سيرة المختار الثقفي: دراسة تحليلية نقدية في ضوء المصادر التاريخية والدراسات الحديثة
المقدمة
المختار بن أبي عبيد الثقفي (1-67 هـ/622-686 م) شخصية محورية في التاريخ الإسلامي المبكر، ارتبط اسمه بثورة الكوفة ضد الأمويين بعد معركة كربلاء. اختلفت الروايات التاريخية حول تقييم دوره بين مدحٍ لجهوده في الأخذ بثأر الحسين بن علي (عليه السلام) وانتقادٍ لأساليبه السياسية والعقائدية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل سيرته بمنهجية علمية تعتمد على المصادر الأولية والثانوية، مع مراعاة السياقات السياسية والاجتماعية لتلك الحقبة.
1. النشأة والمسار المبكر
وُلد المختار في الطائف سنة 1 هـ/622 م، ونشأ في أسرة ثقفية ذات نفوذ؛ حيث كان والده أبو عبيد الثقفي قائداً في معركة الجسر ضد الفرس. بعد استشهاد والده، تربى في كنف عمه سعد بن مسعود، حاكم المدائن، وتأثر بالولاء المبكر لآل البيت، خاصة بعد اتصاله بالإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكوفة.
- التحول السياسي: شارك في معركة صفين (37 هـ) إلى جانب الإمام علي، ثم بايع الحسن بن علي (40 هـ)، لكن دوره تبلور بعد مقتل الحسين (61 هـ)، حيث أصبح رمزاً للثأر.
2. دوره في ثورة الكوفة
بعد مقتل الحسين، سجن المختار من قبل والي الكوفة عبيد الله بن زياد، ثم أُطلق سراحه بوساطة عبد الله بن عمر. تحالف مع عبد الله بن الزبير في مكة، لكنه انقلب عليه لاحقاً، معلناً ثورته في الكوفة سنة 66 هـ تحت شعار "يا لثارات الحسين"، مدعياً نيابة عن محمد بن الحنفية (ابن الإمام علي).
- الإنجازات العسكرية: سيطر على الكوفة، وقاد حملات لإعدام قتلة الحسين، مثل عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن، مستخدماً قواتٍ من الموالي (المسلمين غير العرب).
- السياسات الاجتماعية: منح الموالي حقوقاً مساوية للعرب في العطاء والمشاركة العسكرية، مما أحدث تحولاً في البنية الاجتماعية للعراق.
3. الجدل حول شرعيته وعقيدته
- الاتهامات: اتهمه المؤرخون السنيون (كابن كثير) بالكذب وادعاء النبوة، مستندين إلى حديث نسبوه للنبي: "إن في ثقيف كذاباً ومُبيراً"، بينما رفض الشيعة هذه الرواية واعتبروها تشويهاً.
- الادعاء بالمهدوية: ادعى نيابة عن محمد بن الحنفية ووصفه بـ"المهدي"، مما أثار شكوكاً حول دوافعه العقائدية. تشير دراسات حديثة إلى أن هذا الادعاء كان استراتيجية سياسية لتعزيز شرعيته أكثر من كونه عقيدة راسخة.
4. النقد التاريخي لحركته
- الانقسام في المصادر: اختلفت الروايات بين مصادر شيعية (كالمقرم والقرشي) التي تمجده كمحرر للثأر الحسيني، ومصادر سنية (كالطبري وابن الأثير) التي تصفه بالمتمرد الطموح.
- دور الموالي: يعتبره بعض الباحثين (كهوليوالد) رائداً في تمكين الطبقات المهمشة، بينما يرى آخرون (كفلهوزن) أن استغلاله للموالي كان لأغراض عسكرية بحتة.
5. الإرث والتأثير
رغم هزيمته أمام مصعب بن الزبير سنة 67 هـ، ترك إرثاً عميقاً:
- التأثير الشيعي: شكل أتباعه (الكيسانية) نواةً مبكرة للفكر الشيعي، مؤثرين في الحركات اللاحقة كالثورة العباسية.
- النموذج الثوري: أصبح رمزاً للثأر المقدس في الأدبيات الشيعية، بينما تحول إلى "مثال للتمرد" في الكتابات السنية.
الخاتمة
تظل شخصية المختار الثقفي إشكاليةً في التأريخ الإسلامي، تجسد صراع الروايات بين المركز الأموي والمعارضة العلوية. تتطلب دراسة سيرته تفكيك التحيزات المذهبية وقراءة نقدية للسياق السياسي والاجتماعي، مع الإفادة من المناهج الحديثة في تحليل النصوص التاريخية.
قائمة المصادر والمراجع
- سالم لذيذ والي الغزي، شخصية المختار الثقفي عند المؤرخين القدامى (2015).
- ويكيبيديا العربية، "المختار الثقفي" (2025).
- حسن عيسى الحكيم، دراسات في شخصية المختار الثقفي (مجلة IASJ).
- باقر شريف القرشي، المختار الثقفي دراسة وتحليل (2009).
- دراسة "Mukhtar al-Thaqafi: Character versus Controversy" (Academia.edu, 2019).
- مجاهد منعثر منشد، المختار الثقفي صاحب مبدأ وعقيدة (2014).
- مجلة آداب المستنصرية، "المختار بن أبي عبيد الثقفي" (2018).
- ويكيبيديا الإنجليزية، "Mukhtar al-Thaqafi" (2025).
- الموسوعة التاريخية، الدرر السنية (dorar.net).

0 تعليقات