انتشار التشيع في البحرين: دراسة في الجذور التاريخية والتفاعلات الاجتماعية والدينية
المقدمة
تُعتبر البحرين نقطة ارتكاز تاريخية ودينية في الخليج العربي، حيث شكلت منذ العصور الإسلامية المبكرة بيئة خصبة للتفاعل بين المذاهب والثقافات. يهدف هذا البحث إلى تحليل العوامل العميقة التي أسهمت في ترسيخ المذهب الشيعي الإمامي كجزء جوهري من الهوية البحرينية، مع التركيز على السياقات التاريخية والاجتماعية والدينية حتى نهاية العصر الصفوي. تعتمد الدراسة على مصادر تاريخية أولية وثانوية، مع تحليل نقدي لسياقات تشكّل الهوية المذهبية.
1. الجذور التاريخية: من الولاء المبكر إلى التمذهب المنظم
تعود جذور التشيع في البحرين إلى القرن الأول الهجري، حيث تشكلت النواة الأولى عبر قبائل عبد القيس وبكر بن وائل، اللتين دخلتا الإسلام في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأظهرتا ولاءً مبكراً لعلي بن أبي طالب عليه السلام. تشير المصادر التاريخية، مثل "تاريخ الطبري"، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسائل إلى المنذر بن ساوى، حاكم البحرين آنذاك، فاستجاب أهلها جماعياً للإسلام، مما جعل المنطقة قاعدة داعمة للدولة الناشئة.
شاركت هذه القبائل في حروب الردة زمن أبي بكر الصديق، لكنها حافظت على موقف متحفظ إزاء الصراع السياسي بين علي ومعاوية. وفقاً لرواية الشيخ المفيد في "الجمل"، كانت قبائل البحرين من أنصار علي في معركة الجمل (36 هـ)، وهو ما يعكس توجهاً عقدياً مبكراً نحو التشيع، رغم عدم اكتمال ملامحه الفقهية آنذاك.
2. دور القبائل والعلماء: البنى الاجتماعية الحاضنة للتشيع
لعبت القبائل العربية دوراً محورياً في صياغة الهوية المذهبية، حيث كانت عبد القيس، إحدى أكبر القبائل المستوطنة، تُوصف بأنها "أقدم القبائل تشيعاً" وفقاً لابن قتيبة في "المعارف". برز من هذه القبائل شخصيات جمعت بين الزعامة السياسية والرمزية الدينية، مثل:
- صعصعة بن صوحان العبدي: خطيب بارز دافع عن حقوق علي عليه السلام في عهد معاوية، واشتهر بمواقفه المعارضة لانحراف السلطة عن مبادئ أهل البيت.
- زيد بن صوحان: شقيق صعصعة، الذي قتل في معركة الجمل، وتحول إلى رمز للاستشهاد في السردية الشيعية.
- أبو الأسود الدؤلي: تلميذ علي عليه السلام ومؤسس علم النحو، الذي ارتبطت سيرته بالذاكرة الشعبية الشيعية في البحرين، رغم الجدل حول نسبته الجغرافية.
3. التأثيرات السياسية والدينية: من الولاة إلى الدول
أسهم تعيين ولاة ذوي ميول شيعية في تعزيز الانتماء المذهبي. ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولي أبان بن سعيد الأموي على البحرين، وهو من الشخصيات التي يُنسب إليها ميل لآل البيت لاحقاً. وفي عهد علي عليه السلام، عُين الربيع بن زياد الحارثي والياً، الذي ارتبط اسمه ببناء مسجد الخميس، أحد أقدم المساجد الأثرية.
مع صعود الدول الشيعية، تعزز التواصل بين البحرين ومراكز التشيع في العراق وإيران. في العصر الصفوي (القرن 16-18م)، شهدت المنطقة هجرة علماء بين البحرين وإيران، مثل يوسف البحراني (صاحب "الحدائق الناضرة")، الذي أسهم في تأصيل الفقه الإمامي. كما مثلت البحرين مركزاً لإنتاج المخطوطات الدينية، كما توثق مخطوطة "أنوار المشعشعين" للكريمي البحراني.
4. المقاومة الثقافية: التشيع كهوية مناضلة
واجه التشيع في البحرين محاولات خارجية لطمس هويته، أبرزها سيطرة القرامطة (الإسماعيليين) على المنطقة في القرن الثالث الهجري، حيث حاولوا فرض مذهبهم بالقوة. لكن المصادر، مثل "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، تُشير إلى أن أغلب السكان حافظوا على مذهب الإمامية، ورفضوا الانصياع للعقيدة الإسماعيلية، مما عزز مفهوم "المظلومية" في السردية الشيعية.
كما مثّل الغزو البرتغالي للبحرين (1521م) محطة أخرى للتمسك بالهوية، حيث تحالف العلماء الشيعة مع الدولة الصفوية لطرد المحتل، وفقاً لمراسلات الشيخ أحمد بن أبي جمهور الأحسائي مع الشاه إسماعيل الصفوي.
5. البُعد الاجتماعي والثقافي: الهجرة والتماسك
ساهمت الهجرات بين البحرين والمناطق المجاورة (كالقطيف والإحساء) في تعزيز النسيج الشيعي. ففي القرن العاشر الهجري، هاجر علماء بحرينيون إلى إيران هرباً من الاضطهاد العثماني، بينما استقبلت البحرين عائلات من جبل عامل (لبنان) وفارس، حملت معها تراثاً فقهياً.
أسست عائلات دينية، مثل آل ماجد البحراني وآل عصفور، حوزات علمية أصبحت مراجع للتشريع الإمامي. ويُعد كتاب "الدرر النجفية" للشيخ حسين الماحوزي (ت. 1695م) مثالاً على الإنتاج الفكري الذي جعل البحرين منارة علمية شيعية.
6. الموروث الديني: الطقوس والمؤسسات
تحولت الطقوس الشيعية، كإحياء عاشوراء وزيارة الأربعين، إلى ممارسات جماعية تعزز الانتماء المذهبي. وصف الرحالة البريطاني جون جوردون لوريمر في "دليل الخليج" (1908م) مواكب الحزن الجماعية خلال شهر محرم بأنها "مشهد يُميِّز البحرين عن جيرانها".
كما ارتبط التشيع بإنشاء مؤسسات دينية، مثل مدرسة الشيخ ميثم البحراني (ت. 1280م)، التي درَّست الفلسفة الإشراقية والفقه الجعفري، وربطتها بمراكز العلم في النجف وكربلاء عبر سلاسل إجازات علمية (الإجازة البحرانية).
الخاتمة
لا يمكن تفسير انتشار التشيع في البحرين بمعزل عن التفاعل المركب بين:
- العامل التاريخي: عبر الولاء المبكر لعلي عليه السلام وتأثر القبائل بالصراعات السياسية.
- العامل الاجتماعي: عبر تماسك العشائر وهجرة العلماء ونقل المعرفة.
- العامل الثقافي: عبر إنتاج خطاب ديني مقاوم ودمج الطقوس في النسيج المجتمعي.
هذه التفاعلات جعلت التشيع نظاماً ثقافياً متجذراً، وليس مجرد انتماء مذهبي عابر.
قائمة المصادر
- ابن قتيبة الدينوري، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.
- الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، 1967.
- الشيخ المفيد، الجمل والنصرة لسيد العترة، قم: مؤتمر الشيخ المفيد، 1413 هـ.
- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1966.
- John Gordon Lorimer, Gazetteer of the Persian Gulf, Calcutta: 1908.
- مخطوطة أنوار المشعشعين، مكتبة آية الله المرعشي، قم، الرقم: 5892.

0 تعليقات