علم الأنثروبولوجيا: دراسة شاملة
المقدمة الأكاديمية المحايدة
تعريف علم الأنثروبولوجيا علم الأنثروبولوجيا: دراسة شاملة اللغوي: الأنثروبولوجيا (Anthropology) هي علم دراسة الإنسان، مشتق من الأصل اليوناني للكلمة؛ حيث يتكون المصطلح من “أنثروبوس” (Anthropos) بمعنى الإنسان و**“لوجيا” (Logos)** بمعنى الدراسة. وعليه فإن الأنثروبولوجيا تعني حرفيًا "علم دراسة الإنسان". يهتم هذا العلم بدراسة البشر من عدة زوايا، مع تركيز على أصل الإنسان وحياته وثقافاته عبر الزمان والمكان. وبذلك يشمل نطاق الأنثروبولوجيا كل ما يتعلق بالإنسان كفرد وكجماعة من خصائص مادية، واجتماعية، وبيئية وثقافية. وتظهر أهميته في كونه العلم الوحيد الذي يختص بدراسة البشرية وتطورها بصورة شاملة بغض النظر عن الزمن أو المكان.
الخلفية التاريخية وتطور العلم: يُعتبر علم الأنثروبولوجيا حديث النشأة نسبيًا إذا ما قورن بعلوم أخرى؛ إذ لم تبدأ الجامعات بتدريسه بشكل منتظم إلا في أواخر القرن التاسع عشر. تم تعيين السير إدوارد تايلور كأول أستاذ أنثروبولوجيا في جامعة أوكسفورد عام 1884، ثم تبعه هادن في جامعة كامبردج عام 1900، والسير جيمس فريزر في جامعة ليفربول عام 1907. وفي الولايات المتحدة أُدرجت الأنثروبولوجيا في المناهج الأكاديمية بحلول عام 1886. ومع ذلك فإن جذور التفكير الأنثروبولوجي تمتد إلى تأملات الإنسان القديمة حول تنوع الثقافات والمجتمعات. فمثلًا يُطلق على المؤرخ الإغريقي هيرودوت لقب “أبو الأنثروبولوجيا” بجانب كونه أبو التاريخ، لوصفه المفصل لشعوب قديمة من حيث الملامح الجسدية والعادات والأخلاق. لكن الانطلاقة الفعلية كعلم منهجي كانت خلال عصر التنوير في أوروبا بالقرن الثامن عشر، حيث سعى المفكرون آنذاك إلى فهم السلوك البشري والمجتمع كظواهر تخضع لقوانين عامة. في تلك الفترة، بدأ الأوروبيون بتوثيق عادات وثقافات الشعوب في الأراضي التي استعمرواها حديثًا، ونظروا إليها بوصفها “مجتمعات بدائية” أدنى مرتبة من حضارة أوروبا المتقدمة. وشكّل النصف الثاني من القرن التاسع عشر مرحلة حاسمة تبلورت فيها الأنثروبولوجيا كخطاب علمي حديث، مدفوعًا بتطور علوم الأحياء وفق نظرية داروين، وعلم فقه اللغة المقارن، وآثار ما قبل التاريخ.
أهمية الأنثروبولوجيا في دراسة الإنسان والمجتمعات: تسعى الأنثروبولوجيا إلى تقديم فهم متكامل للبشر عبر الزمان والمكان. فهي تدرس أصول الجنس البشري وتطوره البيولوجي، وتنوع ثقافاته ولغاته ومعتقداته، إضافةً إلى دراسة أنماط عيشه وعلاقاته الاجتماعية. وتركز الأنثروبولوجيا على كيفية تفاعل الجوانب البيولوجية والاجتماعية والحضارية في الإنسان، بهدف تكوين صورة شاملة عن أصول الإنسان وأنماط وجوده الاجتماعي المتنوعة حول العالم وعبر التاريخ. لهذا العلم أهمية خاصة لأنه يعزز الفهم المتبادل بين الثقافات المختلفة ويكشف عن الأسس المشتركة للتجربة الإنسانية، وفي الوقت نفسه يبرز الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع. وبذلك تسهم الأنثروبولوجيا في تفكيك الصور النمطية عن الآخرين، وتشجع على احترام التنوع الثقافي وفهم سياقات المعتقدات والعادات المختلفة.
إشكالية البحث المركزي: استنادًا إلى ما سبق، يمكن صياغة إشكالية هذه الدراسة بالسؤال التالي: كيف تطور علم الأنثروبولوجيا عبر تاريخه، وما هي أبرز مفاهيمه وفروعه ومنهجياته التي تمكننا اليوم من فهم الإنسان والمجتمعات فهمًا شاملاً؟ ينبثق عن هذا السؤال المركزي عددٌ من التساؤلات الفرعية، مثل: ما العلاقة بين الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية الأخرى؟ ما هي المدارس الفكرية الكبرى في تاريخ الأنثروبولوجيا وما مدى اختلاف مقارباتها؟ وكيف تُطبَّق معارف الأنثروبولوجيا في فهم قضايا معاصرة كالطب والاقتصاد والسياسة والتنمية؟
المنهجية المعتمدة: تعتمد هذه الدراسة منهجية وصفية تحليلية ترتكز على مراجعة الأدبيات والمراجع الكلاسيكية والمعاصرة في علم الأنثروبولوجيا. سيتم عرض المفاهيم الأساسية وتطورها التاريخي، ومناقشة المناهج والأدوات البحثية المتبعة في هذا العلم، مع الاستشهاد بالمصادر الأكاديمية الموثوقة. كما ستتم مقارنة التيارات النظرية المختلفة وتحليل تطبيقات الأنثروبولوجيا في مجالات راهنة، وذلك بأسلوب علمي حيادي ودقيق ملتزم بقواعد التوثيق العلمي على غرار أسلوب APA وشيكاغو حسب ما تقتضيه الضرورة.
الفصل الأول: المفاهيم والنشأة
تعريف الأنثروبولوجيا ومجالاتها الأساسية: تعرف الأنثروبولوجيا بأنها العلم الذي يدرس الإنسان ككائن طبيعي واجتماعي وثقافي دراسة شاملة. فهي علم يبحث في الإنسان الفرد وأعماله وسلوكه، وفي الإنسان الجماعي وممارساته وإنتاجه. وبهذا المعنى، تغطي الأنثروبولوجيا كافة جوانب الإنسان في الماضي والحاضر، بما في ذلك الحضارات والمجتمعات البشرية عبر العصور. لقد تعددت تسميات هذا العلم في اللغة العربية مثل علم الإنسان أو الإناسة، وجميعها تشير إلى الدراسة العلمية للإنسان. وبما أن موضوع الأنثروبولوجيا هو الإنسان، فإن مجالاتها الأساسية تتنوع لتغطي مختلف جوانب الوجود الإنساني. يمكن إجمال أهم مجالات الأنثروبولوجيا في خمسة فروع كبرى سوف نتناولها بالتفصيل في الفصل التالي، وهي: الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، والأنثروبولوجيا البيولوجية (أو الطبيعية)، والأنثروبولوجيا اللغوية، والأنثروبولوجيا التطبيقية. يشمل كل فرع منظورًا معينًا لدراسة الإنسان، سواء من حيث الثقافة والمجتمع، أو البيولوجيا والتطور، أو اللغة والتواصل، أو توظيف المعرفة الأنثروبولوجية عمليًا في الواقع.
علاقة الأنثروبولوجيا بالعلوم الأخرى: بحكم طبيعة موضوعها الشامل، ترتبط الأنثروبولوجيا ارتباطًا وثيقًا بعدد من العلوم الاجتماعية والإنسانية. فهي تقف على تقاطع علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ وغيرها. على سبيل المثال، يدرس كل من الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع الظواهر الاجتماعية والسلوك البشري، لكن كل منهما بمنظور مختلف؛ إذ تركز الأنثروبولوجيا على البعد الثقافي المقارن بين المجتمعات المختلفة، حتى البدائية منها والحديثة، بينما يهتم علم الاجتماع بالمجتمعات الحديثة والحضرية بوجه خاص. ومن جهة أخرى، يشترك العلمان في الكثير من الموضوعات (كالدين والأسرة والاقتصاد والسياسة)، غير أن عالم الأنثروبولوجيا يسعى لفهم كيفية ارتباط هذه الجوانب الاقتصادية والسياسية مثلًا ببقية جوانب الثقافة ككل متكامل. لقد أشار بعض الباحثين إلى صعوبة الفصل التام بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع بسبب تشابههما وتقاربهما الشديدين في دراسة المجتمع الإنساني. لذا يُفضل تحديد نقاط الاختلاف: فالأنثروبولوجيا تقارن بين ثقافات شتى لفهم نطاق التنوع البشري وتحاول دراسة المجتمعات الإنسانية من خلال العمل الميداني المكثف (الإثنوغرافيا)، في حين يركز علم الاجتماع غالبًا على البحث في أنماط السلوك العامّة في المجتمعات الحديثة باستخدام المناهج الإحصائية الكمية. وبالمثل، تتداخل الأنثروبولوجيا مع علم النفس عندما تدرس الشخصية والقيم والتنشئة الاجتماعية، ومع التاريخ عند بحثها في تطور المجتمعات عبر الزمن. إلا أن خصوصية المنظور الأنثروبولوجي تكمن في تكامله وشموليته؛ فهو ينظر للإنسان كوحدة عضوية/ثقافية واحدة، في حين قد يقتصر علم النفس مثلًا على الفرد وعقله، أو علم الاقتصاد على نشاط محدد (كالإنتاج والتبادل) بمعزل عن سياقه الثقافي. ولعل هذا التكامل هو ما يجعل الأنثروبولوجيا “حلقة وصل” بين مختلف العلوم الاجتماعية، فتستفيد منها وتغذيها في آن واحد.
المدارس النظرية الأولى في الأنثروبولوجيا: شهد القرن التاسع عشر الميلادي بدايات تبلور النظريات الأنثروبولوجية الكبرى. ومن أبرز المدارس المبكرة التي ظهرت آنذاك: المدرسة التطورية (التطورية الاجتماعية)، والمدرسة الوظيفية، والمدرسة البنائية (الهيكلية).
- النظرية التطورية: تأثرت بأفكار التطور الحيوي عند داروين ولامارك، وافترضت أن المجتمعات البشرية تمر بمراحل تطور تدريجية من الحالة “البدائية” إلى “المتحضرة”. اعتقد رواد هذه المدرسة – أمثال إدوارد تايلور ولويس مورغان – أن جميع الثقافات يمكن ترتيبها وفق سلم أحادي الخط للتقدم، حيث تمثل المجتمعات الغربية قمة التطور الحضاري. من الأعمال الكلاسيكية في هذا السياق كتاب مورغان عن "المجتمع القديم" (1877) الذي قسم التطور الاجتماعي إلى مراحل الوحشية والبربرية ثم الحضارة، وكذلك كتاب تايلور "الحضارة البدائية" (1871) الذي قدّم أول تعريف علمي لمفهوم الثقافة. رغم أن النظرة التطورية وحّدت تاريخ البشر ضمن خط واحد، إلا أنها وُصفت فيما بعد بأنها نظرة مركزية أوروبية تحمل أحكامًا مسبقة (اعتبار المجتمعات غير الغربية متأخرة أو طفولية). ومع ذلك أرست هذه المحاولات المبكرة قواعد البحث المقارن في الأنثروبولوجيا وفتحت الباب أمام نظريات لاحقة أكثر نقدية.
- النظرية الوظيفية: برزت في أوائل القرن العشرين كرد فعل على التطورية، وقد تأثرت بأفكار عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم. تركز الوظيفية على دراسة وظائف المؤسسات والعادات في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمراره، بدلًا من تتبع أصلها التاريخي. من أهم أعلامها برونيسلاف مالينوفسكي (من رواد الإثنوغرافيا الميدانية) وألفريد رادكليف براون. قام مالينوفسكي بدراسة قبائل جزر التروبرياند في ميلانيزيا وطرح مفهوم "الحاجات الحيوية" مبرزًا أن كل نظام ثقافي يلبي حاجات أفراد المجتمع (مثل نظام تبادل الكولا الشعائري الذي يربط بين جزر عدة عبر شبكة تبادلات منظمة). أما رادكليف براون فاهتم ببنية المجتمع ووظائف النظم القرابية والدينية في الحفاظ على الاستقرار، متأثرًا بمبدأ دوركايم في الفصل بين ما هو اجتماعي وما هو نفسي. لقد رفضت الوظيفية التفسيرات التطورية الأحادية، ورأت أن كل ثقافة متكاملة في ذاتها وتخدم حاجات مجتمعها الخاصة. ومع أن الوظيفيين لم يهتموا كثيرًا بالتاريخ، إلا أن منهجهم ألقى الضوء على الترابط الداخلي بين عناصر الثقافة الواحدة.
- النظرية البنائية (البنيوية): تطورت في منتصف القرن العشرين، وأبرز من يمثلها في الأنثروبولوجيا هو العالم الفرنسي كلود ليفي ستروس. تنطلق البنيوية من فرضية أن هناك بنى عقلية مشتركة لدى البشر كافة، وهذه البنى العميقة هي التي تنتج أشكال التنوع الثقافي الظاهري. أي أن الثقافة تُفهم بوصفها نظامًا من العلاقات المتشابكة التي تعكس بنية ذهن الإنسان. يرى البنيويون أن كل ظاهرة ثقافية (كأساطير القبائل أو نظام القرابة) يمكن تحليلها بردّها إلى عناصرها الأساسية وإلى العلاقات بين تلك العناصر، دون اعتبار كثير للعوامل الخارجية. على سبيل المثال، حلل ليفي ستروس أساطير الشعوب الأصلية ليكشف عن بنى ثنائية مضمرة (كالخير/الشر، الحياة/الموت) في عقل الإنسان. وبهذا المعنى، تعد البنيوية منهجًا تحليليًا يبحث عن الكليات الإنسانية وراء الجزئيات الثقافية. وعلى الرغم من أن البنيوية تأثرت بعلم اللسانيات (Structural Linguistics) وحققت انتشارًا واسعًا، إلا أنها وُوجهت أيضًا بنقد لأنها أهملت التاريخ والسياق الاجتماعي واعتبرت الثقافة بنية مغلقة. لاحقًا، سوف تمهد الانتقادات الموجهة للبنيوية لظهور تيارات ما بعد البنيوية ثم ما بعد الحداثة في الفكر الأنثروبولوجي.
جذور المفاهيم الأولى وتحليلها: عند النظر إلى تلك النظريات المبكرة، نجد أنها انطلقت من سياقات فكرية وتاريخية محددة. فالتطورية مثلاً نبعت من مناخ فكري يؤمن بالتقدم المستمر والتفوق الحضاري للغرب في الحقبة الاستعمارية؛ لذا حملت مفاهيمها تحيزات حضارية وعنصرية ضمنية. بالمقابل، جاءت الوظيفية لتصحح المسار بالتأكيد على دراسة المجتمع من الداخل كما هو موجود في الحاضر دون أحكام خارجية، فكان مفهومها للثقافة أكثر حيادًا وتركيزًا على التكامل الداخلي. أما البنيوية فمثلت امتدادًا لتوجه أوسع في العلوم (كالألسنية وعلم النفس) يبحث عن بُنى عالمية تحكم السلوك الإنساني. لقد وفّر كل منظور من هذه المنظورات أدوات تحليلية جديدة: فالتطورية قدمت فكرة المقارنة العابرة للثقافات والتصنيف المرحلي، والوظيفية قدمت مفهوم التكامل الوظيفي ووحدة الثقافة، والبنيوية قدمت منهج تحليل الرموز والأساطير لفهم العقل الإنساني. لكن أيًا منها ليس كاملًا بمفرده؛ لذلك جاءت المراجعات والنقديات اللاحقة (مثل انتشارية بواس، والنسبية الثقافية، ثم النقد ما بعد الحداثي) لتكمل الصورة وتصحح انحيازات تلك النظريات الأولى. وبذلك يتضح أن جذور الأنثروبولوجيا – رغم حداثة استقلالها العلمي – ضاربة في تاريخ الفكر الإنساني، وأن مفاهيمها الأولية تشكلت في تفاعل مستمر مع محيطها المعرفي (من نظرية التطور إلى علم الاجتماع الوضعي إلى اللسانيات وغيرها). هذا التحليل التاريخي للمفاهيم يساعدنا على فهم تطور حقل الأنثروبولوجيا نفسه كاستجابة للأسئلة التي طرحها الإنسان حول نفسه ومجتمعه في كل مرحلة.
الفصل الثاني: الفروع الرئيسية للأنثروبولوجيا
ينقسم علم الأنثروبولوجيا العام إلى عدة فروع رئيسية، تبلورت تقليديًا في أربعة مجالات أساسية أضيف إليها لاحقًا فرع خامس هو الأنثروبولوجيا التطبيقية. فيما يلي عرض موجز لهذه الفروع وروابطها التحليلية فيما بينها:
-
الأنثروبولوجيا الثقافية: يُعنى هذا الفرع بدراسة الثقافات البشرية في جوانبها المختلفة. يركز علماء الأنثروبولوجيا الثقافية على دراسة العادات والتقاليد والطقوس والرموز والمعارف والفنون والقوانين والأخلاق وأنماط المعيشة في المجتمعات البشرية كافة. يهتم هذا التخصص بفهم التنظيمات الاجتماعية والسياسية، وأنظمة الزواج والقرابة، والاقتصاد التقليدي، والمعتقدات الدينية، وغيرها من السمات الثقافية للمجتمعات المختلفة. يتميز منظور الأنثروبولوجيا الثقافية بأنه كيفي نوعي بالدرجة الأولى؛ حيث يعتمد على الملاحظة بالمشاركة والمعايشة لفهم الثقافة من وجهة نظر أعضائها أنفسهم. ظهر هذا الفرع بقوة في أوائل القرن العشرين مع دراسات رواد الإثنوغرافيا مثل فرانز بواس وبرونيسلاف مالينوفسكي، وأثبت أهمية مفهوم النسبية الثقافية الذي يقضي بضرورة فهم أي ثقافة وفق سياقها الخاص وليس بمقاييس ثقافة أخرى. كما ساهم هذا الفرع في توثيق التراث الثقافي للمجتمعات التقليدية المهددة بالتغير، وفي إبراز تنوع الإبداع الإنساني في طرق الحياة. الجدير بالذكر أن الأنثروبولوجيا الثقافية متداخلة جدًا مع الأنثروبولوجيا الاجتماعية، حتى أن البعض يجمعهما بتسمية واحدة (الأنثروبولوجيا الاجتماعية-الثقافية) كما سنوضح أدناه.
-
الأنثروبولوجيا الاجتماعية: تُركز على دراسة البنى الاجتماعية وعلاقات الأفراد داخل المجتمع. يهتم هذا الفرع بتحليل النظم الاجتماعية (مثل العائلة، القبيلة، الطبقات، المؤسسات السياسية والقانونية) وكيفية تشكّلها ووظائفها. كما يدرس أنماط السلوك الاجتماعي والتفاعل بين الأفراد في إطار التقاليد والأعراف السائدة. نشأ هذا الحقل بقوة في المدرسة البريطانية للأنثروبولوجيا خلال أوائل القرن العشرين، حيث أجرى باحثون مثل إيفانز بريتشارد وماير فورتس دراسات عميقة حول النظم السياسية والقرابية في المجتمعات الإفريقية. تُبرز الأنثروبولوجيا الاجتماعية دور العلاقات الاجتماعية (كعلاقات القرابة والتحالفات والزعامات) في الحفاظ على تماسك المجتمع أو إحداث التغيير فيه. ورغم التقاطع الواضح مع الأنثروبولوجيا الثقافية، يمكن القول إن الاجتماعية تميل إلى التركيز على هيكل المجتمع وبنيته (منظمات، طبقات، سلطات) في حين تركز الثقافية على المضامين الرمزية والمعرفية (قيم، معانٍ، معتقدات). غير أن الفصل بين الفرعين ليس حدّيًا؛ فكلاهما يكمل الآخر: دراسة أي ثقافة تستلزم فهم تنظيمها الاجتماعي، والعكس صحيح. لذلك يتم التعامل مع الفرعين بوصفهما وجهين لعملة واحدة في كثير من الأحيان. ويمكن اعتبار الأنثروبولوجيا الاجتماعية-الثقافية ميدانًا واحدًا شاملًا يدرس الإنسان من منظور اجتماعي وثقافي متكامل.
-
الأنثروبولوجيا البيولوجية (الحيوية): يُعرف أيضًا بعلم الإنسان الحيوي أو الطبيعي، ويختص بدراسة الخصائص البيولوجية للبشر وتطورهم عبر الزمن. تشمل الأنثروبولوجيا البيولوجية عدة مجالات فرعية مثل علم التطور البشري (الذي يدرس المستحاثات البشرية لفهم مسار نشوء الإنسان العاقل)، وعلم الوراثة البشرية، وعلم سلوك الرئيسيات (دراسة القردة العليا لفهم ما يشترك به الإنسان معها)، بالإضافة إلى دراسة التكيفات البيولوجية للبشر مع البيئات المختلفة (مثل التكيف مع العيش على ارتفاعات شاهقة أو في مناخات قاسية). كما يتطرق هذا الفرع إلى موضوع التنوع البشري المعاصر (السلالات والخصائص الجسدية المختلفة) من وجهة نظر علمية لا عنصرية. ظهر هذا الفرع منذ القرن التاسع عشر مع الاهتمام بأصل الإنسان إثر نشر داروين لـ"أصل الأنواع"، وشهد تطورات كبيرة بفضل اكتشافات الحفريات البشرية (كالنياندرتال وغيره) والتقدم في علم الوراثة الجزيئية. ويؤكد علماء الإنسان الحيوي على أننا نستطيع فهم الإنسان المعاصر فهمًا أعمق بمقارنته عبر الزمن مع أسلافه ومع أقرب الكائنات إليه تطوريًا. ساهمت الأنثروبولوجيا البيولوجية أيضًا في تفنيد الأسس العلمية للعنصرية من خلال إثبات أن الاختلافات الوراثية بين جماعات البشر طفيفة ولا تبرر تصنيف "الأعراق" بشكل جوهري منفصل. وبهذا فهي تربط البيولوجيا بالسياق الثقافي، موضحةً كيف يتفاعل التطور الحيوي مع الظروف البيئية والاجتماعية عبر تاريخ الإنسان.
-
الأنثروبولوجيا اللغوية: يركز هذا الفرع على دراسة اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية. يهتم علماء الأنثروبولوجيا اللغوية بكيفية تأثير اللغة على الحياة الاجتماعية، ودورها في تشكيل الهوية والثقافة. تشمل موضوعات البحث في هذا المجال: بنية اللغات المختلفة ووظائفها، والاتصال اللفظي وغير اللفظي (الإيماءات وتعابير الجسد)، والتغيرات اللغوية عبر الزمن، واللهجات الاجتماعية، وعلاقة اللغة بالتصنيف المعرفي للعالم. تكشف الدراسات الأنثروبولوجية اللغوية أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي مرآة للثقافة؛ فهي تحمل رؤى العالم والقيم والمعايير الخاصة بكل مجتمع. مثلًا، يهتم هذا الفرع بدراسة مفاهيم مثل النسبية اللغوية (فرضية سابير-وورف) التي تبحث في كيفية تأثير اللغة على تفكير المتحدثين بها. كما يهتم بتوثيق لغات الشعوب الأصلية المهددة بالاندثار ودراسة سياقات استخدامها. وقد عمل الأنثروبولوجيون اللغويون أيضًا في مجالات تطبيقية كتعليم اللغات وتحليل الخطاب الثقافي في البيئات ثنائية اللغة. باختصار، يربط هذا الفرع اللغة بالثقافة، موضحًا أن فهم اللغة في سياقها الاجتماعي يساعدنا على فهم بنية المجتمع وثقافته. وهذا ما يجعل الأنثروبولوجيا اللغوية مساهمة أساسية في الدراسات التواصلية وعلم اللغة الاجتماعي.
-
الأنثروبولوجيا التطبيقية: يُطلَق عليها أيضًا علم الإنسان التطبيقي، وهي الفرع الذي يسعى إلى تطبيق المعارف والمناهج الأنثروبولوجية لحل المشكلات الواقعية في المجتمعات المعاصرة. نشأت الأنثروبولوجيا التطبيقية بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية، عندما بدأ علماء الأنثروبولوجيا يسهمون في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار في دول “العالم الثالث”، ثم امتد نطاقها ليشمل مجالات متنوعة في العقود الأخيرة. تعرف الأنثروبولوجيا التطبيقية بأنها المجال الذي يستخدم نتائج الأبحاث الأنثروبولوجية وخبرات علماء الأنثروبولوجيا بهدف التعرّف على المشكلات البشرية وفهمها ومعالجتها عمليًا. وترتبط التطبيقية ارتباطًا وثيقًا بالفروع الأربعة التقليدية (الثقافية، والاجتماعية، والبيولوجية، واللغوية، وكذلك علم الآثار)؛ حتى أن البعض يصفها بأنها "المجال الخامس" للأنثروبولوجيا. تشمل الأنثروبولوجيا التطبيقية طيفًا واسعًا من الأنشطة المهنية. على سبيل المثال: يمكن لعالم الأنثروبولوجيا أن يعمل كمحلل أبحاث سوق لشركة تجارية لفهم تفضيلات المستهلكين وسلوكياتهم الثقافية، أو كخبير في الصحة العامة يساعد المنظمات الدولية على تصميم برامج صحية تراعي المعايير الثقافية المحلية، أو كمستشار في قضايا التنمية لتكييف المشاريع مع خصوصيات المجتمعات المحلية، أو كمتخصص في الحفاظ على التراث الثقافي (في المتاحف والمواقع الأثرية)، أو حتى كخبير بيئي يدرس تفاعل المجتمع مع البيئة لمواجهة تحديات التلوث والتغير المناخي. إن الرابط المشترك هو نقل المعرفة الأنثروبولوجية من إطار نظري إلى واقع عملي: أي استخدام فهم الثقافات وأنماط التفاعل الإنساني لحل مشكلات مثل النزاعات الثقافية في بيئات العمل، أو تحسين فاعلية برامج التنمية، أو تعزيز التفاهم بين الحكومات ومجتمعات الأقليات، إلخ. هكذا تسهم الأنثروبولوجيا التطبيقية في ردم الفجوة بين الأكاديميا والمجتمع، وتثبت أن دراسة الإنسان لا تهدف للمعرفة فقط بل يمكن أن يكون لها دور فعّال في خدمة الإنسان عمليًا.
الروابط التحليلية بين الفروع: على الرغم من تمايز هذه الفروع ظاهريًا، إلا أنها مترابطة بشكل جوهري ضمن مشروع الأنثروبولوجيا الشامل لفهم الإنسان. فمثلًا، لا يمكن فهم الثقافة دون فهم السياق البيولوجي للإنسان (تطوره وقدراته الإدراكية التي تتيح اللغة والثقافة)، ولا فهم المجتمع دون لغة تواصله، ولا دراسة أي مجتمع معاصر دون إدراك تحديات التنمية التي يواجهها. لذلك كثيرًا ما يعمل علماء الأنثروبولوجيا في تقاطعات هذه التخصصات: فهناك أنثروبولوجيا طبية (تمزج بين الاجتماعي/الثقافي والبيولوجي لفهم المرض والصحة)، وأنثروبولوجيا بيئية (تدرس تفاعل الإنسان مع البيئة بالاستفادة من علم البيئة وعلم الاجتماع)، وأنثروبولوجيا قانونية (تنظر في النظم القانونية في ضوء الثقافة والتاريخ)، وغيرها من المجالات البينية. كما أن منهجية العمل الميداني الإثنوغرافي تُعد قاسماً مشتركاً بين معظم الفروع، حيث يعتمد عالم الأنثروبولوجيا – أيا كان تخصصه – على الملاحظة المباشرة والمقابلات والمشاركة لفهم موضوع دراسته بعمق. وهكذا، فالفروع الرئيسية للأنثروبولوجيا أشبه بمرآة متعددة الأوجه تعكس كلاً من الجانب الثقافي والاجتماعي والبيولوجي واللغوي والسلوكي للإنسان. إنها في النهاية أجزاء لصورة واحدة متكاملة: صورة الإنسان بكل أبعاده.
الفصل الثالث: المناهج والأدوات البحثية في الأنثروبولوجيا
تستند الأنثروبولوجيا في دراساتها إلى مناهج علمية متنوعة تجمع بين الأساليب الكيفية (النوعية) والكمية، وتستخدم عددًا من الأدوات البحثية المميزة. ومن أبرز مناهج البحث الأنثروبولوجي: المنهج الإثنوغرافي الميداني القائم على الملاحظة والمشاركة، والمنهج المقارن عبر الثقافات، والمنهج التاريخي. فيما يلي سنعرض أهم الأدوات البحثية والمناهج المتبعة:
-
الملاحظة بالمشاركة (Participant Observation): تعد حجر الأساس في البحث الأنثروبولوجي الميداني. وفيها يقوم الباحث بالعيش لفترة ممتدة وسط المجتمع الذي يدرسه، مشاركًا أهل المجتمع حياتهم اليومية قدر الإمكان، بهدف ملاحظة سلوكهم وثقافتهم من الداخل. يتيح هذا الأسلوب فهمًا عميقًا للظواهر الاجتماعية والثقافية من منظور أعضاء المجتمع أنفسهم، ويقلل من تحيزات الباحث الخارجية. الملاحظة بالمشاركة ليست مجرد مراقبة سلبية، بل تشمل الاندماج في النشاطات الاجتماعية والتفاعل المستمر، مع الحفاظ في نفس الوقت على مهمة تسجيل الملاحظات وتدوين التفاصيل. وقد كان مالينوفسكي من أوائل من اعتمد هذا الأسلوب بشكل منهجي في دراسته لحياة سكان جزر التروبرياند، حيث أقام بينهم سنوات ووثّق ملاحظاته يوميًا. تعتبر الملاحظة بالمشاركة أساس الدراسات الميدانية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، وتستلزم من الباحث مهارات كسب الثقة وبناء علاقات جيدة مع أفراد المجتمع، إلى جانب الموضوعية في تدوين ما يراه دون إسقاط رؤاه المسبقة.
-
المقابلات الميدانية (Field Interviews): تعتبر المقابلة أداة رئيسية مكملة للملاحظة. يجري الأنثروبولوجيون أنواعًا مختلفة من المقابلات أثناء عملهم الميداني، تتراوح بين المقابلات غير الموجهة (الحرة) التي تشبه الحديث العفوي، وبين المقابلات شبه المنظمة ذات الأسئلة المفتوحة، وصولًا إلى المقابلات المتعمقة المركزة على موضوع محدد. تهدف المقابلات إلى جمع المعلومات من أفواه الناس أنفسهم، بما في ذلك القصص الشخصية والتفسيرات المحلية للممارسات والمعتقدات. يساعد هذا في فهم معنى الثقافة لأفرادها. أحيانًا يعتمد الباحث على الإخباريين الرئيسيين (Key Informants)، وهم أفراد من المجتمع يتمتعون بمعرفة واسعة ويرشدون الباحث ويفسرون له ما قد يستعصي فهمه. كما قد تُجرى مجموعات نقاش (Focus Groups) لاستنباط وجهات نظر متنوعة في آن واحد. المقابلات تتطلب بناء علاقة ثقة وشرح هدف البحث بصدق، واحترام خصوصية المبحوثين وأخذ موافقتهم على المشاركة. ومن المهم أن يكون الباحث مرنًا في مقاربته؛ فإذا لاحظ أن سؤالًا ما غير مفهوم أو يثير حساسية، يقوم بإعادة صياغته أو تجنبه. فالمقابلة الجيدة هي حوار تفاعلي وليست استجوابًا رسميًا. ومع تراكم المقابلات، يحصل الباحث على ثروة من البيانات اللفظية (النصية) التي يتم تحليلها لاستخلاص الأنماط الثقافية والخلفيات الاجتماعية وراء الأجوبة.
-
تحليل النصوص والسرديات: إلى جانب ملاحظة السلوك المباشر، يهتم الأنثروبولوجيون أيضًا بتحليل ما ينتجه الناس من نصوص وروايات شفوية لفهم الثقافة. وهذا يشمل تحليل الأساطير والقصص الشعبية، والأغاني، والأمثال، وكذلك النصوص المكتوبة مثل سجلات التاريخ الشفوي أو الوثائق المحلية. يكشف تحليل السرديات عن القيم الرمزية والمعتقدات الكامنة التي يحملها المجتمع. على سبيل المثال، قد يحلل الباحث أسطورة محلية متوارثة ليستنبط منها نظرة المجتمع للخير والشر أو لتفسير ظواهر الطبيعة. أو قد يدرس حكايات الحياة (السير الذاتية الشفوية لأشخاص من المجتمع) والتي تسمى أحيانًا “قصة الحياة” (Life History) كوسيلة لفهم التجربة الفردية ضمن الإطار الثقافي. كذلك يمكن أن تشمل مادة النصوص كتابة النقوش أو الرسوم والرموز الثقافية (كفن القبائل أو طقوسهم المصورة). يقوم الباحث بتفكيك هذه النصوص وتحليل مضامينها ورموزها، ومقارنتها إذا لزم الأمر بنصوص من ثقافات أخرى، بحثًا عن معانٍ مشتركة أو فريدة. ومن المناهج المهمة هنا التحليل البنيوي للأساطير الذي برع فيه ليفي-ستروس، وأيضًا تحليل الخطاب الذي ينظر لكيفية استخدام اللغة في التعبير عن السلطة أو الهوية. إن تحليل السرديات والنصوص يسمح بفهم العالم المعنوي للمجتمع قيد الدراسة، ويكمل ما يحصل عليه الباحث عبر الملاحظة المباشرة للسلوك.
-
المناهج الكمية والكيفية: تجمع الأنثروبولوجيا الحديثة بين الأساليب الكيفية (Qualitative) التقليدية كالتي ذكرناها أعلاه، وبعض الأساليب الكمية (Quantitative) عندما تكون مفيدة. فالباحث الأنثروبولوجي قد يصمم استبيانات لجمع بيانات رقمية عن موضوع معين (مثل حجم الأسرة، أو نسب الزواج المختلط، أو انتشار مرض ما في المجتمع المدروس)، ثم يُحللها إحصائيًا لدعم تفسيراته. كذلك يستخدم البعض منهج المقارنة الإحصائية عبر الثقافات (Cross-Cultural Survey) كما في مشروع "أطلس هارفارد للبيانات الثقافية" مثلًا، حيث يتم ترميز ملامح مئات الثقافات ومقارنتها بحثًا عن ارتباطات أو قواعد عامة. غير أن الأغلبية تميل إلى استخدام الكمّي في خدمة الكيفي وليس العكس؛ بمعنى أن الأرقام تدعم الفهم ولا تستبدله. فمنهجيًا، الأنثروبولوجيا منهج تكاملي؛ يصف ويفسر (كيفيًا) ويقيس عند الحاجة (كميًا). أيضًا هناك المنهج التجريبي أحيانًا في الأنثروبولوجيا البيولوجية أو علم الآثار التجريبي (كإعادة تصنيع أدوات قديمة لاختبار فرضيات). لكن تبقى الاثنوغرافيا الميدانية القلب النابض للعمل الأنثروبولوجي. لهذا يقال إن عالم الأنثروبولوجيا يصنع بياناته بنفسه عبر المعايشة وجمع القصص والأحداث، ولا يكتفي بتحليل بيانات متاحة فقط.
ملاءمة كل منهج لميدان الدراسة: يعتمد اختيار المنهج والأدوات على طبيعة موضوع البحث. فمثلًا:
- في دراسة مجتمع قبلي صغير ومعزول، يكون العمل الميداني المكثف بالملاحظة والمقابلات هو الأنسب للحصول على صورة شاملة عن حياة الناس ومعتقداتهم (منهج كيفي إثنوغرافي).
- في دراسة التغيرات الصحية في مجتمع ريفي، قد يلجأ الباحث إلى دمج الكيفي والكمّي؛ فيقوم بمقابلات معمقة لفهم تصورات الناس حول المرض، ويجمع أيضًا بيانات إحصائية عن معدلات الإصابة أو انتشار العلاجات التقليدية (منهج مختلط).
- إذا كان البحث حول علاقات القرابة وبناء النسب في مجتمع تقليدي، فقد يعتمد على تحليل سجلات الأنساب والخرائط العائلية (منهج تاريخي/كمي) إلى جانب المشاركة بالمناسبات العائلية لفهم الدور الاجتماعي للقرابة (كيفي).
- في دراسة لغة مهددة بالانقراض، يستخدم منهج التوثيق اللغوي لجمع المفردات والنحو (كمي وصفي)، بالإضافة إلى تسجيل المحادثات اليومية وتحليلها في سياقها الثقافي (كيفي).
- للأبحاث المقارنة بين ثقافات متعددة، يلزم منهج مقارن واضح المعايير لجمع المعلومات من كل ثقافة بشكل قابل للمقارنة، وغالبًا ما تدعمه بيانات كمية منظمة.
خلاصة القول: تتميّز الأنثروبولوجيا بمرونتها المنهجية وتعدد أدواتها، فهي لا تتقيد بطريقة واحدة بل تختار ما يناسب الظاهرة المدروسة. والحكم على ملاءمة المنهج يكون بقدر ما ينجح في احترام خصوصية المجتمع محل الدراسة وكشف جوانب جديدة عن الإنسان. كما تُراعى في كل ذلك الأخلاقيات البحثية بشكل صارم (مثل الحصول على موافقة المشاركين، والحفاظ على سريتهم، وتجنب أي ضرر قد يلحق بهم). بهذا المزيج المنهجي، استطاع الأنثروبولوجيون تكوين معارف ثرية ومتفردة عن البشرية جمعاء.
الفصل الرابع: تطور الفكر الأنثروبولوجي (المدارس الكلاسيكية وما بعدها)
يرتبط تطور الأنثروبولوجيا كتخصص علمي بالتغيرات الفكرية والاجتماعية عبر العقود. وفي هذا الفصل نستعرض تطور الفكر الأنثروبولوجي عبر المراحل الكبرى: من المدرسة التطورية في القرن التاسع عشر، مرورًا بالوظيفية والبنيوية في القرن العشرين، وصولًا إلى ما بعد الحداثة والدراسات النقدية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. سنحاول كذلك عقد مقارنات بين هذه المدارس لإبراز نقاط الالتقاء والاختلاف.
1. القرن التاسع عشر – المدرسة التطورية الكلاسيكية: كما أسلفنا، تمثلت الأنثروبولوجيا المبكرة في نظريات التطور الاجتماعي التي سادت أواخر القرن التاسع عشر. رأى تطوريو القرن التاسع عشر (أمثال لويس مورغان وإدوارد تايلور) أن الثقافة البشرية تتطور بشكل خطي تصاعدي؛ بحيث يمكن تصنيف المجتمعات إلى "بدائية" و"متقدمة" وفق معايير كونية واحدة. وقد تأثر هؤلاء بنظرية داروين في التطور الأحيائي، فحاولوا تطبيق مفهوم الانتخاب والتكيف على تطور المؤسسات الاجتماعية. كانت إنجازاتهم تكمن في جمع كم هائل من المعلومات الإثنوغرافية عن شعوب العالم من خلال تقارير الرحالة والمبشرين والمستعمرين، ومحاولة تصنيفها لتكوين صورة شاملة لتاريخ البشرية. على سبيل المثال، اقترح مورغان مراحل ثلاث للتطور (همجية – بربرية – حضارة) بناءً على تكنولوجيا الغذاء والأسرة؛ وقدم تايلور فكرة أن الدين يتطور من الأرواحية إلى التعددية ثم التوحيد. لكن هذه المخططات التطورية تعرضت فيما بعد لانتقادات شديدة لكونها تبسيطية ومتحيزة ثقافيًا. فقد اتهمت بأنها تعكس نظرة استعمارية ترى المجتمعات الأخرى عبر نموذج أوروبا الغربية وتضعها حتمًا في مرتبة أدنى. ومع ذلك، يُحسب للتطوريين الأوائل أنهم أرسوا مبدأ وحدة النفس البشرية، أي أن كل البشر يشتركون في القدرة على التطور الفكري، وأن اختلاف ثقافاتهم هو اختلاف درجات لا نوع. كما أنهم جعلوا المقارنة العابرة للثقافات هدفًا علميًا مشروعًا.
2. أوائل القرن العشرين – النقد التاريخي والوظيفية والبنيوية الوظيفية: مع مطلع القرن العشرين، حصل تحول كبير في الفكر الأنثروبولوجي على يد باحثين انتقدوا بشدة فرضيات التطورية الكلاسيكية. قاد العالم الألماني الأمريكي فرanz Boas هذا التحول عبر ما سُمي بالمدرسة التاريخية أو الانتشارية (وأيضًا منهج الخصوصية الثقافية). رفض بواس فكرة القوانين التطورية العامة، ودعا إلى دراسة كل ثقافة كحالة فريدة نتاج تاريخ وظروف خاصة بها. شدد على العمل الميداني المباشر وجمع البيانات بأنفسهم بدل الاعتماد على تقارير الآخرين. بهذا التوجه، ظهرت مبادئ جديدة مثل النسبية الثقافية (عدم قياس ثقافة بمقياس أخرى) والتعددية الخطية (إمكان وجود مسارات تطور مختلفة وليس مسارًا واحدًا للبشرية). بالتوازي، في بريطانيا، تطورت المدرسة الوظيفية – التي سبق الحديث عنها – على يد مالينوفسكي ورادكليف-براون، وسميت أحيانًا البنيوية الوظيفية لأن رادكليف-براون تأثر أيضًا بفكرة التركيب الاجتماعي المتماسك. ركز هؤلاء على كيفية عمل النظم الاجتماعية حاليًا بدل تتبع أصولها. فرأوا مثلًا أن الطقوس أو المحرمات ليس بالضرورة أن نعرف كيف نشأت تاريخيًا كي نفهمها، بل الأهم هو أي وظيفة تؤديها الآن (كتحقيق التضامن أو التنفيس عن التوتر). شكل ذلك قطيعة منهجية مع التطوريين: فبدلًا من التنظير في المكاتب، نزل الوظيفيون للميدان وعايشوا المجتمعات المحلية وسجلوا أدق التفاصيل عن حياتها، ثم حاولوا تفسيرها في ضوء سياقها الداخلي. وفي الوقت نفسه تقريبًا (الثلاثينات والأربعينات من القرن الـ20)، كان هناك اهتمام متزايد في بريطانيا أيضًا بالنظم السياسية والقرابية للمجتمعات عديمة الدولة – هذا ما وُلد منه لاحقًا فرع الأنثروبولوجيا السياسية كما أسلفنا. هذه الدراسات (مثل كتاب "النظم السياسية في إفريقيا" لفورتس وإيفانز بريتشارد عام 1940) أسهمت في فهم أنماط السلطة والضبط الاجتماعي في غياب المؤسسات الحديثة، مما عارض فكرة التطوريين بأن الدولة القومية الغربية هي ذروة التنظيم وأن ما قبلها فوضى. أيضًا ظهرت مدرسة الانتشار الحضاري التي ركزت على انتقال العناصر الثقافية وانتشارها عبر الاحتكاك بين الشعوب بدل ابتكارها المستقل دائمًا.
3. منتصف القرن العشرين – صعود البنيوية والمدارس النقدية: بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ظهور مفكرين جدد في أوروبا وأمريكا، دخلت الأنثروبولوجيا مرحلة أعمق من التأمل النظري. برز كلود ليفي-ستروس في الخمسينات والستينات كأبرز منظّر للبنيوية في الأنثروبولوجيا. نشر أعمالًا لافتة (مثل "الفكر البري" 1962، و"الأسطورة والمعنى") طبق فيها المنهج البنيوي على الأساطير وأنظمة القرابة. بالنسبة ليفي-ستروس، هناك بنى تحتية للعقل البشري (كالازدواجية والتقابل الضدي) تظهر في كل ثقافات العالم مهما بدت مختلفة. وهكذا حاول إثبات أن أساطير القبائل في الأمازون مثلًا لا تقل تعقيدًا في البنية عن أساطير الإغريق، وإنما تتبع منطقًا كونيًا متشابهًا. أثارت هذه الأفكار حماسة في أوروبا لأنها ربطت الأنثروبولوجيا بحقول معرفية أخرى (كعلم اللغة البنيوي وعلم النفس المعرفي). في أمريكا، تزامن ذلك مع بروز الأنثروبولوجيا النفسية والثقافية (عبر أعمال مارغريت ميد وروث بنيديكت) التي درست الشخصية القومية وأنماط التنشئة الاجتماعية وتأثير الثقافة على تكوين الفرد. كما ظهرت اتجاهات مادية مثل مدرسة "البيئة الثقافية" بقيادة جوليان ستيوارد التي درست كيف تؤثر البيئة والاقتصاد على تشكيل الثقافة. وأيضًا الوظيفية الجديدة أو التحليل النسقي مع تالاكوت بارسونز (رغم أنه عالم اجتماع إلا أنه أثر في أنثروبولوجيين رأوا المجتمع كنظام متوازن).
في تلك الفترة توسعت موضوعات الأنثروبولوجيا لتشمل المجتمعات المعاصرة المعقدة وليس فقط القبائل البدائية. فمثلاً، بدأ الأنثروبولوجيون يدرسون مجتمعات حضرية، والدين في السياقات الحديثة، والهجرة إلى المدن، وغيرها. وصار هناك اهتمام بالنظرية الاقتصادية في الأنثروبولوجيا (نقاش الشكلانيين vs. الجوهرانيين حول مدى قابلية مفاهيم الاقتصاد الغربي للتطبيق على الاقتصادات التقليدية). كل هذه الاتجاهات تمثل مرحلة نضوج الأنثروبولوجيا وتفرّعها إلى تخصصات أدق.
4. أواخر القرن العشرين – حقبة ما بعد الحداثة والدراسات النقدية: شهدت السبعينات والثمانينات موجة نقدية جارفة في العلوم الاجتماعية طالت الأنثروبولوجيا بعمق. أُطلق على هذا الاتجاه اسم ما بعد الحداثة في الأنثروبولوجيا. وهو تيار ليس نظرية متجانسة بل مقاربة نقدية تعيد مساءلة أسس العلم الأنثروبولوجي نفسه. تأثر أنثروبولوجيو ما بعد الحداثة بفلاسفة أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهم، ممن نقدوا الأفكار الحداثية حول الحقيقة والموضوعية. أبرز ما طرحه هذا الاتجاه: أن المعرفة الأنثروبولوجية ليست محايدة ولا بريئة، بل مرتبطة بسلطة وهيمنة معينة. فقد قيل إن علم الأنثروبولوجيا التقليدي كان في جوهره "خطابًا عن الآخر" نشأ في ظل الكولونيالية الأوروبية، وبالتالي فهو مشوب بالرغبة في الهيمنة والمعرفة المرتبطة بالقوة. بمعنى آخر، حتى الكتب الإثنوغرافية الكلاسيكية تمت كتابتها من موقع القوة (علماء غربيون يصفون شعوبًا مستعمَرة أو ضعيفة صوتيًا). لذا دعا التيار ما بعد الحداثي إلى تفكيك الخطاب الأنثروبولوجي نفسه: أي نقد طريقة الكتابة الإثنوغرافية وفحص انحيازاتها وافتراضاتها المسبقة. في عام 1986 صدر كتاب شهير بعنوان "كتابة الثقافة" (Writing Culture) من تحرير جيمس كليفورد وجورج ماركوس، جمع مقالات لما بعد حداثيين كشفت العديد من مشكلات تمثيل الثقافات الأخرى في النص الأنثروبولوجي. فمثلًا، انتُقد استخدام صيغة الغائب الجمع (إذ يكتب الباحث "يفعل السكان كذا وكذا" بصيغة تقريرية موضوعية)، ورأى النقاد أن هذه الصيغة توحي بموضوعية زائفة وتخفي صوت الأشخاص الفعلي. وطالبوا بإعطاء مساحة لأصوات المُخبرين المحليين في النص، والاعتراف بحضور ذات الباحث ودوره في تشكيل ما يقدمه من معرفة. كذلك ازداد الاهتمام بأخلاقيات البحث وضرورة إرجاع المعرفة لأصحابها (community feedback).
من جهة أخرى، تأثر نقد الأنثروبولوجيا أيضًا بأفكار إدوارد سعيد حول الاستشراق (1978) والتي بينت أن المعرفة الغربية عن الشرق مكبلة بتصورات استعمارية وتمركز حول الذات. وسرعان ما أدرك الأنثروبولوجيون أن نقد سعيد للاستشراق ينطبق بدرجة كبيرة على الإثنوغرافيا بوصفها خطابًا أنتجه الغرب عن "الآخر" غير الغربي. لذلك تحدث البعض عن ضرورة "إنهاء استعمار الأنثروبولوجيا" (Decolonizing Anthropology)، بمعنى تحرير هذا العلم من إرث الهيمنة وجعل الشعوب التي كانت موضع دراسة هي نفسها شريكة في المعرفة وموجهة لأجندة البحث. وترافق مع ذلك صعود أصوات أنثروبولوجيين من البلدان النامية ومن الأقليات، يكتبون عن مجتمعاتهم من منظور ذاتي محلي وليس بمنظور الباحث الخارجي فقط.
وشملت "الدراسات النقدية" أيضًا ظهور تخصصات فرعية ناقدة مثل الأنثروبولوجيا النسوية التي ركزت على تحليل أوضاع المرأة واللامساواة الجندرية في مختلف الثقافات وعلى نقد هيمنة الذكور تاريخيًا في إنتاج المعرفة الأنثروبولوجية. وكذلك أنثروبولوجيا ما بعد الاستعمار التي درست تأثير الاستعمار على المجتمعات المستعمَرة وعلى المعرفة عنها، وأنثروبولوجيا العولمة التي فحصت التغيرات الثقافية في ظل الاقتصاد العالمي والهجرة العابرة للأوطان وتدفقات الإعلام. كما أعيد تقييم الكثير من المفاهيم الكلاسيكية (كالقرابة، والعرق، والثقافة نفسها) تحت ضوء هذه الانتقادات؛ فمثلًا، مفهوم الثقافة الذي كان ركيزة الأنثروبولوجيا اتُّهم بأنه متصل بفكرة تجميد الهويات ورسم حدود صلبة بين الشعوب، بينما الواقع أكثر سيولة وتداخلاً في عصرنا.
مقارنات ختامية بين المدارس: إذا قارنا بإيجاز بين هذه المراحل الفكرية:
- التطورية الكلاسيكية سعت إلى قوانين عامة وتعميمات عن التطور البشري لكنها سقطت في فخ المركزية الأوروبية.
- الوظيفية والبنيوية الوظيفية ركزت على كل مجتمع ككل قائم بذاته، فأعلت من الدراسة المتعمقة للسياق الحاضر ولكنها أهملت التاريخ والتأثيرات الخارجية أحيانًا.
- البنيوية بحثت عن وحدات عالمية في العقل البشري تظهر في الثقافات، فمدّت الجسور بين المجتمعات المختلفة عبر افتراضات سيكولوجية مشتركة، لكنها اُنتقدت بدورها لإغفالها السياق التاريخي والاجتماعي.
- ما بعد الحداثة نبذت فكرة الموضوعية المطلقة وأكدت أن كل معرفة هي نتاج ظروفها، فلفتت الأنظار إلى دور السلطة والخطاب في تشكيل الصورة التي يرسمها الأنثروبولوجي عن الآخرين. كما طالبت بتضمين التعددية الصوتية في الكتابة الإثنوغرافية (أي سماع صوت المبحوثين أنفسهم). لكنها أحيانًا اتُّهمت بالتطرف في النسبوية إلى حد قد يجعل أي معرفة محل تشكيك ويصعّب الوصول إلى استنتاجات.
يمكن القول إن الأنثروبولوجيا اليوم نتاج تراكم كل تلك المراحل. فلا يمكن الاستغناء عن منجزات أي مدرسة: المقارنة التطورية علمتنا البحث عن اتجاهات عامة، والوظيفية علمتنا مبدأ تكامل العناصر الثقافية، والبنيوية نبهتنا للكليات الفكرية، وما بعد الحداثة جعلتنا أكثر وعيًا بانحيازاتنا ومسؤولياتنا الأخلاقية. بذلك أصبح الفكر الأنثروبولوجي أكثر تواضعًا وشمولًا في آن واحد؛ فهو يعترف بنسبية المعرفة لكنه لا يتخلى عن البحث العلمي الميداني، ويقرّ بخصوصيات الثقافات لكنه لا يتوقف عن عقد المقارنات واستخلاص الرؤى الإنسانية المشتركة. إن تطور هذا الفكر يوازي إلى حد بعيد رحلة الأنثروبولوجيا من كونها أداة أكاديمية مرتبطة بمشروع استعماري إلى كونها علماً نقدياً ذاتياً يعيد تقييم دوره وأهدافه باستمرار.
الفصل الخامس: مجالات التطبيق المعاصر للأنثروبولوجيا
لم يعد علم الأنثروبولوجيا حبيس الأطر النظرية والأكاديمية، بل أصبح له حضور فاعل في عدد من مجالات التطبيق المعاصرة التي تلامس قضايا الإنسان اليومية. من أبرز هذه المجالات: الأنثروبولوجيا الطبية، الأنثروبولوجيا الاقتصادية، الأنثروبولوجيا السياسية، أنثروبولوجيا التنمية (وأنثروبولوجيا الهجرة كجزء منها). سنعرض كل مجال منها بإيجاز مع أمثلة توضيحية، ونوضح كيف توظَّف المعرفة الأنثروبولوجية لفهم الممارسات الراهنة ومعالجة التحديات الحديثة.
-
الأنثروبولوجيا الطبية (Medical Anthropology): وهو فرع تطبيقي يهتم بفهم القضايا الصحية والمرض من منظور ثقافي واجتماعي. يدرس علماء الأنثروبولوجيا الطبية كيفية بناء المجتمعات لمفاهيم الصحة والمرض، بما في ذلك المعتقدات الشعبية حول أسباب العلل وطرق علاجها، والنظم الطبية التقليدية، وعلاقة المريض بالمداوي. بعبارة أخرى، تبحث الأنثروبولوجيا الطبية في العلاقة بين العوامل الثقافية والاجتماعية وبين الحالة الصحية. فهي تدرس التصورات والمعتقدات المتعلقة بالمرض والصحة، ونظم الرعاية الطبية (التقليدية والحديثة)، ونظريات المرض والعلاج كما يفهمها أفراد الثقافة المعينة. مثلاً: قد تدرس سبب نجاح حملات التطعيم في مجتمع وفشلها في آخر من خلال فهم الثقة أو عدم الثقة في النظام الصحي وكيفية تأثر ذلك بثقافة المجتمع. أو تحلل انتشار مرض ما (كالسكري مثلًا) بعلاقته بالنظام الغذائي ونمط الحياة المرتبطين بعادات ثقافية. لقد اكتسبت الأنثروبولوجيا الطبية زخمًا متزايدًا في العقود الأخيرة مع اهتمام العالم بقضايا الصحة العالمية والأوبئة ورعاية الصحة الأولية. ويعمل متخصصو هذا المجال مع المنظمات الصحية (كمنظمة الصحة العالمية) لتطوير برامج صحية تراعي ثقافة المجتمع (مثل فهم ممارسات الطب التقليدي المحلي وكيفية دمجها أو التعامل معها). كما تركز الأنثروبولوجيا الطبية على أخلاقيات الرعاية الصحية وحقوق المرضى، خاصة في المجتمعات التي تعاني من عدم المساواة في الحصول على الخدمات الصحية. وبهذا فإنها تربط المعرفة البيولوجية بالطابع الثقافي، مما يساعد على تصميم أنظمة صحية أكثر فعالية واحترامًا للمعتقدات المحلية. لقد ساهمت دراسات أنثروبولوجية طبية عديدة في تحسين فهمنا لأوبئة معاصرة (كفيروس HIV/الإيدز أو إيبولا) عبر تحليل سياقاتها الاجتماعية وكيفية استجابة المجتمعات لها. وبشكل عام، يعد هذا الفرع مثالًا حيًا على تطبيق الأنثروبولوجيا في تعزيز الصحة العامة وفهم المرض كظاهرة ليست طبية فحسب بل ثقافية أيضًا.
-
الأنثروبولوجيا الاقتصادية (Economic Anthropology): يجمع هذا الفرع بين علم الاقتصاد وعلم الإنسان لفهم السلوك الاقتصادي في إطار ثقافي واسع. على خلاف الاقتصادات الكلاسيكية التي تفترض أن البشر عقلانيون ويبحثون عن تعظيم الربح ضمن قوانين عالمية، ترى الأنثروبولوجيا الاقتصادية أن الأنشطة الاقتصادية (الإنتاج، التوزيع، الاستهلاك) مرتبطة جوهريًا بالثقافة والقيم الاجتماعية. فهي تدرس، مثلاً، أنماط تبادل السلع في المجتمعات التقليدية (كنظام المقايضة أو هدايا القبائل مثل “البوتلاتش”) وتكشف أن لهذه التبادلات منطقًا اجتماعيًا (كتحقيق المكانة أو توطيد التحالفات) وليس مجرد منطق مالي. كما تبحث في مفهوم الملكية وكيف يختلف بين الثقافات (ملكية جماعية للأرض عند بعض الشعوب مقابل الملكية الفردية الغربية). لقد أظهرت الدراسات المبكرة لكارل بولانيي في هذا المجال أن كل نظام اقتصادي متجذر في سياقه الثقافي الخاص، أي أن ما يعد اقتصاديًا عقلانيًا في مجتمع قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر. أحد النقاشات الكلاسيكية هنا كان بين الشكلانيين (الذين حاولوا تفسير المجتمعات التقليدية بأدوات علم الاقتصاد الحديث) والجوهرانيين (الذين أصروا على خصوصية النظم الاقتصادية التقليدية وضرورة فهمها بمصطلحاتها الذاتية). وخرجت الأنثروبولوجيا الاقتصادية بنتيجة مفادها أن الاقتصاد جزء لا يتجزأ من البنية الاجتماعية والثقافية. فعلماء الأنثروبولوجيا الاقتصادية يهتمون بجميع أشكال الإنتاج والتبادل والاستهلاك، النقدية وغير النقدية، ويهدفون إلى وصفها وفهمها في سياقها الاجتماعي بدلًا من اختزالها إلى نماذج رياضية. في الزمن الراهن، توسعت اهتماماتهم لتشمل اقتصاد العولمة، مثل دراسة أسواق العمل المهاجرة، وظواهر الاقتصاد غير الرسمي (كالعمل المنزلي والرعاية المجتمعية)، وكيف تؤثر الثقافة الاستهلاكية العالمية على المجتمعات المحلية. بهذا، تساهم الأنثروبولوجيا الاقتصادية في نقد النظرة الاقتصادية الضيقة، وتبيّن أن “الاقتصاد” ليس مجالًا منفصلًا بل هو تعبير عن علاقات اجتماعية وثقافية عميقة. ومن تطبيقاتها العملية: العمل في التنمية الريفية لفهم أسباب فشل مشاريع تنموية اقتصادية عندما تتعارض مع نظم القيم المحلية، أو المساعدة في تصميم برامج التمويل الصُغرى بما يناسب ثقافة المجتمع المستهدف، إلخ.
-
الأنثروبولوجيا السياسية (Political Anthropology): يتناول هذا الفرع دراسة الأنظمة السياسية والسلطة عبر مختلف المجتمعات الإنسانية. لا يقتصر اهتمام الأنثروبولوجيا السياسية على الدول الحديثة وحكوماتها فحسب، بل يشمل نظم الحكم في المجتمعات القبلية والقروية، وآليات اتخاذ القرار وفض النزاعات في البيئات غير المركزية. تعرّف الأنثروبولوجيا السياسية بأنها تُعنى بدراسة بُنية النظم السياسية في المجتمعات البشرية – مع النظر إليها كجزء من البنية الاجتماعية الكلية – وتتبع تطورها وأشكالها المتنوعة عبر التاريخ. على سبيل المثال، درست أبحاث مبكرة النظم السياسية في إفريقيا، فوثقت وجود سلطة مشيخات وتحالفات قبلية في غياب الدولة المركزية، واكتشفت أن المجتمعات يمكن أن تحافظ على النظام الاجتماعي من خلال أعراف القرابة وتحالفات المصاهرة أو الجمعيات السرية وغيرها. ساعد ذلك في دحض الفرضية القديمة بأن الدولة بشكلها البيروقراطي الحديث ضرورية لأي تنظيم سياسي؛ إذ تبين أن هناك بدائل “لاسلطوية منظمة” إن صح التعبير. ومن مواضيع الأنثروبولوجيا السياسية أيضًا: دراسة مفهوم الشرعية وكيفية حصول القادة على الشرعية في مختلف الثقافات، وأنواع السلطة (تقليدية، كاريزمية، قانونية عقلانية) وتجلياتها محليًا، وعلاقات القوة بين الجنسين (مثل البطريركية والأمومية)، وآليات فرض العدالة (كالتحكيم العرفي أو مجالس الصلح القبلي). في العصر الحديث، توسعت اهتمامات الأنثروبولوجيين السياسيين لتشمل حركات المقاومة الشعبية، والهوية القومية وبناء الدولة، وسياسات الهوية العرقية، وظواهر مثل العنف السياسي والإرهاب من منظور ثقافي. من التطبيقات المعاصرة: يقدم علماء الأنثروبولوجيا السياسية استشارات لفهم ديناميكيات السلطة المحلية في بلدان معينة، وهو ما تستفيد منه منظمات التنمية أو حتى الدوائر الدبلوماسية لفهم البنى القبلية أو الإثنية وكيفية التعامل معها. كما يعمل بعضهم في مجال حل النزاعات حيث يدرسون طرق التصالح التقليدية التي يمكن توظيفها في سياق العدالة الانتقالية مثلًا. بشكل عام، تسهم الأنثروبولوجيا السياسية في توسيع مفهوم “السياسة” ليشمل ما هو أبعد من المؤسسات الرسمية، وتكشف عن التفاعل بين الثقافة والسلطة في كل مجتمع.
-
أنثروبولوجيا التنمية والهجرة: هذا مجال حديث نسبياً يقع عند التقاء الأنثروبولوجيا مع دراسات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. أنثروبولوجيا التنمية (Development Anthropology) تشير إلى الدراسة النقدية لممارسات التنمية وخطاباتها ومشاريعها من منظور أنثروبولوجي. بمعنى أن الأنثروبولوجي هنا لا يدرس مجتمعًا تقليديًا منعزلًا، بل يدرس كيفية تغير مجتمع ما تحت تأثير خطط وبرامج التنمية (كالتمدين، والتعليم الشامل، والمشاريع الاقتصادية) وكيفية تفاعل الثقافة المحلية مع هذه التدخلات الخارجية. كثيرًا ما كشفت هذه الدراسات عن فجوة بين التخطيط والنتائج؛ فقد يتساءل الأنثروبولوجيون: لماذا يزداد الفقر أحيانًا رغم كثرة مشاريع “مكافحة الفقر”؟ لماذا تفشل بعض برامج التنمية رغم ما تبدو عليه من عقلانية؟. الإجابات غالبًا ما تكمن في تجاهل الخصوصيات الثقافية والهياكل الاجتماعية المحلية عند تصميم المشاريع. لذا يدعو الأنثروبولوجيون إلى إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط التنموي، وفهم “التنمية” من منظور الناس أنفسهم، وليس فرض تصورات خارجية جاهزة. هناك تمييز يُشار إليه بين أنثروبولوجيا التنمية (حقل بحث نقدي يدرس التنمية) والأنثروبولوجيا التنموية (توظيف الأنثروبولوجيا عمليًا لصالح مشاريع التنمية)، لكن هذا التمييز بدأ يتلاشى مع الوقت. إذ بات المطلوب من عالم الأنثروبولوجيا أن ينتقد ويساهم في آن واحد، عبر صياغة توصيات لجعل التنمية أكثر احترامًا للإنسان وثقافته.
أما أنثروبولوجيا الهجرة فتعنى بدراسة ظاهرة الهجرة البشرية وما تنطوي عليه من تغيرات اجتماعية وثقافية. تهتم بفهم أسباب الهجرة (اقتصادية، سياسية، بيئية، إلخ) من زاوية أنثروبولوجية – أي كيف يقرر الناس الهجرة ضمن شبكات القرابة أو وفق أعراف معينة – وكذلك بدراسة تجارب المهاجرين في المجتمعات المستقبِلة (عملية الاندماج أو التهميش، الحفاظ على الهويات الأصلية، تكوين مجتمعات مهاجرة Diasporas). تكشف الأنثروبولوجيا هنا عن كون الهجرة ظاهرة مرتبطة بالبنى العالمية منذ القديم، وليست حديثة تمامًا؛ فقد ارتبطت تاريخيًا بالاستعمار وإقامة المستعمرات وانتقال العمالة ونحو ذلك. اليوم تُدرس مجتمعات المهجر كموضوع أنثروبولوجي مهم: مثلًا، كيف يعيد المهاجرون تشكيل مفاهيم الانتماء للوطن؟ وكيف تنشأ ثقافات هجينة نتيجة تفاعل ثقافتين أو أكثر في مجتمع المهاجرين؟ وماذا يحدث للعلاقات الأسرية عندما تهاجر أجزاء من العائلة؟ بالإضافة إلى ذلك، ينظر أنثروبولوجيو الهجرة في تحويلات الأموال عبر العالم وأثرها الاجتماعي، وفي سياسات الدول تجاه المهاجرين وكيف يفهمها المهاجرون أنفسهم. من التطبيقات العملية: تقديم توصيات لتعزيز التنوع الثقافي والتفاهم في المجتمعات متعددة الثقافات، أو تحسين خدمات الدعم الاجتماعي للمهاجرين (كالصحة والتعليم) عبر فهم العوائق الثقافية واللغوية التي يواجهونها.
ربط التطبيقات بالممارسات الراهنة: إن المجالات الأربعة/الخمسة المذكورة (الطبية، الاقتصادية، السياسية، التنموية/الهجرة) كلها تبيّن أن الأنثروبولوجيا ليست علمًا نظريًا فقط، بل لها قيمة تطبيقية مباشرة. ففهم الاختلافات الثقافية في تصورات المرض يساعد على إنجاح برامج التطعيم والصحة العامة. وتحليل النظم الاقتصادية التقليدية يقود إلى سياسات تنموية تحترم نظم التكافل الاجتماعي بدل تدميرها. ودراسة البنى السياسية المحلية تجنب الوقوع في أخطاء التدخل الخارجي الذي قد يهمل زعماء القبائل أو شبكات السلطة غير الرسمية. أما في ميدان الهجرة، فإن المنظمات الدولية تستفيد من دراسات الأنثروبولوجيين عند وضع برامج إدماج المهاجرين أو دعم اللاجئين، حتى تكون مراعية لحساسيات الهوية والدين وغيرها. هذا الربط بين النظرية والتطبيق يحقق ما يمكن تسميته القيمة المضافة للأنثروبولوجيا: إذ أنها تقدم منظورًا إنسانيًا عميقًا يساعد على حل المشكلات المعاصرة بطرق تتجاوز الحلول التقنية البحتة. فالأنثروبولوجيا تذكرنا دومًا بأن وراء كل مشروع اقتصادي أو خطة صحية أو سياسة حكومية هناك بشر بثقافتهم ومشاعرهم، وأن تجاهل هذا البعد الإنساني الثقافي كفيل بإفشال تلك المشاريع مهما حسنت النوايا.
الفصل السادس: التحديات والنقاشات الأنثروبولوجية الراهنة
رغم تراكم المعرفة الأنثروبولوجية عبر أكثر من قرن، لا يزال هذا العلم يواجه تحديات منهجية وأخلاقية وفكرية في العصر الراهن. من أبرز النقاشات الراهنة في الأنثروبولوجيا: إشكالية الحياد والتمثيل، تأثير الإرث الاستعماري وسبل تجاوزه، أخلاقيات البحث الميداني في البيئات المختلفة، ونقد التوجهات الحديثة واستشراف مستقبل العلم. نعرض فيما يلي هذه المحاور:
إشكالية الحياد والتمثيل: تقع الأنثروبولوجيا في صميمها على مفترق صعب: كيف يمكن للباحث أن يمثّل ثقافة الآخرين بإنصاف وموضوعية في كتاباته، وهو بالضرورة قادم من ثقافة مختلفة وينظر بعيون معينة؟ لقد تصاعد هذا السؤال منذ الثمانينات مع النقد ما بعد الحداثي كما أسلفنا. أدرك الأنثروبولوجيون أن النص الإثنوغرافي الذي يكتبونه ليس مجرد “مرآة” تعكس واقع المجتمع المدروس، بل هو بناء أدبي ومعرفي يتأثر بشخصية الباحث وأسلوبه وافتراضاته. لذا فإن الحياد التام أصبح محل سؤال: هل هو ممكن أصلاً؟ يرى بعض المفكرين أن لا موضوعية كاملة في العلوم الإنسانية، وإنما على الباحث الإفصاح عن موقعه وانحيازاته قدر الإمكان ليكون القارئ على وعي بذلك. وقد أصبحت عبارة “من الذي يملك حق الكلام؟” هاجسًا: أي من يحق له الحديث باسم ثقافة معينة – هل هو الباحث الخارجي، أم أبناء تلك الثقافة أنفسهم؟ لهذا السبب برز توجه لإشراك أصوات المحليين في البحث: سواء بإضافة مقابلات مطولة تنقل سردياتهم الشخصية دون اختزال، أو بالتشاركية في تحليل النتائج ونشرها. من جهة أخرى، فإن سؤال التمثيل يشمل أيضًا تمثيل الفئات المهمشة داخل المجتمع المدروس: كأن ينتبه الباحث إلى صوت النساء، أو أدنى الطبقات، وألا يقع في فخ أخذ منظور الزعماء أو الذكور فقط. هذا الوعي النقدي أدى إلى تغيرات في منهجية الكتابة الإثنوغرافية: مثلاً، صار شائعًا استخدام ضمير المتكلم (أنا) في الكتابة ليُظهر الباحث حضوره، وتقديم أكثر من سرد واحد إذا توافرت تفسيرات متعددة للظاهرة، والابتعاد عن الأحكام التقريرية القطعية. ومع ذلك يظل التوازن صعبًا: فالابتعاد الشديد عن تحليل الظواهر خوفًا من فرض رأي الباحث قد يجعل النص مجرد تجميع قصص، وهذا لا يفي بالغرض العلمي. لذا التحدي هو تحقيق حياد نسبي أو موضوعية منقحة إن صح التعبير: وذلك عبر إعادة فحص الذات باستمرار أثناء البحث، وعبر الالتزام بتقنيات بحثية صارمة تقلل من تدخل الرأي الشخصي، مثل توثيق كل معلومة بمصدرها الميداني. ولا ننسى أن التقاطعات بين الثقافة والسلطة تجعل مسألة التمثيل حساسة سياسياً وأخلاقياً؛ على سبيل المثال، إذا كتب أنثروبولوجي من ثقافة غنية عن مجتمع فقير، عليه تجنب أسلوب يشفق أو يحطّ من قدر ذلك المجتمع بحجة علمية، لأن هذا يعيد إنتاج هيمنة معرفية. إجمالاً، أصبح النقد الذاتي سمة أساسية للأنثروبولوجيا المعاصرة: فكل باحث يستحضر في ذهنه سؤال "كيف أنقل صورة هذا المجتمع بأمانة؟ وهل رؤيتي مشوشة بتحيزاتي؟". ورغم أن هذه التساؤلات قد لا تجد حلاً نهائيًا، فإن مجرد طرحها جعل الأنثروبولوجيا أكثر تواضعًا وإنسانية في آن واحد.
أثر الاستعمار وما بعد الاستعمار: لا يمكن إنكار أن الأنثروبولوجيا وُلدت تاريخيًا في رحم الحقبة الاستعمارية، حين كانت القوى الأوروبية تسيطر على أراضٍ واسعة في آسيا وإفريقيا والأمريكتين. وقد استُخدم علماء الأنثروبولوجيا الأوائل – بشكل مباشر أو غير مباشر – في جمع معارف عن الشعوب الخاضعة للاستعمار، أحيانًا لتسهيل حكمها وضبطها. حتى أن أحد الحكام البريطانيين في إفريقيا قال عبارته المشهورة: "علموا المستعمر أن يحكم عن طريق الأنثروبولوجيا". ورغم أن العديد من الأنثروبولوجيين (مثل بواس وتلامذته) كانوا معادين للعنصرية والاستعمار على المستوى الفكري، إلا أن بنية المعرفة الإثنوغرافية التي أسسوها كانت عرضة لأن توظَّف من قبل السلطات الاستعمارية. هذا الإرث جعل الأنثروبولوجيين في النصف الثاني من القرن العشرين يفكرون مليًا في علاقة علمهم بالاستعمار. وخرجت دراسات تحليلية-نقدية تشير إلى الارتباط الوثيق بين نشأة الأنثروبولوجيا كحقل أكاديمي مع المشروع الاستعماري التوسعي الأوروبي. فالاستعمار وفر للباحثين ميدانًا "غريبًا" يدرسونه، ومن جهة أخرى استفاد المستعمرون من نتائج البحوث لإحكام سيطرتهم. هذه الحقيقة دفعت علماء من دول العالم الثالث في حقبة ما بعد الاستعمار إلى نقد الأنثروبولوجيا الكلاسيكية واعتبارها “علمًا استعماريًا” ما لم تثبت براءتها بالممارسة. ولذلك أُطلقت حركة "إنهاء استعمار الأنثروبولوجيا" (Decolonizing Anthropology) والتي تهدف إلى معالجة دور الأنثروبولوجيا في تجميع معارف عن الثقافات الأصلية وتوظيفها لتحقيق أهداف السلطة. إن إنهاء الاستعمار في الأنثروبولوجيا له معنيان: أحدهما أكاديمي معرفي؛ أي مراجعة النظريات والمفاهيم التي ربما تكون مشبعة بالمركزية الأوروبية والاستعلاء الثقافي، وإعادة صياغتها بطريقة تحترم تجارب الشعوب الأخرى. والمعنى الثاني مؤسسي؛ أي تشجيع دخول باحثين من خلفيات ثقافية مختلفة في المجال، ودعم إنتاج معرفة أنثروبولوجية محلية (أن يكتب باحثون من الهند عن مجتمعات في الهند مثلًا بدل أن يكتب غربيون فقط). وقد خطت الأنثروبولوجيا بعض الخطوات المهمة: اليوم يوجد علماء أنثروبولوجيا مرموقون من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يقدمون قراءات “من الداخل” لثقافاتهم وللتجربة الاستعمارية نفسها. كما أضحت موضوعات مثل الاستعمار الجديد (Neo-colonialism) وثقافة ما بعد الاستعمار مجالاً للدراسة والتحليل ضمن أنثروبولوجيا التنمية وغيرها. ومع ذلك، ما زال النقاش قائمًا: كيف نتأكد أن علمنا تخلص من رواسب العقلية الاستعمارية بالكامل؟ هذا يتطلب نقدًا مستمرًا ويقظةً عند استخدام أي مفهوم أو نموذج نظري عام، والتأكد من عدم انطوائه على فرضيات هيمنة. في المحصلة، جعل هذا الوعي التاريخي الأنثروبولوجيين أكثر تواضعًا وتعاونًا مع من يدرسونهم، فتحول كثير منهم إلى مناصرة الشعوب الأصلية في مطالبها بحقوق الأرض والهوية، بدل الاكتفاء بدور الراصد المحايد.
الأخلاقيات في البحث الميداني: مع تطور الممارسات الميدانية، ظهرت إشكالات أخلاقية جديدة تستدعي وضع مدونات أخلاقية واضحة توجه عمل الأنثروبولوجي. لقد أدرك الباحثون أن النزول إلى الميدان ليس مجرد مسألة علمية، بل هو علاقة إنسانية بين الباحث ومجتمع مضيف. ومن هنا برزت مبادئ أخلاقية باتت راسخة اليوم، مثل: تجنب إلحاق أي ضرر بالمجتمع المدروس – جسديًا كان أو معنويًا – وهذا مبدأ أساسي يعلو على أية اعتبارات بحثية. فعالم الأنثروبولوجيا مسؤول عن حماية من يعمل معهم من أي مخاطر أو تبعات سلبية قد تنجم عن البحث. أيضًا الحصول على الموافقة الحرة المستنيرة (Informed Consent) من الأفراد قبل إجراء مقابلات أو نشر معلومات تخصهم. يشمل ذلك شرح هدف البحث وطبيعته والجهة الداعمة له بصدق، وإتاحة الفرصة للمبحوث لرفض المشاركة أو سحب معلوماته في أي وقت. وكذلك الحفاظ على السرية والخصوصية: فلا يجوز نشر أسماء حقيقية أو تفاصيل تسمح بالتعرف على الأشخاص إذا طلبوا عدم الكشف، خاصةً في المواضيع الحساسة (كحالات النزاع أو الممارسات غير القانونية أو العقائد السرية). ويلتزم الباحث بالصدق والانفتاح مع أفراد المجتمع حول ما يفعله، وأن يتجنب الكذب أو التظاهر بدور غير دوره. ومن القيم المهمة أيضًا رد الجميل للمجتمع المضيف: كثير من الأنثروبولوجيين الحديثين يرون ضرورة أن يقدّم البحث منفعة ما للمجتمع، سواءً مباشرة (كخدمة تطوعية أثناء الإقامة بينهم) أو بشكل غير مباشر (كإيصال صوتهم للعالم أو إعداد تقرير يعود بالفائدة عليهم). وفي بعض الحالات يعمل الباحث مستشارًا للمجتمع في حل مشكلة ما بناءً على درايته. أيضًا تعارض الأخلاقيات أي استخدام غير مشروع للبحث الأنثروبولوجي (مثلاً جمع معلومات لمصلحة استخباراتية أو عسكرية تضر بالمجتمع المدروس). وقد أثار هذا البند جدلاً في حرب فيتنام وحرب العراق، عندما تم توظيف علماء اجتماع وأنثروبولوجيا في برامج عسكرية؛ اعترضت الجمعيات الأنثروبولوجية بشدة وذكّرت بميثاق الأخلاقيات الذي يمنع ذلك. بالمحصلة، غدت مواثيق أخلاقيات المهنة جزءًا أساسيًا من تدريب أي أنثروبولوجي اليوم، وهي تذكّره بأن العلاقة البحثية هي أولًا علاقة إنسانية قائمة على الثقة، وبأن عليه محاسبة ضميره قبل أن ينشر أي معلومة: هل سيلحق نشرها ضررًا بأحد؟ هل حصل على إذن صاحبها؟ هل غيّر من سياقها؟ هذه الأسئلة الأخلاقية تحمي الباحث والمبحوث معًا، وتبقي العلم في خدمة الإنسانية لا العكس.
نقد التوجهات الحديثة وآفاق المستقبل: أخيرًا، لا بد من الإشارة إلى بعض النقاشات حول توجهات الأنثروبولوجيا المعاصرة نفسها. فهناك اليوم انقسام – ربما غير حاد لكنه قائم – بين من يدعون إلى مزيد من “العلمية” في الأنثروبولوجيا (أي استخدام مناهج كمية وتجريبية أكثر لتأكيد مكانتها كعلم صارم)، وبين من يرون الحفاظ على نهجها التفسيري الإنساني المميز وعدم الانجرار وراء “علمنة” زائفة. نقاش آخر يدور حول عولمة الأنثروبولوجيا: هل تظل مرتبطة تقليديًا بأقسام الجامعات الغربية أم يجري إعادة ابتكارها في الجنوب العالمي بطرق جديدة؟ أيضًا مع تداخل العالم عبر التكنولوجيا، برزت حقول جديدة مثل الأنثروبولوجيا الرقمية (دراسة المجتمعات الافتراضية والثقافة الرقمية) وأنثروبولوجيا وسائل الإعلام، مما يطرح تحديًا حول كيفية تحديث أدواتنا لدراسة هذه الظواهر الحديثة. وهناك من يسأل: هل ستبقى الإثنوغرافيا الكلاسيكية (العيش لفترة طويلة في قرية ما) نموذجًا صالحًا، أم يجب تطوير إثنوغرافيا متعددة المواقع نظرًا لأن الناس والبضائع والأفكار تتحرك عالميًا بسرعة؟ بمعنى أن دراسة ظاهرة مثل صناعة الملابس مثلاً ستتطلب متابعة حلقات الإنتاج من حقول القطن إلى مصانع النسيج إلى متاجر الأزياء حول العالم – أي العمل في مواقع متعددة مترابطة.
من التحديات الأخرى: التعامل مع ظروف عالمية طارئة مثل جائحة كورونا الأخيرة، التي منعت السفر والعمل الميداني التقليدي لفترة. اضطر الأنثروبولوجيون إلى تبني طرق البحث عن بُعد باستخدام الإنترنت والتواصل الرقمي، وظهر نقاش: إلى أي حد يمكن للعمل الافتراضي أن يعوض المعايشة المباشرة؟ كذلك هناك سؤال حول دور الأنثروبولوجي في الشأن العام: فالبعض يدعو إلى أن يكون علماء الإنسان أكثر حضورًا في النقاشات الاجتماعية العامة وتقديم رؤاهم في الإعلام وصنع السياسات (ما يسمى Public Anthropology)، خاصة في ما يتعلق بقضايا الهجرة واللاجئين، والصراعات العرقية، وحوار الثقافات... وغيرها. بينما يخشى آخرون أن يؤثر ذلك على موضوعية الباحث إذا انخرط كثيرًا في مواقف سياسية.
باختصار، الأنثروبولوجيا علم حي ومتطور، يطرح على نفسه باستمرار أسئلة حول منهجه وغاية عمله. وهذا النقد الذاتي المستمر ضمان لبقائه علمًا مرنًا قادرًا على مواكبة التحولات. وليس الهدف من هذه النقاشات زعزعة أساس العلم، بل التأكد من أنه يسير في الاتجاه الصحيح أخلاقيًا ومعرفيًا. ولعل أهم ما يمكن استشرافه هو أن الأنثروبولوجيا ستزداد تعددية الأصوات (بمشاركة باحثين من خلفيات متنوعة)، وستزداد تداخلًا مع العلوم الأخرى (كعلم الأحياء في دراسة الجينوم أو علم المناخ في دراسة تغير البيئة الثقافية)، كما ستظل محافظة على جوهر رسالتها: فهم الإنسان عبر الانغماس في تفاصيل حياته ومن ثم الارتقاء إلى رسم صورة كلية لجنسنا البشري بماضيه وحاضره ومستقبله.
الخاتمة
في ختام هذه الدراسة الشاملة لعلم الأنثروبولوجيا، نوجز أهم النتائج والاستنتاجات التي توصلنا إليها: أولًا، تبيّن أن الأنثروبولوجيا علم فريد بمنظوره الكلي والمتكامل للإنسان، إذ يجمع ما تفرقه العلوم الأخرى – من بيولوجيا وثقافة ولغة وتاريخ – في إطار واحد، بهدف رسم لوحة شاملة للطبيعة البشرية. لقد تطور هذا العلم من جذور بسيطة ومتحيزة في القرن التاسع عشر إلى حقل واسع متعدد الأصوات والمناهج في القرن الحادي والعشرين. ثانيا، رأينا كيف أن القيمة المضافة للأنثروبولوجيا تكمن في قدرتها على فهم الاختلافات الثقافية وتفسير السلوك البشري ضمن سياقه الخاص، مما ينتج معرفة أكثر عمقًا وثراءً حول عادات البشر ومعتقداتهم ومؤسساتهم. ثالثًا، أكدت الدراسة أهمية الحياد العلمي النسبي والالتزام الأخلاقي في الممارسة الأنثروبولوجية؛ فالباحث ملزم بالموضوعية بقدر ما يستطيع، وبمساءلة نفسه ضد أي تحيز أو ضرر محتمل قد يلحقه بالمجتمع الذي يدرسه. رابعًا، تبين أن الأنثروبولوجيا ليست مجرد ترف معرفي، بل لها تطبيقات عملية ملموسة في مجالات الصحة والتنمية والاقتصاد والسياسة وغيرها، إذ توفر فهما أعمق للعوامل الثقافية الكامنة وراء المشكلات، وتقترح حلولًا تراعي إنسانية الإنسان وكرامته.
القيمة المضافة من الدراسة: تتمثل مساهمة هذه الدراسة في الجمع المنهجي بين استعراض تاريخ الأنثروبولوجيا (مفاهيمه ومدارسه) وبين واقع تطبيقه الحديث. لقد أوضحنا كيف تراكمت معارف هذا العلم عبر المراحل المختلفة – تطورية، وظيفية، بنيوية، نقدية – لتشكل في مجموعها رصيدًا غنيًا يساعدنا اليوم على فهم القضايا الراهنة (كالطب الشعبي أو الهجرة أو الصراعات الثقافية) فهمًا أشمل. كما أبرزت الدراسة أهمية التكامل بين فروع الأنثروبولوجيا المختلفة: فالثقافي والاجتماعي والبيولوجي واللغوي والتطبيقي كلها تتلاقى لتفسير الظواهر المركبة للإنسان. ومن جهة أخرى، أكد التحليل التاريخي أن الأنثروبولوجيا – برغم ما واجهته من نقد – استطاعت أن تُجدّد ذاتها ذاتيًا وتعالج مثالبها، فتحولت من علم قد يُستخدم لتبرير الهيمنة إلى علم يناضل لفهم الآخر ونصرته. وعليه، فإن هذه الدراسة تقدم للقارئ صورة واضحة المعالم عن ماهية الأنثروبولوجيا وأين تقف اليوم، وتصحح تصورًا ربما يكون شائعًا عند البعض بأن الأنثروبولوجيا تقتصر على “دراسة القبائل البدائية”؛ فقد رأينا أنها الآن علم لكل شيء إنساني، من العيادة الطبية إلى شركة التكنولوجيا إلى مخيم اللاجئين.
توصيات للبحث المستقبلي: انطلاقًا من المعالجة السابقة، يمكن اقتراح عدة توجهات للبحوث الأنثروبولوجية القادمة:
- تعميق الدراسات البينية: ينبغي تشجيع المشاريع البحثية التي تربط الأنثروبولوجيا بمجالات أخرى كعلم البيئة (لدراسة التغير المناخي الثقافي)، أو علوم الأعصاب (لدراسة الأسس البيولوجية للثقافة)، أو الدراسات الأمنية (لفهم جذور التطرف والعنف من منظور ثقافي) على سبيل المثال. هذا سيثري المعرفة ويوسّع دور الأنثروبولوجيا في حل مشكلات معقدة.
- الأنثروبولوجيا في العالم الرقمي: مع تنامي تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على حياة الناس وثقافاتهم، تصبح أنثروبولوجيا الفضاء الافتراضي ميدانًا واعدًا. من المهم استكشاف كيف تتشكل الهويات والعلاقات والتقاليد في المجتمعات الإلكترونية، وكيف يؤثر العالم الرقمي على المفاهيم الثقافية الكلاسيكية (كالقرابة أو الانتماء المكاني).
- دراسات ما بعد الاستعمار المحلية: على مستوى العالم العربي والمجتمعات النامية، هناك حاجة لمزيد من البحوث الأنثروبولوجية بأقلام محلية تستكشف الإرث الاستعماري والثقافات الوطنية بعيون أهلها. مثل هذه البحوث ستثري الأنثروبولوجيا العالمية وتقدم روايات بديلة لتلك المهيمنة.
- تطبيق الأنثروبولوجيا في رسم السياسات: يوصى بتفعيل دور الخبرة الأنثروبولوجية في فرق صنع القرار سواء في الحكومات أو المؤسسات الدولية. فوجود عالم أنثروبولوجيا ضمن فريق تخطيط لمشروع تنموي أو صحي يمكن أن يقي من أخطاء سوء الفهم الثقافي، كما حدث في بعض برامج التنمية التي فشلت لعدم توافقها مع العادات المحلية.
- الأرشفة المفتوحة والمعرفة المشتركة: ينبغي دفع عجلة توثيق التراث الثقافي اللامادي (كالقصص والأمثال واللهجات) رقميًا وبشكل مفتوح، ليكون مصدرًا للباحثين ولأبناء الثقافة أنفسهم. الأنثروبولوجيون مدعوون لتوظيف التكنولوجيا في حفظ التنوع الثقافي، خصوصًا مع اندثار بعض اللغات والتقاليد بسبب العولمة.
في الختام، تظل الأنثروبولوجيا – كغيرها من العلوم الإنسانية – مشروعًا مفتوحًا يتطور مع تطور البشرية نفسها. وإذا كان جوهر هذا العلم هو فهم الإنسان ككل في تفرده وتنوعه، فإن رسالته تزداد إلحاحًا اليوم في عالم يصغر حجمه بفعل الاتصال ويكبر فيه خطر سوء الفهم بين الشعوب. إن المنظور الأنثروبولوجي القائم على التعاطف المعرفي والاحترام العميق للاختلاف يمكن أن يكون جسرًا لبناء تواصل أفضل في مجتمع عالمي متعدد الثقافات. لذا فإن الاستثمار في الأنثروبولوجيا معرفةً وتطبيقًا هو في الواقع استثمار في الإنسان: لفهمه وخدمته وحماية إرثه وضمان مستقبل أكثر انسجامًا له وللأجيال القادمة.
المراجع: تم الاستناد في هذه الدراسة إلى مجموعة من المصادر الموثوقة والمتنوعة توثيقًا للحقائق والمعلومات الواردة. من بين أهمها الموسوعة العربية العالمية (ويكيبيديا العربية) فيما يخص التعاريف والتاريخ، ومقالات أكاديمية متخصصة حول النظريات الأنثروبولوجية، إضافة إلى مصادر باللغة العربية تناولت تطبيقات الأنثروبولوجيا كالمقالات في موقع "موضوع"، وتقارير بحثية حديثة ناقشت نقد الأنثروبولوجيا بعد الحداثية. جميع الاقتباسات موثقة في مواضعها بحسب نظام التوثيق المعتمد، ويمكن الرجوع إلى تفاصيلها عبر الهوامش المشار إليها في النص. بهذه الطريقة حرصت الدراسة على احترام معايير التوثيق العلمي الدقيق والتزام الحياد والموضوعية في عرض المحتوى. وباختتامنا لهذه الرحلة المعرفية، نكون قد ألقينا الضوء على ماضي الأنثروبولوجيا وحاضرها، ونأمل أن نكون قد مهدنا الطريق لمزيد من الحوار والبحث في مستقبل هذا العلم الإنساني الحيوي.

0 تعليقات