دراسة حول يوم الغدير وتنصيب الإمام علي (ع)
الخلفية التاريخية لواقعة غدير خُمّ
يوم الغدير هو حدث تاريخي وقع في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة سنة 10 هـ (632م) أثناء عودة النبي محمد (ص) من حجة الوداع. تقع منطقة غدير خُمّ قرب الجحفة بين مكة والمدينة، وكانت ملتقى طرق يتفرّق عنده القادمون من الحج إلى بلدانهم. في ذلك اليوم توقّف النبي (ص) في حرّ الظهيرة وأمر بجمع الناس تحت عدد من الأشجار بعد أن نُظِّف ما تحتها من الأشواك. خطب فيهم خطبة مهمة وسط جمع حاشد يُقدَّر - وفق بعض المصادر التاريخية - بأكثر من مائة ألف من الصحابة والمسلمين من أهل مكة والمدينة والقبائل المجاورة. خلال هذه الخطبة أعلن النبي (ص) أمرًا شديد الأهمية بناءً على وحي إلهي، إذ يُعتقد أن الآية القرآنية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...﴾ نزلت تأكيدًا على وجوب تبليغ ذلك الأمر الخطير دون خوف. بعد إتمام الخطبة جاء الوحي بالآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي...﴾ التي عدّها الشيعة دليلًا على إكمال الدين بتنصيب علي (ع) وليًّا للمؤمنين. وقد احتفى المسلمون الحاضرون بالمناسبة، حيث يُروى أن النبي (ص) أقام لمدة ثلاثة أيام في ذلك الموقع لتلقي بيعة الحاضرين لعلي (ع) كخليفة من بعده على السمع والطاعة.
نص حديث الغدير في مصادر الشيعة
جاءت نصوص الحديث في المصادر الشيعية ضمن سياق خطبة مفصّلة رواها أئمة أهل البيت وكُتب الحديث والتاريخ الشيعية. ينقل العلّامة الأميني في موسوعته الغدير نص الخطبة النبوية يوم غدير خُمّ كما يلي: بعد أن حمدَ الله وأثنى عليه، خاطب النبيُّ الجمع قائلاً: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فأجابوه: بلى نشهد. عندها أخذ (ص) بيد علي بن أبي طالب ورفعها حتى ظهر بياض إبطيهما، وأعلن: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» وكررها عدّة مرات. ثم دعا: *«اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحبّ من أحبّه وابغِض من أبغضه، وانصر من نصره واخذل من خذله»*. وقد أضافت الروايات الشيعية أن النبي أكد على ولاية علي من بعده تصريحًا في ختام الخطبة بقوله إن الله راضٍ بإكمال الدين وإتمام النعمة بولاية علي خليفةً من بعده. كما تذكر بعض المصادر نزول آية الإكمال عقب هذا الإعلان تأكيدًا لمضمون الخطبة. وينقل علماء الشيعة أن جميع من حضر من المسلمين بايعوا عليًا (ع) في ذلك اليوم اعترافًا بولايته، رجالًا ونساءً، حيث بايع الرجال بالمصافحة والتهنئة، وبايعت النساء بما أمكنهن من قول وإيماء احترامًا للتقاليد. وقد روت كتب الشيعة أيضًا أبياتًا شعرية لحسّان بن ثابت أنشدها بحضور النبي (ص) توثّق الواقعة، منها قوله: «يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ فأسمِع بالرسول مناديًا»، في إشارة صريحة إلى إعلان الولاية في ذلك اليوم.
نص حديث الغدير في مصادر أهل السنة
أما في كتب الحديث والتاريخ السنية، فقد رُوي حديث غدير خُمّ بألفاظ متقاربة عبر عدة أسانيد صحيحة ومتواترة عن النبي (ص). يُعتبر حديث الثقلين المرتبط بالواقعة جزءًا أصيلًا من روايات أهل السنة المعتبرة: فعن زيد بن أرقم قال خطب رسول الله (ص) فينا في مكان يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة فقال: *«إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله... ثم قال وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي...»*. وفي تكملة الرواية نفسها قال (ص): «إن الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن» ثم أخذ بيد علي فقال للناس: *«من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»*. هذا النص أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بسند صحيح عن زيد بن أرقم، كما أخرجه النسائي في السنن الكبرى أو خصائص أمير المؤمنين عن زيد بن أرقم أيضًا بنفس المضمون. وروى الترمذي كذلك طرف الحديث مختصرًا عن النبي (ص): *«من كنت مولاه فعليٌّ مولاه»*. وقد ورد الحديث عن جماعة من الصحابة كسعد بن أبي وقاص، وبريدة الأسلمي، وعلي بن أبي طالب نفسه، وغيرهم. فمثلاً يروي بريدة بن الحصيب أنه اشتكى عليًا في بعض الغزوات، فاستجوب النبيُّ (ص) الناس قائلاً: «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا بلى، فقال (ص): *«فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه»*. كما يُروى أن عليًا (ع) في خلافته استشهد الناسَ بحديث الغدير في رحبة الكوفة فشهد له عدةٌ من الصحابة أنهم سمعوا النبي يقول ذلك يوم خمّ. هذه الروايات وغيرها أكد علماء أهل السنة صحتها أو حسنها؛ قال ابن حجر الهيتمي: *«إنه حديث صحيح لا مرية فيه، أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، فطرقه كثيرة جدًا...»*.
دلالة حديث "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" عند الشيعة
يفسّر الشيعة عبارة النبي (ص) «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» على أنها نصّ صريح في ولاية وإمامة علي بن أبي طالب (ع) بعد الرسول. كلمة «مولى» عندهم تعني «الأولى بالولاية» أو «المولى بالامر» أي صاحب السلطان والقائد للمؤمنين، ولا يمكن حصر معناها في المحبة أو المناصرة فقط ضمن هذا السياق. يستدلون على ذلك بعدة نقاط منها:
-
سياق الخطبة: بدأ النبي بسؤال الحضور «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فأقرّوا بذلك. وكلمة «أولى» بمعنى الأحقّ والأولى بالتصرف (وهي نفسها جذر كلمة وليّ) تدل أن الموضوع متعلق بالولاية والقيادة. وبناءً عليه جاء التعقيب مباشرةً بإعلان «فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه»، مما يربط ولاية علي (ع) بنفس ولاية الرسول على المؤمنين (أي الولاية الدينية والسياسية). هذا الربط في العبارة يجعل من الواضح أن المقصود بـ«مولاه» هو ولي الأمر والخليفة لا مجرد الصديق أو الناصر.
-
الأهمّية العظمى للإعلان: يعتقد الشيعة أن الله عز وجل لم يكن ليأمر نبيه بالتوقف في ذلك الحر الشديد وجمع ذلك الجمع الحاشد إلا لأمر مصيري. وقد نُقل عن النبي (ص) أنه قال في خطبته إن تقصير الرسول في تبليغ هذا الأمر الخطير يعدّ تفريطًا في أداء الرسالة نفسها، استنادًا إلى آية التبليغ (المائدة: 67). كما أن نزول آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم...﴾ عقب الخطبة وفق الروايات الشيعية يُفسَّر بأن إتمام الدين تم بتنصيب علي (ع) إمامًا، إذ لا يكمل الدين - في نظر الشيعة - إلا بوجود قائد معصوم يخلف النبي في حفظ الشريعة وقيادة الأمة.
-
تهنئة الصحابة وحادثة البيعة: تُشير العديد من المصادر إلى أن الصحابة الحاضرين فهموا خطورة الموقف ومعناه، حيث بادروا بعد الخطبة إلى تهنئة الإمام علي (ع). وقد نُقل أن أبا بكر وعمر كانا أول المهنّئين، وقالا له أمام الملأ: *«بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة»*. هذه التهنئة تُظهر اعترافًا ضمنيًا منهم بمعنى «المولى» هنا كونه «السيّد والقائد»، وإلا لما استوجب الأمر تهنئة بمنزلة التنصيب. ويُروى أيضًا أن الجميع بايع عليًا (ع) في ذلك اليوم مبايعة رمزية على الولاء، حيث أمر النبي (ص) المسلمين أن يصافحوه ويهنّؤوه بلقب أمير المؤمنين، مسجِّلاً بذلك أول استخدام رسمي لهذا اللقب لعلي (ع) في حياته. كما نظّم الشاعر حسان بن ثابت أبياتًا بإذن الرسول تمجّد هذا الحدث كشهادة شعرية تاريخية. كل ذلك يؤكد – في المنظور الشيعي – أن يوم الغدير كان مناسبة إعلان رسمي وتعيين إلهي لعلي كخليفة ووصي بعد النبي (ص).
-
تواتر النص في التراث الإسلامي: يشير علماء الشيعة إلى أن حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» متواتر عن النبي (ص) في مصادر الفريقين، وقد أحصوا طرق روايته بالعشرات عن الصحابة. هذا الانتشار الواسع يدل عندهم على أن الأمة بلغها نصّ صريح بشأن خلافة علي، مما يحمّل من خالفه مسؤولية تجاهل نص نبوي ثابت.
بناءً على ما سبق، يرى الشيعة أن حادثة الغدير نصٌّ نبوي قاطع على إمامة علي (ع) وكونه الخليفة الشرعي المباشر بعد رسول الله. ويعتبرون الإيمان بولاية علي وأهل البيت استمرارًا لتمام الإيمان، استنادًا لحديث الثقلين المقترن بالواقعة ولآية الإكمال المذكورة.
البيعة والتهنئة للإمام علي (ع) يوم الغدير
تفيد الروايات التاريخية أن النبي (ص) بعد انتهاء خطبته أمر المسلمين بمبايعة علي (ع) والاعتراف بولايته. فجلس علي في خيمة نصبت له بأمر النبي، وبدأ المسلمون يتوافدون لمبايعته. وقد ذكرت مصادر كثيرة أن كل من كان حاضرًا من الصحابة بايع وهنّأ عليًا (ع) في ذلك اليوم. ومن أشهر ما رُوي في هذا السياق تهنئة الخليفتين الأول والثاني له، حيث خاطباه قائلين: *«بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب! لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة»*. كما قال الصحابي عبد الله بن عباس عن تلك البيعة: «وجبت والله في أعناق القوم» أي أن ولاية علي أصبحت فريضة في رقاب الجميع. هذه الشهادات من كبار الصحابة تُعتبر بالغة الدلالة، إذ لم يكتفوا بالسكوت أو القبول الصامت، بل أظهروا الابتهاج والاعتراف العلني.
وتذكر بعض المصادر أسماء محددة ممّن بايع وهنّأ، ومنهم إلى جانب أبي بكر وعمر: عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وغيرهم من كبار المهاجرين والأنصار. بل إن الروايات تشير إلى أن عمر بن الخطاب كرّر تهنئته لعلي قائلاً: *«أصبحت مولى كل مؤمن»*. ومن الشعر الذي ألقاه حسّان بحضور النبي (ص) قوله: «فقال له: قم يا عليّ فإنني **رضيتك من بعدي إمامًا وهاديا»، في إقرار شعري واضح بأن النبي عهد إلى علي بالإمامة بعده. كما بايعت نساء المسلمين أيضًا بما يناسب الحال؛ فقد ورد أن النبي (ص) أمر زوجاته وباقي النساء أن يسلِّمن على علي (ع) ويبايعنه شفهيًا، وضُرب لهن خيمة خاصة لذلك. وقد نقل أهل السير أن هذه البيعة دامت ثلاثة أيام لضمان وصول النبأ إلى كل من كان في ذلك المكان ولإتاحة الفرصة للجميع أن يهنّئوا عليًا (ع) بولايته.
إن حصول البيعة العامة في غدير خمّ يُعتبر في المنظور الشيعي إجراءً نبويًا مقصودًا لتثبيت ولاية علي (ع) أمام الأمة. فلو كان الأمر مجرد إعلان فضيلة أو محبة فقط، لما اقتضى الأمر أن يهنّئ الناسُ عليًا بهذه الصورة الرسمية المكثفة. ولهذا تُعامل البيعة يوم الغدير كدليل عملي على أن الصحابة تلقّوا تلك الخطبة على أنها تنصيب لعلي، حتى لو انقلب الموقف سياسيًا بعد وفاة الرسول.
أسباب عدم تولّي الإمام علي (ع) الخلافة فورًا بعد وفاة الرسول
رغم النص الواضح – بحسب الرؤية الشيعية – على خلافة الإمام علي (ع) في يوم الغدير، فإن عليًا لم يَخْلُف النبي (ص) مباشرة بعد وفاته. ينظر الشيعة إلى هذا الأمر على أنه نتيجة لعوامل سياسية واجتماعية وقبليّة معقّدة شهدتها مدينة الرسول في أيامه الأخيرة وعقب رحيله. وأهم تلك العوامل:
-
اجتماع السقيفة واستعجال البيعة لأبي بكر: فور وفاة النبي (ص) في 28 صفر 11هـ، وبينما انشغل عليٌّ وأهل بيت النبي بتجهيزه ودفنه، اجتمع بعض الصحابة من الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار زعيم منهم قبل أن يسبقهم المهاجرون. علم عمر بن الخطاب بالأمر فسارع برفقة أبي بكر وأبي عبيدة إلى السقيفة. في غياب بني هاشم وكثير من الصحابة البارزين، دارت مشادة كلامية انتهت بمبايعة عدد من الحضور لأبي بكر خليفةً. وهكذا تم الأمر على عجل يومها ثم اكتملت البيعة العامة لأبي بكر في اليوم التالي دون انتظار رأي جميع كبار الصحابة. تُظهر روايات تاريخية أن عليًا (ع) والعباس والزبير وغيرهم اعتزلوا في بيت فاطمة بنت النبي (ص) خلال أحداث السقيفة اعتراضًا أو على الأقل عدم موافقة ضمنية. فقد جاء في تاريخ ابن هشام: *"اعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر..."*، مما يدل على انقسامات أولية في الرأي. شبهة استعجال البيعة دون حضور علي أثارت تساؤلات شيعية عبر التاريخ حول مدى شرعية هذه الخطوة وتجاهلها لوصية الغدير.
-
عامل القبيلة والتوازنات القرشية: يعتقد الشيعة أن موقف بعض زعماء قريش لم يكن مستعدًا لتسليم زمام الأمور لعلي رغم فضله ومكانته. فمن جهة كان علي شابًا في أوائل الثلاثينات حين وفاة النبي (ص) مقارنة ببعض الصحابة الأكبر سنًا مثل أبي بكر (في أواخر الخمسينات من العمر) مما جعل بعض كبار القوم يميلون لتقديم الأكبر سنًا درءًا لزعامة الأصغر. الأهم من ذلك عامل العصبية القبلية والمنافسة بين بطون قريش: إذ خشيت قبائل قريشية عديدة أن تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم (قبيلة النبي وعلي) فيفوزوا بالشرفين معًا. ويُنقل في هذا السياق حوار شهير بين عمر بن الخطاب وابن عباس (ابن عمّ النبي من بني هاشم) إذ قال له عمر صراحةً عن سبب إعراض قريش عن علي: *«كرهوا أن يجمعوا لكم – يا بني هاشم – النبوة والخلافة فتفتخروا على سائر قريش بذلك»*. هذا التصريح الخطير يكشف أن مسألة السلطة بعد النبي أخذت منحًى قبليًا؛ فقريش رأت أن قيادة الأمة سياسيًا يجب أن تبقى بأيديها هي عمومًا، لكنها فضّلت أن لا تكون أيضًا في نفس الفرع الذي منه النبي (ص) كي لا يحتكر بنو هاشم الشرف كله. وهكذا اختارت جماعة من قريش تقديم أبي بكر (من بني تيم) وعمر (من بني عدي) على علي (من بني هاشم)، تحقيقًا لتوازن قبلي. ومما يدعم هذا التحليل ردّ ابن عباس لعمر في نفس المحاورة، إذ قال إن صرف الخلافة عن علي كان ظلماً وحسداً من بعض القوم، فاعترف له عمر ضمنيًا بقوله: *«هيهات... أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدًا لا يزول»*. في المنظور الشيعي، هذه الشهادات تثبت أن إقصاء علي (ع) لم يكن لجهل الناس بنص الغدير، بل لرغبة سياسيّة عند بعضهم في تغيير مسار الخلافة.
-
الظروف الاجتماعية العامة بعد وفاة النبي: بعد وفاة الرسول مباشرةً، واجه المسلمون حالة ارتباك وفراغ قيادي مفاجئ. خشي كثيرون من الفتنة وانتشار الفوضى في المدينة مع ظهور خلاف حول القيادة، خاصة في ظل بوادر ارتداد بعض القبائل خارج المدينة وامتناعها عن دفع الزكاة. رأى جماعة من الصحابة أن الإسراع باختيار أي خليفة (ولو بدون مشورة كل المسلمين) أفضلُ من الفراغ القيادي. فتمّت بيعة أبي بكر على عَجَل في السقيفة قبل الانتهاء من مراسم دفن الرسول (ص). هذا الواقع جعل عليًا (ع) أمام أمر واقع صعب: فهو صاحب النص بالنصّ الإلهي (وفق اعتقاده واعتقاد أنصاره)، لكنه يأتي للمطالبة بحقه بعد أن التفّت جماعة كبيرة حول خليفة مُبايع بالفعل. كما أن قسمًا من الأنصار والمهاجرين رأوا في علي منافسًا سياسياً قد تتجدّد بسببه الخلافات القبلية (لأن بعض بني أمية وبني تيم وغيرهم كانوا يخشون شدته في الحق).
-
سياسة الإمام علي (ع) في الحفاظ على وحدة الإسلام: من الأسباب التي يسوقها الشيعة أيضًا لعدم تحرّك علي بالقوة لأخذ منصبه الشرعي أنه آثر مصلحة الإسلام العليا على مصلحته الخاصة. فالمجتمع يومها كان حديث عهد بوفاة الرسول، والفتن محتملة في كل جانب (ظهور مدّعي النبوة، حروب الردة، الخ). يروي الشيعة عن الإمام علي أنه قال: «وجدتُ أنّ الصبر على هاتا (أي غصب حقي) أحجى وأسلم للدين، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى»، بمعنى أنه كظم غيظه على مرارة الظلم حفاظًا على وحدة الأمة ومنعًا لإراقة الدماء بين المسلمين. وتؤكد روايات الفريقين أن عليًا لم يبايع أبا بكر في بداية الأمر، وبقي ممتنعًا مع جماعة من الصحابة عن البيعة قرابة ستة أشهر حتى وفاة السيدة فاطمة الزهراء (ع). جاء في صحيح البخاري أن عليًا (ع) تأخّر عن بيعة أبي بكر تلك الأشهر احترامًا لوصية فاطمة وغضبها، ولم يبايع إلا مضطرًا بعد أن رأى توجه الناس بعيدًا عنه. وهذا يدل على أنه لم يكن مقتنعًا بأحقّية من سبقه، لكنه تجنّب الصدام المفتوح. كما تذكر بعض المصادر أنه بعد وفاة فاطمة جاء بنفسه فجأة إلى المسجد وبايع أمام الناس كخطوة لدرء الفتنة بعد أن “استنكر عليٌّ وجوه الناس” أي رأى تغير الرأي العام ضده.
-
دور بعض الصحابة ونفوذهم: لا يغفل المنظور الشيعي عن ذكر التأثير الشخصي لبعض كبار الصحابة في توجيه دفة الأمور بعيدًا عن علي. فعمر بن الخطاب مثلاً كان صاحب شخصيّة قوية وكلمة مسموعة، وقد وقف بحزم في السقيفة لمنع الأنصار من مبايعة سعد بن عبادة، ثم سارع لأخذ البيعة لأبي بكر. وبعدها بأسابيع، أشرف بنفسه على أخذ البيعة العامة ومواجهة معارضيها. تذكر روايات شيعية أن عمر جاء مع جمعٍ إلى باب بيت فاطمة حيث كان علي وبعض أنصاره مجتمعين فهدّد بإحراق البيت إن لم يخرجوا للمبايعة، قائلاً إنه لا يجتمع سيفان في غمد واحد. وبغض النظر عن دقة تفاصيل هذه الحادثة، فإنها تعبّر عن واقع الضغوط التي مُورست على علي (ع) ليقبل الأمر الواقع. وإضافةً إلى الترهيب، استُخدمت أساليب الإقناع والترغيب؛ فيُروى أن أبو سفيان (زعيم بني أمية) حاول استغلال الموقف عارضًا على علي المناصرة ضد خصومه، لكن عليًا أدرك سوء نيته ورفض جعل الخلافة صراعًا قبليًا صرفًا. كل هذه الملابسات تفسّر لماذا لم يتمكن الإمام علي من استلام زمام الحكم مباشرةً رغم وجود النص عليه، إذ حالت الموانع السياسية والقبلية دون نفاذ الوصية الإلهية – حسب التصور الشيعي.
وخلاصة القول، من وجهة نظر الشيعة لم يكن تأخر علي (ع) عن السلطة ناتجًا عن غموض النص أو ضعف حجته، بل بسبب غلبة الجوّ السياسي المضاد الذي صنعه بعض الصحابة بعد وفاة النبي (ص)، إلى جانب اختيار الإمام نفسه نهج المسالمة درءًا للحرب الأهلية في أخطر مرحلة في تاريخ الإسلام. وقد بقي علي (ع) متمسكًا بحقه في الخلافة كجزء من عقيدته، إذ نجده خلال عقود ما قبل توليه الفعلي يذكّر بفضائله ونصوص تعيينه كلما سنحت الفرصة (مثل حديثه في الشورى بعد وفاة عمر، أو تذكيره بحديث الغدير أيام خلافته كما مرّ). ويعتقد الشيعة أن حكمة الله اقتضت إرجاء وصول علي إلى السلطة الزمنية إلى حين مناسب (سنة 35هـ بعد مقتل عثمان) ابتلاءً وامتحانًا للأمة، وإن كان واجب الولاء الروحي والإمامي له قائمًا منذ يوم الغدير.
الرواية السنية للحدث: مقارنة مختصرة
يقرّ أهل السنة والجماعة بحدوث واقعة غدير خُمّ ونقلوا الحديث بأسانيد صحيحة كما مرّ، ولكن تفسيرهم للحدث ولمعنى الحديث يختلف جذريًا عن التفسير الشيعي. فيما يلي أبرز نقاط الرواية السنية في مقابل النظرة الشيعية:
-
معنى "مولى" عند أهل السنة: يجمع علماء السنة على أن حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» لا يدل على نصٍّ بالخلافة، بل يفيد منزلة عالية لعلي (رض) ومحبته ووجوب موالاته. كلمة «مولى» في اللغة تستعمل لمعانٍ متعددة (السيد، والناصر، والصديق، والمعتِق، والمعتَق، إلخ). ويرى أغلب علماء السنة أن المقصود هنا المحبة والنصرة لا الإمرة والحكم. واستدلّوا على ذلك بسياق الحديث وأسبابه: فقبل حجّة الوداع كان صدرُ بعض الجنود (ومنهم بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد) قد تضايق من علي أثناء إرساله إلى اليمن. فقد وزّع علي (رض) الغنائم هناك بصرامة وفق الشريعة، فوجد بعضهم في نفسه عليه. بلغ الأمر النبي (ص) فخطب في غدير خُمّ – بعد عودتهم – لتصفية القلوب وإزالة ما علق من كراهية أو شكوى تجاه علي. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: *“سبب قول النبي ذلك في غدير خمّ كان لتنبيه الناس على فضل علي وردّ من تكلم فيه من جيش اليمن”*. لذا يرى أهل السنة أن النبي أراد بقوله هذا حثَّ المسلمين على محبة علي ونصرته وبيان فضله، لا تنصيبه خليفة. ويضيفون أن قوله (ص): «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» يؤكد معنى الموالاة ضد المعاداة أي المحبة ضد البغض، ولا يفهمون منه أكثر من ذلك.
-
عدم دلالة الحديث على الخلافة نصًا: يحتج علماء السنة بأنه لو أراد النبي (ص) استخلاف علي بوضوح لأعلنه في أكبر جمع – كجمع الحج في عرفات – بشكل لا يقبل التأويل. في حين أن حديث الغدير وقع بعد انصراف معظم الحجاج إلى بلادهم، إذ لم يبقَ مع النبي إلا أهل المدينة ومن جاورها. وقد أشار ابن تيمية إلى هذه النقطة بقوله: *“إن كثيرًا من الذين حجّوا مع النبي لم يكونوا حاضرين في غدير خم، لرجوع أهل مكة والطائف واليمن إلى بلادهم، ولم يبقَ إلا أهل المدينة ومن حولها”*. كما يستدلون بأن آية إكمال الدين نزلت قبل حادثة الغدير بيومين (يوم عرفة في 9 ذي الحجة) بحسب الصحيحين، مما يعني – في نظرهم – أن إكمال الدين كان بتمام الفرائض ونزول الأحكام في حجة الوداع، وليس له علاقة بتنصيب أحد. ويسألون: كيف يكون تنصيب علي أصلاً من أصول الدين ولا يبلَّغ إلا بعد إعلان إكمال الدين؟. كذلك يقول ابن كثير وغيره إن تفسير الشيعة للحديث يستلزم اتهام جيل الصحابة كافةً بخيانة الوصيّة والتواطؤ على كتمانها، وهذا باطل عند السنة لأنه يلزم منه الطعن في عدالة الصحابة وفي حكمة النبي ذاته في اختيار أصحابه. لذا يرفض أهل السنة بشدة أي استنتاج بأن الحديث كان بيعة لعلي أو تنصيبًا سياسيًا، ويصفون ذلك بأنه من اختلاق “الرواة الشيعة والقصّاص” كما عبّر ابن كثير.
-
الاحتجاج التاريخي والسلوك العملي: يشير أهل السنة إلى أن عليًا نفسه لم يستخدم حديث الغدير للمطالبة بالحكم بعد وفاة النبي (ص)، بل بايع أبا بكر وانخرط في الشورى بعد عمر ثم بايع عثمان. فلو كان عنده نص جليّ يأمره بتولّي الخلافة لما جاز له شرعًا السكوت عنه، ولأنكر على من سبقه. لكن المصادر التاريخية السنية لا تذكر أن عليًا احتجّ يوم السقيفة أو بعد ذلك بحديث «مولاه» كدليل على أحقيته، وإن كان قد ذكّره لبعض من ناصبه العداء في أواخر عهده. يُضاف أن عليًا سمّى أبناءه بأسماء الخلفاء الثلاثة مودةً لهم – حسب رواياتهم – وزوّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب، مما يراه السنة دليلًا على علاقات مودة واحترام متبادل تناقض دعوى العداوة والتنحية المتعمّدة.
-
موقف أهل السنة من فضل علي (رض): يؤكد أهل السنة أن نفي دلالة الحديث على الخلافة لا ينقص من قدر علي. فعلي بن أبي طالب عندهم من أعظم الصحابة فضلًا ومكانة، وهو رابع الخلفاء الراشدين المهديين. ويعدّون حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» ضمن الفضائل الثابتة لعلي التي تُظهر علوّ منزلته ومحبة الرسول (ص) له. وقد كتبوا في ذلك شروحًا وتأويلات عديدة. فمثلاً قال الإمام الشافعي بيتًا مشهورًا: “يا آل بيت رسول الله حبّكم فرض من الله في القرآن أنزله”، مستشهدًا بحديث غدير خم وغيره. لذا يحتفل السنّة بعلي كرمز للإيمان والتقوى، لكنهم لا يرون أن النبي عيّنه خليفة بنصّ يجب اتباعه. وعليه، يُفسّرون يوم الغدير كيوم أكّد فيه النبي حبَّه لعلي وطلب مودة المسلمين له، دون أن يكون “عيدًا للتنصيب” كما عند الشيعة.
-
مناقشة مفهوم التواتر: مع أن كثيرًا من علماء السنة صححوا الحديث أو حسّنوه (كالترمذي والذهبي وابن حجر والألباني وغيرهم)، فإنهم يشيرون إلى أن تفاصيل الخطبة الكاملة ليوم الغدير لم ترد في كتبهم المعتبرة بنفس الصورة التي يذكرها الشيعة. فمعظم الروايات السنية تقتصر على جملة «من كنت مولاه فعلي مولاه» مع مقدمات يسيرة، ولا تذكر مثلاً نزول آية الإكمال في خُمّ أو البيعة والتهنئة بالتفصيل كما في الروايات الشيعية. لذلك يعتبر بعضهم أن جزءًا من الرواية المطوّلة المنتشرة في كتب الشيعة لا يخلو من زيادات لا أصل لها في كتب السنة. ويُرجعون عدم نقل الخطبة بتمامها في المصادر السنية إلى احتمال أنه لم يُنظر إليها كخطبة عهد بالخلافة، بل كموعظة عابرة لتطييب الخواطر، ولذا نقلوا زبدتها (حديث الثقلين والموالاة) دون تفاصيل التنصيب.
خلاصة المقارنة: يتفق السنة والشيعة على أصل حادثة غدير خُمّ وورود قول النبي (ص) «من كنت مولاه فعلي مولاه»، لكنهم يختلفون في فهم دلالتها: الشيعة يرونها إعلانًا رسميًا عن خلافة وإمامة علي بن أبي طالب بأمر إلهي لا ينسخه شيء، بينما السنة يرونها تأكيدًا على مكانة علي ومحبته دون أي أمر سياسي ملزم. هذا الاختلاف في التأويل شكّل أحد جذور الانقسام التاريخي بين المذهبين، حيث عَدَّ الشيعة يوم الغدير عيدًا دينيًا يحتفلون به سنويًا باعتباره تتويجًا للإمامة، في حين يتذكّره السنة ضمن مناقب الصحابة ولا يفردون له احتفالًا دينيًا خاصًا. بيد أن الفريقين كليهما يُجلّ شخصية علي بن أبي طالب (ع) ويتفقون على كثير من فضائله ومناقبه، وإن اختلفوا حول المسألة المحورية: هل كان عليٌّ منصوصًا على خلافته نصًا صريحًا يوم الغدير أم لا. وكل فريق يستدل بتراثه الحديثي والتاريخي لإثبات وجهة نظره كما بيّنّاه أعلاه بالأدلة والمراجع المعتبرة من الطرفين.
المصادر الأصلية المعتمدة: لقد اعتمدت الدراسة على مصادر حديثية وتاريخية من الجانبين لتوثيق المعلومات. فمن الجانب الشيعي تم الاستناد إلى موسوعة الغدير للأميني، وإلى روايات كبار المحدثين كالشيخ الصدوق والطوسي في شأن الخطبة والبيعة. ومن الجانب السني تم توثيق نص الحديث من مسند أحمد وسنن الترمذي وسنن النسائي، إضافة لأقوال علماء أهل السنة كابن حجر والبيهقي وابن تيمية في تفسير الحديث. كما نُقل عن تاريخ ابن هشام وابن الأثير تفصيل أحداث السقيفة وعزلة علي وبني هاشم آنذاك، وعن صحيح البخاري ومسلم حادثة تأخر بيعة علي حتى وفاة فاطمة. وبهذا جمعت الدراسة رواية الحدث من كلا المنظورين بشكل مقارن وموسّع، آملةً تقديم صورة علمية موضوعية قدر الإمكان لهذا المفصل التاريخي في صدر الإسلام.

0 تعليقات