الإمام الكاظم (عليه السلام): سجون الظلم وملحمة الصبر في مواجهة الطغيان

إنارات فقهية يناير 25, 2025 يناير 25, 2025
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

الإمام الكاظم (عليه السلام): سجون الظلم وملحمة الصبر في مواجهة الطغيان

مقدمة: السياق التاريخي وسياسة العباسيين

عاش الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) (128-183 هـ) في عصرٍ اتسم بالصراع السياسي بين العلويين والعباسيين، الذين استولوا على الخلافة باسم الانتصار لآل البيت، ثم انقلبوا عليهم. كان الإمام الكاظم (ع) يمثل امتدادًا روحيًا وعلميًا لجدّه الرسول (ص)، مما جعله هدفًا لقمع العباسيين، وخصوصًا هارون الرشيد، الذي رأى في نفوذ الإمام تهديدًا لسلطته.

أسباب سجنه: بين الحقد السياسي والصراع على الشرعية

  1. الشرعية الدينية: ادعى العباسيون الخلافة بحجة القرابة من النبي (ص)، لكن الإمام الكاظم (ع) كان الأقرب نسبًا، إذ هو من ذرية فاطمة الزهراء (ع)، مما جعله الأحق بالخلافة شرعًا. وقد تجلى هذا في مناظرته الشهيرة مع هارون عند قبر النبي (ص)، حيث رد الإمام على ادعاء هارون بالقرابة بقوله: «لو بُعث النبي (ص) حيًا لخطب كريمتك، أما أنا فلا أزوجّه لأنه أبي».
  2. الخوف من التأثير الشعبي: تمتع الإمام بشعبية واسعة بسبب علمه وتقواه، وأنشأ شبكة سرية من الوكلاء لجمع الحقوق الشرعية وتنظيم شؤون الشيعة، مما أثار مخاوف هارون من تحوله إلى قوة مضادة.
  3. الوشايات والتحريض: قام بعض المقربين من هارون، مثل يحيى البرمكي، بالوشاية بالإمام بتهمة جمع الأموال وادعاء الحق في الخلافة، مما دفع هارون إلى اعتقاله.

مراحل السجن: من الاعتقال إلى الاستشهاد

تعرض الإمام الكاظم (ع) للسجن خمس مرات، أبرزها:

  1. السجن الأول في عهد المهدي العباسي: أُدخل السجن في بغداد لمدة عام، ثم أُفرج عنه بعد رؤية المهدي منامًا ينذره بخطأ سجنه.
  2. السجن في عهد هارون الرشيد:
    • سجن البصرة: نُقل إليه الإمام مقيدًا بالحديد، وبقي سنة كاملة تحت حراسة عيسى بن جعفر، الذي رفض تنفيذ أمر هارون بقتله لما رأى من عبادته.
    • سجن بغداد: نُقل إلى سجن الفضل بن الربيع، ثم إلى سجن السندي بن شاهك، حيث عُذب بوضع 30 رطلاً من الحديد على ساقيه، وحُبس في زنزانة مظلمة لا يعرف ليلها من نهارها.

معاناته وصبره: دروس في الثبات الروحي

  1. العبادة في ظل القيود: رغم التعذيب، واصل الإمام (ع) عبادته، حتى وُصف بأنه "عبدٌ صالح"، وكان يقضي أيامه بالصيام ولياليه بالسجود والدعاء. وقد روي عنه قوله في السجن: «اللهم إني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، فقد فعلت، فلك الحمد».
  2. التأثير على السجانين: أُعجب بعض الحراس بصلابة إيمانه، مثل عيسى بن جعفر، الذي رفض قتله، والفضل بن يحيى، الذي خالف أوامر هارون بالتضييق عليه.
  3. الدعاء والمناجاة: ترك الإمام أدعية تعكس عمق توحيده، منها: «يا مخلص الشجر من بين الرمل والطين، ويا مخلص اللبن من بين الفرث والدم، خلصني من هارون».

الاستشهاد: نهاية الملحمة وبداية الأسطورة

في 25 رجب 183 هـ، دسّ هارون السم للإمام (ع) في رطبٍ قدّمه له السندي بن شاهك. رفض الإمام الأكل أولاً، ثم تناول سبع حبات قائلاً: «اللهم إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم لأعنت على نفسي». وبعد استشهاده، أُلقيت جثته على جسر الرصافة في بغداد لإذلاله، لكن المؤمنين نقلوها سرًا ودفنوها في مقبرة قريش، التي صارت لاحقًا مرقدًا مشهورًا في الكاظمية.

الخاتمة: إرث الصبر ومقاومة الظلم

لم يكن سجن الإمام الكاظم (ع) مجرد حدث تاريخي، بل تحول إلى رمزٍ للصمود في وجه الطغاة. لقد علّم أن القوة الحقيقية تكمن في الإيمان، وأن الظلم مهما طال زمنه فإن مصيره الزوال. يقول الإمام في رسالته الأخيرة لهارون: «لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا وينقضي عنك معه يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعًا إلى يوم ليس له انقضاء».

بهذا، يبقى الإمام الكاظم (ع) شاهدًا على أن نور الحق لا تطفئه ظلمات السجون، وأن دم الشهادة يخلد ذكرى الصالحين عبر العصور.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/