يُبرر—من وجهة نظر مؤيدي الشهادة—إدراجها في الأذان كتذكير بركن إيماني جوهري، وليس كبدعة.

5. تحيزات غير معلنة في الخطاب

استخدام مصطلحات مُحمَّلة:

وصف الشهادة الثالثة بأنها "بدعة مُحرَّفة" (نقلاً عن الصدوق) دون توضيح أن هذا الرأي ليس إجماعياً يعكس تحيزاً لفظياً. فالمصطلح نفسه مُستفزٌّ في السياق الشيعي، حيث تُعتبر "البدعة" مفهوماً إشكالياً بين المذاهب.

تجاهل التنوع الداخلي في المذهب الشيعي:

ركَّز المقال على المدرسة الأصولية المانعة، بينما أهمل المدرسة الأخبارية أو التيارات الشعبية التي تعتبر الشهادة الثالثة جزءاً من الممارسة اليومية، كما يوثق ذلك أنتوني غدنز في تحليله للطقوس الدينية.

رغم الجهد الواضح في المقال لتحليل الموقف الفقهي، فإنه يعاني من ثغرات منهجية خطيرة، تشمل: الانتقائية في المصادر، والتبسيط التاريخي، وإهمال الأبعاد الكلامية والاجتماعية. هذه الثغرات تُضعف من صرامة البحث وتُقلل من قيمته العلمية كدراسة شاملة. ولتحقيق نقلة نوعية، يجب إعادة بناء الدراسة على أساسٍ متعدد التخصصات، يدمج المناهج التاريخية والفقهية والاجتماعية بنظرة نقدية متوازنة.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/