يوم الغدير: التنصيب الإلهي للإمام علي بن أبي طالب (ع) في المصادر السنية والشيعية
بقلم: فاضل الريس
السياق التاريخي ليوم الغدير
في السنة العاشرة للهجرة، وبعد أداء النبي محمد (ص) "حجة الوداع"، تجمع عشرات الآلاف من المسلمين عند غدير خم، وهو موقع استراتيجي بين مكة والمدينة. كان الهدف من هذا التجمع، وفقاً للمصادر الشيعية والسنية، إعلان أمرٍ مصيري يتعلق بخلافة النبي. فقد نزلت آية التبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ...﴾ (المائدة: 67)، والتي فُسِّرت على أنها أمرٌ إلهي بتعيين علي بن أبي طالب (ع) ولياً للمؤمنين.
الخطبة النبوية في غدير خم: النص والسياق
ألقى النبي (ص) خطبةً مفصّلة في غدير خم، أكد فيها على مسألة الولاية، قائلاً: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ». وتشير المصادر السنية مثل مسند أحمد والترمذي إلى تواتر هذا الحديث، حيث رواه أكثر من 30 صحابياً، بما فيهم زيد بن أرقم وأبو هريرة. بل إن علماء كبار مثل الذهبي والسيوطي وابن كثير اعتبروا الحديث متواتراً، أي نقله جمعٌ غفير لا يُتوهم تواطؤهم على الكذب.
الدلالات اللغوية والسياسية لكلمة "مولى"
اختلفت التأويلات حول معنى "مولى":
1. التفسير الشيعي: ترى المدرسة الشيعية أن "مولى" تعني الولاية التكوينية والتشريعية، أي الخلافة والإمامة، استناداً إلى سياق الخطبة الذي تضمن إقراراً من الحضور بأن النبي "أولى بالمؤمنين من أنفسهم".
2. التفسير السني: يرى بعض علماء السنة أن "مولى" تعني المحبة والنصرة، دون إشارة إلى الخلافة. ومع ذلك، يؤكدون على مكانة علي (ع) كواحد من الخلفاء الراشدين.
الاستدلال بالقرآن: اكتمال الدين بولاية علي
بعد إعلان الولاية، نزلت آية الإكمال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾ (المائدة: 3)، مما يشير إلى أن الدين لم يكتمل إلا بتنصيب الإمام علي (ع). وقد أقرّ مفسرون سنّة مثل السيوطي وابن كثير بنزول هذه الآية في غدير خم، رغم اختلافهم في تفسير سبب النزول.
الشواهد التاريخية من المصادر السنية
1. مسند أحمد بن حنبل: يروي حديث الغدير بسند صحيح، ويذكر أن النبي (ص) أخذ بيد علي (ع) أمام الجمع قائلاً: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟».
2. صحيح الترمذي: يصف الحدث بتفصيل، ويؤكد صحته.
3. تاريخ الطبري: يذكر أن عدد الحاضرين تجاوز 120 ألف حاج، مما يعزز حجية الحدث.
4. ابن المغازلي (من علماء السنة): ألّف كتاباً كاملاً عن فضائل علي (ع)، وأكد على تواتر حديث الغدير.
الرد على الاعتراضات السنية
يعترض بعض العلماء السنة على دلالة الحديث، قائلين إنه لا يثبت الخلافة. لكن الرد الشيعي يستند إلى:
سياق الخطبة: التي تضمنت تأكيداً على أن النبي (ص) يُسأل عن تبليغ الولاية، مما يجعلها مسألة مصيرية.
القرائن التاريخية: مثل مبايعة كبار الصحابة لعلي (ع) بعد الخطبة، كأبي بكر وعمر، الذين قالوا: «بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم».
يوم الغدير في الفكر الشيعي: من التشريع إلى التطبيق
يعتبر الشيعة أن الغدير ليس مجرد حدث تاريخي، بل أساسٌ لعقيدة الإمامة، حيث يُنظر إلى الأئمة من أهل البيت كمستمرين لخط النبوة. وقد استُخدمت فلسفة "الولاية" هذه في تشكيل نظريات سياسية مثل "ولاية الفقيه" في إيران، التي تعتمد على نيابة الفقيه عن الإمام المهدي.
الخاتمة: نحو حوار علمي بين المذاهب
إن يوم الغدير يمثل نقطة التقاء بين المدرستين السنية والشيعية في الإقرار بوقوع الحدث، واختلافهما في تفسير دلالاته. وفي ظل تزايد الدراسات المقارنة، يمكن للباحثين استكشاف النصوص بموضوعية، مع الإقرار بأن الخلاف التاريخي لا ينبغي أن يُضعف الوحدة الإسلامية.
المصادر الرئيسية:
مسند أحمد بن حنبل.
صحيح الترمذي والنسائي.
تفسير السيوطي (الدر المنثور).
كتاب "الغدير" للأميني.
مصادر ويكي شيعة وتاريخ الطبري.

0 تعليقات