قبر الإمام الحسين عبر التاريخ: دراسة تاريخية وسوسيولوجية
مقدمة
يشكّل قبر الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في كربلاء مكانة محورية في الذاكرة الدينية والتاريخية عند المسلمين الشيعة. فمنذ استشهاد الإمام الحسين في واقعة كربلاء سنة 61هـ (680م)، غدا موضع قبره رمزًا للثورة على الظلم والتضحية في سبيل المبادئ. وقد مرّ هذا القبر والمشهد المقام عليه بتحوّلات جذرية عبر العصور المختلفة، تأثرًا بالظروف السياسية والمذهبية والاجتماعية لكل حقبة. ومن جهة أخرى، ارتبطت به طقوس الزيارة والاحتفاء كزيارة الأربعين التي أصبحت من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم. تهدف هذه الدراسة الأكاديمية إلى تتبّع التاريخ التطوري لقبر الإمام الحسين منذ لحظة دفنه وتحديد موضع قبره في كربلاء، مرورًا بما شهده المرقد من بناء وهدم وتوسعة على مدى العصور الأموية والعباسية والبويهية والصفوية والعثمانية وصولًا إلى عصر الدولة الحديثة في العراق. كما تناقش الدراسة موقف السلطات المتعاقبة من هذا القبر وزوّاره، وأشكال المضايقات والقمع التي مورست ضد الشعائر الحسينية، ومعاناة الزائرين عبر الزمن. وإلى جانب المنظور التاريخي، تتناول الدراسة الرمزية الدينية والاجتماعية لقبر الإمام الحسين في الفكر الشيعي، ودوره السوسيولوجي والسياسي في تشكيل الهوية الشيعية وحركات المقاومة. أخيرًا، نستعرض أبرز الدراسات الأكاديمية الحديثة حول كربلاء وثقافة الزيارة، بما في ذلك ظاهرة زيارة الأربعين المليونية في العصر الراهن.
تعتمد منهجية البحث على التحليل التاريخي النقدي لمصادر الأحداث والروايات، بالاستفادة من كتب التاريخ الإسلامي (مثل الطبري وابن الأثير) ومصادر التراث الشيعي المعتبرة، فضلًا عن دراسات حديثة في العلوم الاجتماعية لرصد البعد الرمزي والسياسي للموضوع. وسنعرض المادة بصورة منظمة في أبواب وفصول، مع توثيق المعلومات بالمصادر والمراجع الأكاديمية والتاريخية والدينية. نرجو أن تسهم هذه الدراسة في فهم أعمق لأهمية مرقد الإمام الحسين تاريخيًا ومعنويًا، وكيف تداخلت العوامل التاريخية والعقائدية في بلورة معالم هويّة ثقافية ودينية استثنائية حول هذا المكان المقدّس.
الفصل الأول: السياق التاريخي لواقعة كربلاء ودفن الإمام الحسين
1.1 واقعة الطف (كربلاء) سنة 61هـ: خلفية تاريخية
مثّلت واقعة كربلاء التي جرت أحداثها في العاشر من محرم سنة 61 هـ (الموافق 10 أكتوبر 680 م) منعطفًا مفصليًا في التاريخ الإسلامي. فقد خرج الإمام الحسين بن علي، سبط النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، مع أهل بيته وثلة من أصحابه اعتراضًا على بيعة يزيد بن معاوية وتولّيه الخلافة ورفضا للانحراف السياسي والديني الذي رآه الحسين في حكم بني أمية. انتهى مسيره إلى أرض كربلاء في العراق حيث فرضت عليه القوات الأموية حصارًا ومنعًا من الماء ثم نشبت معركة غير متكافئة انتهت باستشهاده هو وأهل بيته وأصحابه (وقد بلغوا نحو 72 شهيدًا) بعد ملحمة بطولية. قُتل الحسين بشكل مأساوي وفُصل رأسه عن جسده، وأخذ الجيش الأموي رؤوس الشهداء وسبى نساء أهل البيت إلى الكوفة ثم الشام. تركت الواقعة صدمة عميقة في ضمير المسلمين، خاصة الشيعة الذين اعتبروا الحسين "سيّد الشهداء" وأيقونة للفداء في سبيل الحق. وقد أصبحت كربلاء رمزًا للصراع بين الحق والباطل، وغدت ذكرى عاشوراء (يوم مقتل الحسين) مناسبة مركزية لإحياء قيم التضحية والإصلاح في الوجدان الشيعي على مر العصور.
1.2 دفن الإمام الحسين وتحديد موضع قبره
في أعقاب المعركة وابتعاد الجيش الأموي عن ساحة القتال، ثار التساؤل حول مصير جثمان الإمام الحسين والشهداء وموضع دفنهم. وتذكر المصادر التاريخية أن قبيلة بني أسد التي كانت تسكن بالقرب من كربلاء قامت بدفن الأجساد الطاهرة في اليوم الثالث عشر من محرم 61هـ (بعد المعركة بثلاثة أيام). وبحسب بعض الروايات الشيعية، فإن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ابن الإمام الحسين الناجي الوحيد من الذكور) حضر إلى كربلاء بطريقة إعجازية لتولّي دفن أبيه الحسين وباقي الشهداء، إذ يُعتقد أن الإمام لا يتولى دفنه إلا إمامٌ من بعده. وقد قام علي بن الحسين بمساعدة رجال من بني أسد بدفن جسد أبيه الحسين في المكان الذي قُتل فيه، ودفن إلى جانبه بني هاشم من إخوته وأبنائه، كما جُمع بقية الشهداء في قبر جماعي واحد على مقربة من قبر الحسين. وتنقل بعض الروايات أن الإمام زين العابدين وضع علامة مميزة على قبر والده، فحُفر القبر بشكل واضح ورُفع قليلاً عن الأرض ليُعرف موضعه. وهكذا تحدّد موضع القبر في أرض كربلاء، وأصبح معروفًا لدى من تبقّى من أهل البيت وشيعتهم.
منذ اللحظة الأولى، ظهرت إرهاصات ممارسة شعيرة زيارة قبر الحسين رغم الظروف العصيبة. تذكر الروايات أن أول من زار القبر كان جابر بن عبدالله الأنصاري (الصحابي المعروف) الذي وصل كربلاء في الأربعين من وفاة الحسين (20 صفر 61هـ) لزيارة قبره، وشاركه التابعي عطية العوفي، فكانا أول زائرَين في تاريخ القبر في ما يُعرف بزيارة الأربعين الأولى. كما تُشير التقاليد الشيعية إلى أن سبايا أهل البيت لدى عودتهم من الشام إلى المدينة مرّوا بكربلاء ووقفوا عند القبر، ويُنقل أن زينب بنت علي وأم كلثوم أقامتا هناك عزاءً عند القبر. أما أول زيارة موثّقة تاريخيًا في المصادر فهي قدوم فريق من التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي في سنة 65هـ، حيث زاروا القبر ولطموا وبكوا عنده ليلة كاملة قبل خروجهم بثورتهم التوابين. وهكذا وُضع الأساس لتقليد زيارة قبر الإمام الحسين، الذي استمر محدودًا في بداياته تحت وطأة الملاحقة، ثم أصبح ثقافة متجذّرة ومنتشرة بمرور الزمن، خاصة ابتداءً من عصر الإمام جعفر الصادق (ع) في القرن الثاني للهجرة حيث شجّع أتباعه على زيارة كربلاء. وقد وردت عشرات الأحاديث عن الأئمة في فضل زيارة الحسين وثوابها العظيم، مما رسّخ هذه الشعيرة كجزء لا يتجزأ من الهوية الشيعية عبر التاريخ.
الفصل الثاني: تطوّر مرقد الإمام الحسين عبر العصور التاريخية
مرّ قبر الإمام الحسين ومشهد كربلاء بعدة مراحل من البناء والإعمار، وكذلك فترات من الهدم والإزالة أو الإهمال، تبعًا للظروف السياسية والمذهبية في كل حقبة تاريخية. في هذا الفصل نستعرض التطورات التي لحقت بالمرقد في العصور المتعاقبة، من العهد الأموي فالعبّاسي، مرورًا بعهد البويهيين فالصفويين، ثم الحقبة العثمانية، وصولًا إلى العصر الحديث والدولة الوطنية في العراق. ونبيّن في كل مرحلة موقف السلطة الحاكمة من قبر الحسين وزوّاره، وأهم الأحداث العمرانية أو التخريبية التي شهدها المرقد.
2.1 العصر الأموي: بذور المشهد الحسيني تحت الحظر
في الفترة الأموية (41-132هـ/661-750م)، كانت السلطة الأموية تنظر بريبة وعداء إلى كل ما يمت بصلة لذكرى الإمام الحسين وأهل البيت. ورغم ذلك تذكر الروايات أن معالم أولية للمشهد الحسيني بدأت بالظهور حتى في تلك الحقبة المبكرة. فبعد دفن الإمام الحسين عام 61هـ، أقام بنو أسد علامة على القبر، ويُنقل أن تلك العلامة كانت بسيطة وواضحة ليستدل بها الزائرون الأوائل. وبقي القبر على حاله بلا بناء لفترة، بسبب الحالة الأمنية المشددة من قبل الأمويين التي لم تسمح للمجتمع الشيعي بإقامة مشاهد أو مزارات علنية. مع ذلك، تشير بعض المصادر إلى أنه في عام 65هـ (684م) وبعد نجاح ثورة المختار الثقفي في الكوفة، قام المختار بن أبي عبيدة الثقفي بخطوة جريئة تمثّلت في بناء مزار أولي حول القبر: إذ شيّد المختار سورًا أو حظيرة حول موضع القبر شكّلت مسجدًا صغيرًا، ونصب قبة بسيطة فوق القبر، وجعل للمزار بابين. تعتبر هذه الخطوة – إن صحت الرواية – التأسيس الأول لمشهد على قبر الحسين، وجاءت في ظل سلطات مناوئة لبني أمية (حكومة المختار الموالية لأهل البيت في الكوفة، وحكم عبد الله بن الزبير في مكة آنذاك) مما أتاح مجالًا لتكريم القبر علنًا.
غير أن هذا البناء المبكر لم يدم طويلاً، إذ بعد القضاء على حركة المختار وعودة السيطرة الأموية، من المرجّح أن القبة والسور أزيلت أو تدهورت مع الزمن تحت إهمال أو تعمّد من الولاة الأمويين. لم تسجّل المصادر الأموية الرسمية تفاصيل حول مصير قبر الحسين خلال حكمهم، لكن يُفهم ضمنيًا أن الأمويين لم يسمحوا بانتشار ظاهرة زيارته على نطاق واسع. فقد كانت أي تجمعات عند القبر أو مظاهر إحياء لذكرى الحسين تُعتبر فعلًا معاديًا للدولة الأموية التي وصمت حركة الحسين بالتمرد. لذا عاش قبر الحسين في العقود الأخيرة من الحكم الأموي حالة من التهميش والمراقبة، دون أن يشهد توسعات أو بناء إضافي. ومع ذلك، بقي محط زيارات سرية محدودة من قبل خواص الشيعة الذين خاطروا بأنفسهم للوصول إلى كربلاء والتبرك بالقبر، إحياءً لذكرى الإمام الشهيد.
2.2 العصر العباسي المبكر: التوسع الأول وقمع المتوكل
بتأسيس الدولة العباسية عام 132هـ/750م وانتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين، تنفّس العلويون وشيعتهم نسبيًا، خاصة في بدايات العهد العباسي حيث رفع العباسيون شعار نصرة أهل البيت لنيل التأييد. في تلك الفترة سُمح بإعادة إعمار المشهد الحسيني وتوسعته بشكل معتدل. تفيد الروايات أنه في عهد أول الخلفاء العباسيين أبي العباس السفاح (حكم 132-136هـ) تم إعادة تشييد ما تهدّم من معالم القبر، فبُني سقف أو ظلة فوق جزء من المسجد الصغير حول القبر وأُضيفت أبواب أخرى للمزار. وهكذا شهدت كربلاء أول إعمار عباسي للمشهد، تعزيزًا لمكانة أهل البيت التي ادّعى العباسيون تبنّيها في بدايتهم.
بيد أن هذا التسامح لم يستمر طويلاً؛ فقد تغيّرت سياسة العباسيين تجاه العلويين تدريجيًا بعد استقرار حكمهم. ففي عهد الخليفة أبي جعفر المنصور (حكم 136-158هـ) تذكر بعض المصادر أنه قام بـهدم السقف الذي وُضع على قبر الحسين وأمر بإزالة مظاهر البناء، ربما في سياق سياسته المتشددة ضد العلويين إثر ثوراتهم (كالنفس الزكية وإخوته). ورغم أن المنصور لم يهدم القبر نفسه، إلا أن خطوته تلك هدفت لتفكيك النواة العمرانية التي بدأت تتشكل حول المرقد.
ثم جاء عهد الخليفة المهدي بن المنصور (158-169هـ) أكثر تسامحًا، فأعاد بناء السقف فوق القبر عام 158هـ تقريبا، مما يشير إلى تأرجح السياسة العباسية بين التشدد والانفتاح بحسب الخليفة. وفي عهد هارون الرشيد (170-193هـ) حصل تطور خطير، إذ يُنقل أنه حوالي سنة 171هـ أصدر الرشيد أمرًا بـهدم المبنى والقبة التي على القبر مجدّدًا وقطع الشجرة أو العلامة التي كانت بجوار القبر. وقد علّل البعض فعلته بالرغبة في محو أي معالم يهتدي بها الزوار إلى القبر، ضمن حملة أوسع لتضييق الخناق على النهضة الشعائرية حول الحسين. كما فرض الرشيد إجراءات لمنع التجمهر عند القبر، حتى قيل إنه توعّد من يبني عنده أو يدلّ الناس عليه. يعكس هذا سياسة الخشية العباسية من تحول كربلاء إلى مركز روحي يستقطب المعارضين.
المفارقة أن الرشيد نفسه – وبحسب بعض الروايات – لما مرّ بكربلاء أثناء إحدى رحلاته إلى الحج، خاطب قبر الحسين قائلاً: "يا حسين يا ابن علي! أما إنّه لو كنتَ عندنا لما فعلنا بك هذا" ثم أمر من معه بطمس القبر. وعلى الرغم من ذلك يُنقل أنه سمح بإبقاء موضع القبر معرفًا وإن أزال المظاهر الخارجية. وبعد وفاة الرشيد، شهدت فترة الأمين (193-198هـ) بعض الانفراج، إذ يُذكر أنه في سنة 193هـ أعيد بناء المقام ورُفعت قبة من جديد. وربما ارتبط ذلك بتنافس الأمين مع أخيه المأمون واستمالة كل منهما لأطراف مختلفة بما فيها العلويون.
لكن ذروة الصدام بين الدولة العباسية وظاهرة زيارة القبر حصلت في عهد الخليفة المتوكل العباسي (232-247هـ) الذي اشتهر بعدائه الشديد للتشيع. ففي سنة 236هـ (850م) ارتكب المتوكل أخطر إجراء ضد مرقد الحسين، إذ أصدر أمرًا صريحًا بـهدم القبر والمشهد بالكامل وتسويته بالأرض. وقد نفّذ رجاله ذلك بلا هوادة، فهُدمت الأبنية وزُرع موضع القبر بالحراثة والزرع بأمره، حتى لا يبقى أي أثر يدل على مكانه. بل إن المتوكل أمر بإغراق المكان بالماء بعد حفره، في محاولة لمحو أي علامة. والأشد من ذلك أنه فرض طوقًا عسكريًا على منطقة كربلاء، وأصدر إنذارًا بأن أي شخص يُضبط يزور القبر سيُلقى به في السجن أو يُقتل. وجاء في رواية تاريخية أن المنادي نادى في تلك النواحي: "من وُجد بعد ثلاثة أيام عند قبر الحسين يُحبس في المطامير". وبالفعل انتشرت الدوريات لمنع أي زائر من الاقتراب لمسافة ميل من الموقع. أدت هذه الحملة العنيفة إلى إحجام الناس قسرًا عن زيارة كربلاء لفترة، وتحول المرقد إلى أرض مقفرة محروثة.
كانت دوافع المتوكل عقائدية وسياسية معًا؛ فقد عرف بعداؤه لأهل البيت حتى أنه كان يجبر الناس على السخرية من الإمام علي في مجلسه. ورأى في اجتماع الشيعة عند قبر الحسين خطرًا على هيبة دولته ووحدة رعيته المذهبية، فحاول استئصال هذا الرمز. ورغم هذا البطش، تذكر بعض الأخبار أن الشيعة المخلصين لم يتخلّوا كليًا عن زيارة القبر سرًا. يُروى مثلًا عن أحد المؤمنين أنه خاطر بحياته وتسلل ليلًا إلى مكان القبر أثناء حراسة جنود المتوكل، وبعد بحث مضنٍ اهتدى إلى موضعه الصحيح رغم اندثاره، فقبّله وبكى هناك. وقد وجد الزائر أن موضع القبر ما زال يفوح برائحة طيبة عطرة بشكل إعجازي، فوضع علامة خفية كي يعود إليه في المستقبل. هذه الرواية – وإن كانت ذات طابع كراماتي – تشير إلى استمرار الشوق لزيارة الحسين حتى تحت أقسى الظروف.
لم يدم تسلّط المتوكل طويلاً بعد ذلك، إذ قُتل سنة 247هـ، وتولّى ابنه المُنتصر بالله الخلافة. وكان المنتصر على النقيض من أبيه أكثر تعاطفًا مع العلويين، فبادر فورًا إلى إلغاء إجراءات المنع على قبر الحسين. سمح المنتصر للناس بزيارة القبر دون خوف، وأمر في سنة 247هـ بإعادة إعمار أولي: حيث أُعيد تحديد القبر وبُنيت عليه ظلة (سقف) مرة أخرى، وغُرست سارية من الحديد إلى جانبه لتكون علامة يُهتدى بها إلى مكانه. شكّل ذلك نقطة تحوّل، إذ استؤنفت حركة البناء حول المرقد تدريجيًا. لكن الدولة العباسية بعد المنتصر مرّت بضعف واضطرابات، فتعرض المرقد عام 273هـ للهدم مجددًا في إحدى الفتن. ثم في عام 280هـ سمح أحد ولاة الأمر (ربما خلال خلافة الموفق أو المعتمد) لممثل من العلويين بإعادة بناء قبة ومنشآت حول القبر، مع سور وبابين. ومع بداية القرن الرابع الهجري، كانت مراقد كربلاء قد استعادت جزءًا لا بأس به من رونقها وصارت مقصدًا معلنًا للزوّار، وإن ظلت تتأثر صعودًا وهبوطًا تبعًا لسياسات الخلفاء العباسيين المتعاقبين.
2.3 العصر البويهي: العصر الذهبي الأول لعمران المرقد
في عام 334هـ/945م دخلت الدولة العباسية مرحلة هيمنة نفوذ البويهيين (آل بويه الديالمة) الذين كانوا سلاطين شيعة اثني عشرية يحكمون فعليًا باسم الخليفة. وقد شكّل العصر البويهي نقطة مشرقة في تاريخ العتبات المقدسة، إذ حظي مرقد الإمام الحسين باهتمام رسمي ومباشر من حكام يؤمنون بقدسيته. أبرز هؤلاء كان السلطان عضد الدولة البويهي الذي زار كربلاء وأولى المرقد عناية فائقة. يروي المؤرخ ابن الأثير أنه في سنة 371هـ (981م) قام عضد الدولة بعملية توسعة كبرى: أعاد بناء القبة بشكل مهيب وأوسع من ذي قبل، وجدّد الأروقة المحيطة بالضريح، وأقام حول القبر شبكة أو سياجًا من الخشب الثمين (الساج) لحماية موضع الضريح. ولم يكتفِ بذلك، بل أمر بتخطيط مدينة كربلاء ككل، فشيّد بيوتًا وأسواقًا حول المشهد، وأحاط المدينة كلها بسورٍ عالٍ جعلها أشبه بالقلعة الحصينة. يُعتبر عضد الدولة بذلك أول من أسس عمران مدينة كربلاء بشكل حقيقي، جاعلًا من مرقد الحسين مركزها ومحورها.
استمر الخلفاء البويهيون والوزراء الشيعة بعد عضد الدولة في رعاية المرقد. ففي سنة 407هـ (1016م) وقع حريق كبير في المشهد بسبب سقوط شمعتين كبيرتين على الأخشاب المزخرفة، مما أدى إلى أضرار جسيمة. لكن الوزير الحسن بن فارس سارع إلى إصلاح ما تهدّم وأعاد البناء على نفقة الدولة. وهكذا أمكن تدارك آثار الحريق واستعادة زينة المرقد سريعًا.
شهدت تلك الحقبة أيضًا تنظيمًا أكبر لشعائر الزيارة والمآتم الحسينية. فقد دوّن الرحالة والمؤرخون وصفًا لكربلاء في القرن الرابع والخامس الهجريين بأنها باتت مدينة مزدهرة يزورها الناس من مختلف الأقطار في ذكرى عاشوراء والأربعين. كما أقيمت فيها مدارس وحلقات دراسية دينية قرب الضريح، مما يشير إلى أن المرقد غدا ليس مجرد مزار، بل حوزة علمية ونقطة إشعاع فكري أيضًا.
يمكن عدّ العصر البويهي العصر الذهبي الأول لعمران مرقد الإمام الحسين، حيث تمت أسلمته بمعنى تحويله إلى حرم مزخرف وواسع تحيط به مدينة عامرة محصّنة. ولم تسجّل في عهدهم أي حوادث هدم أو منع للزيارة من قبل السلطة، على العكس تماما، نال الزوار تسهيلات وتشجيعًا ضمنيًّا. ولهذا ترسّخت تقاليد الزيارة الجماعية والمواكب الحسينية العاشورائية بدءًا من تلك الحقبة؛ فمثلًا سُجّل أول موكب عزاء علني في بغداد سنة 963م زمن معز الدولة البويهي، مما يعكس مناخ الحرية النسبية لإحياء ذكرى كربلاء.
2.4 العصرين السلجوقي والمملوكي: بين الإهمال والرعاية المتقطعة
مع أفول نفوذ البويهيين ببغداد سنة 447هـ ودخول السلاجقة السنة إلى المشهد السياسي، ثم لاحقًا خضوع العراق لسيطرة ملوك محليين كالسلاجقة الصغار ثم المغول فالمماليك، مرّت كربلاء بفترات متفاوتة بين الإهمال أحيانًا والرعاية المحدودة أحيانًا أخرى. فعلى الرغم من أن السلاجقة (القرن 5-6هـ) كانوا سنة متشددين نوعًا ما، إلا أننا لا نجد سجلًا لاعتداءاتهم على المرقد الحسيني، ربما لانشغالهم بحروب أخرى وبعدهم النسبي عن كربلاء. بقي المرقد قائمًا بأبنيته التي أنشأها البويهيون، واستمر الزوار بالتردد عليه ضمن هوامش الحرية المتاحة.
في فترة الحكم المغولي والإيلخاني (القرن 7هـ/13م) بعد سقوط بغداد 656هـ، حظيت العتبات في كربلاء والنجف باحترام من بعض الإيلخانات الذين اعتنقوا الإسلام، ولا سيما السلطان غازان ثم أولجايتو الذين قيل إنهما تشيّعا أو مالا للتشيع. وهذا أدى إلى استمرار أعمال العناية. ففي سنة 720هـ تقريبًا يذكر أن السلطان المغولي المسلم أمر بصنع سياجات جديدة لقبر الحسين. أيضًا في سنة 620هـ (1223م) خلال أواخر العهد العباسي، قام الخليفة الناصر لدين الله بإعادة صنع الشباك الخشبي على الضريح، ما يدل على بقاء الاهتمام بالمرقد حتى قبيل الغزو المغولي.
أما خلال عصر الدولة الجلائرية (القرن 8هـ/14م) التي حكمت العراق بعد تفكك الإيلخانيين، فقد برزت إضافات معمارية مهمة. تشير المصادر إلى أن السلطان أويس الجلائري جدد قبة المرقد وزاد في ارتفاع جدران صحنه عام 757هـ (1356م). ثم في عهد ابنه أحمد بن أويس حوالي 780هـ (1378م) أقيمت في كربلاء منارتان عاليتان مغلفتان بالذهب لأول مرة، كما تم توسيع ساحة المرقد (الصحن) لتستوعب أعدادًا أكبر من الزوار. ويُعد إنشاء المنارتين نقطة معمارية بارزة، حيث أصبحتا مع القبة تشكل معلمًا مميزًا لأفق المدينة.
في وقت لاحق من القرن 9هـ/15م، خضعت العراق لفترات من حكم قبائل تركمانية (قره قويونلو وآق قويونلو) ولم تذكر تقارير عن تغيير كبير في وضع المرقد خلالهم، وربما استمر بالوضع نفسه. إجمالاً، تميّزت هذه العصور بعدم التعرض لهدم المشهد مطلقًا من قبل السلطات، وإن كان الاهتمام يتفاوت. بقي القبر مزارًا مقدسًا مقصودًا من شيعة العراق وخارجه، ووجد الدعم أحيانًا من الحكام المسلمين الذين قدروا مكانته. ولم تسجل في تلك القرون حوادث منع جائر للزيارة كالتي شهدها عصر المتوكل سابقًا. ومع حلول القرن العاشر الهجري، كان المرقد لا يزال قائمًا وشامخًا بمناراته ومبانيه، بفضل جهود تعاقبت منذ البويهيين حتى الجلائريين، رغم ما تعرض له من محن (كالحريق) جرى تداركها بسرعة.
2.5 العصر الصفوي والعثماني: ازدهار وتحديات
مع بزوغ الدولة الصفوية الشيعية في إيران (1501م) وتصادمها مع الدولة العثمانية السنية على العراق، دخلت كربلاء حقبة حساسة. تبادل الصفويون والعثمانيون السيطرة على العراق (وبضمنه كربلاء) عدة مرات في القرنين 16-17م. خلال الفترات التي حكم فيها الصفويون كربلاء، أغدقوا الاهتمام على المرقد الحسيني باعتباره أحد أهم المواقع المقدسة لمذهبهم. فبعد دخول الشاه إسماعيل الصفوي بغداد عام 1508م، زار كربلاء وقام بإهداء ضريح نفيس (سرج مصنوع بعمل دقيق) على قبر الحسين عام 920هـ (1514م). كما يذكر أن الشاه طهماسب الأول (حكم 1524-1576م) قام بتزيين قبة مرقد العباس في كربلاء عام 1032هـ، ووضع شباكًا حول ضريحه، مما يدل على عناية الصفويين بكربلاء عمومًا.
عندما استعاد العثمانيون العراق في عهد السلطان سليمان القانوني (1534م)، أبقى على احترام العتبات ولكنه لم يحدث تطويرات بارزة. عاد الصفويون لفترة قصيرة في عهد الشاه عباس الأول الذي احتل بغداد (1624-1638م)، فاهتم مجددًا بكربلاء: قام الشاه عباس الكبير عام 1032هـ (1622م) بصنع شباك (ضريح) جديد من النحاس الأصفر المذهب حول قبر الحسين، وزيّن القبة ببلاطات القاشاني الزرقاء لتضفي رونقًا فارسيًا عليها. غير أن العثماني مراد الرابع ما لبث أن استعاد العراق عام 1638م، وزار كربلاء بنفسه. وبالرغم من أنه كان متشددًا دينيًا، إلا أنه لم يمس القبر بأذى؛ كل ما فعل هو تبييض القبة بالجص سنة 1048هـ (1638م) ربما لإزالة نقوش البلاط الصفوي وإظهار هيبة الدولة العثمانية، ولكن دون تخريب. وهكذا بقيت القبة قائمة وإن تغير مظهرها الخارجي.
عموماً، انتهجت الدولة العثمانية سياسة التسامح النسبي مع زيارة العتبات، فسمحت للزوار الإيرانيين والعثمانيين الشيعة بالتوافد، وإن فرضت أحيانًا رقابة وتنظيمًا إداريًا على المدينة. برز تحدٍ كبير أمام كربلاء في أوائل القرن التاسع عشر تمثل بهجوم الوهابيين النجديين على المدينة. ففي 1216هـ/1802م شنَّ آل سعود الوهابيون غارة مفاجئة على كربلاء حين كانت الحامية العثمانية غائبة. دخل المهاجمون المدينة وقتلوا الآلاف من سكانها بوحشية (تقدّر المصادر الضحايا بين 2,000 إلى 5,000 شخص)، واقتحموا حرم الإمام الحسين فسرقوا الكنوز النفيسة المتراكمة على الضريح من ذهب وجواهر ونفائس أوقفها المسلمون عبر القرون. كما قام الوهابيون بهدم القبة وإتلاف أجزاء من المرقد خلال ذلك الهجوم، معتبرين تعظيم القبور شركًا وفق معتقدهم المتشدد. استمر الهجوم الدموي لساعات تخلله نهب شامل، ثم انسحبوا حاملين غنائمهم على مئات الجمال. هذه الحادثة شكّلت فاجعة كبرى لدى الشيعة آنذاك ووصفت بأنها "مذبحة كربلاء" التي ارتكبها أعداء آل البيت. وبالرغم من وحشيتها، استطاع أهالي كربلاء بدعم من الدولة العثمانية وإيران معًا ترميم الأضرار في السنوات التالية. إذ تشير المصادر إلى أن السلطان فتح علي شاه القاجاري (ملك فارس) بادر بعد تلك الحادثة بإرسال عون مالي كبير لإعادة إعمار المرقد، فتم إصلاح القبة وبناء ما تهدّم وإعادة تذهيب الأضرحة. وبحلول 1217هـ (1803م) كانت أعمال الترميم قد أنجزت وعاد المرقد إلى حال أفضل مما كان عليه.
واجهت كربلاء امتحانًا آخر عام 1258هـ/1843م ولكن على يد السلطة العثمانية نفسها هذه المرة. فقد شهدت المدينة حالة تمرّد واضطراب أمني بسبب صراعات بين العشائر والوجهاء المحليين وتدخل الإيرانيين المقيمين هناك، مما أضعف هيبة الدولة العثمانية في المنطقة. فقرّر والي بغداد العثماني محمد نجيب باشا شنّ حملة لإخضاع كربلاء وفرض النظام. ضرب نجيب باشا حصارًا على المدينة أواخر 1842م ثم اقتحمها في يناير 1843م بالقوة العسكرية. أسفرت العملية عن مجزرة مروعة داخل المدينة، حيث قُتل نحو 3000 من سكان كربلاء أثناء الاقتحام، إضافة إلى حوالي 2000 من رجال العشائر خارجها. ودُمّر خلال ذلك جزء من البنى التحتية للمدينة، ودخلت القوات العثمانية باحات الضريحين. تذكر التقارير أن الجنود العثمانيين انتهكوا حرمة المرقد لفترة وجيزة فنهب بعضهم الممتلكات الثمينة، حتى أنهم أدخلوا الخيل إلى صحن العباس مما عده الشيعة إهانة بالغة. وبعد إخضاع التمرد، قام نجيب باشا بتعيين حامية دائمة في كربلاء لضبط الأمن وعاد واحترم قدسية المرقد فأمر بدفن الجثث وإعادة النظام. لكن أثر تلك الحملة كان عميقًا في نفوس الشيعة، إذ رأوا فيها امتدادًا لسياسات التضييق وإن كانت بذريعة فرض السلطة المركزية. وقد احتجت إيران رسميًا على ما اعتبرته "مذبحة كربلاء الثانية" عام 1843م، وتوترت العلاقات الإيرانية-العثمانية على خلفيتها.
رغم هذه المحن، استمر اهتمام السلاطين العثمانيين بكربلاء في أواخر القرن 19. فالسلطان عبد المجيد الأول مثلا أمر عام 1283هـ/1866م بتوسعة صحن المرقد ليستوعب الزوار المتزايدين. كما جددت تذهيب القبة عدة مرات في تلك الفترة، إذ يذكر أن السلطان القاجاري ناصر الدين شاه قام بإرسال ألواح ذهب جديدة لتذهيب قبة الإمام الحسين حوالي 1287هـ. كذلك ساهم أثرياء الشيعة الهنود (البحارنة) والإيرانيون في تلك الحقبة بترميم الأروقة وإنشاء بوابات جديدة للصحن سميت بأسماء واقفيها.
مع انتهاء الحكم العثماني خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، كانت معالم المرقد الحسيني قد ترسّخت كما نعرفها اليوم: قبة ذهبية شاهقة، ومنارتان مذهبتان، وصحن واسع بعشرة أبواب يحيط به رواق وغرف تدرس فيها العلوم الدينية. ودخل مرقد الحسين القرن العشرين وهو قبلة مهيبة للملايين، يقصدونه في المواسم المعلومة وخاصة عاشوراء والأربعين.
2.6 العصر الحديث (من الدولة الملكية إلى جمهورية العراق وما بعدها)
بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني ثم الملكية الهاشمية (1921م فصاعدًا)، تمتعت كربلاء بوضع مستقر نسبيًا. لم يتعرض المرقد لأي اعتداء في حقبة الانتداب أو العهد الملكي، بل استمر تقليد الزيارة بحرية معقولة. برغم التوتر بين بعض الحكومات الملكية والنشاطات السياسية لرجال الدين الشيعة، إلا أن الشعائر الحسينية لم تُمنع بشكل رسمي، وبقي الزوار الإيرانيون يتدفقون سنويًا بدون عقبات كبيرة. شهدت كربلاء عام 1920م انطلاق شرارة ثورة العشرين ضد البريطانيين بقيادة العلماء الشيعة، لكن البريطانيين أنفسهم لم يمسّوا المرقد بأذى مباشر أثناء قمعهم للثورة.
في عام 1932م نال العراق استقلاله ونشأت الدولة الملكية. خلال هذه الحقبة وحتى سقوطها عام 1958م، استمر إعمار العتبات. ففي عام 1358هـ/1939م قدّم زعيم طائفة البهرة الإسماعيلية السيد طاهر سيف الدين شاشة فضية جديدة كهدية لضريح الإمام الحسين، وثبّتت مكان الشباك الخشبي القديم. كما ساهم بإنشاء منارة غربية جديدة عام 1940م. وفي أواخر الأربعينيات نفذت الإدارة المحلية مشروعًا لنزع بعض البيوت المحيطة بالصحن لتوسيع الطرق حوله وتسهيل حركة الزوار. وبذلك دخل المرقد عهد الجمهورية (من 1958م) وهو في حالة معمارية جيدة.
مع تحوّل نظام الحكم إلى الجمهوري ثم وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1968م، بدأت فصول جديدة من العلاقة المتوترة مع المراقد الشيعية. اتسمت سياسة نظام البعث (خاصة في عهد صدام حسين منذ 1979م) بالعلمانية القومية ظاهريًا، وبشكوك عميقة تجاه النشاطات الدينية الشعبية التي يمكن أن تتحدى ولاء الناس للنظام. وعليه، شهدت زيارة الأربعين تحديدًا تضييقًا ومنعًا متكررًا في السبعينات والثمانينات. أصدر النظام قرارات تحدّ من التنقل إلى كربلاء في موسم الأربعين، ومنع المواكب الزائرة مشيًا على الأقدام. بلغت المواجهة ذروتها في شباط 1977م حين اندلعت انتفاضة صفر (انتفاضة الأربعين) الشهيرة في مدينتي النجف وكربلاء. ففي ذلك العام قرر البعث منع السير إلى كربلاء نهائيًا، لكن آلاف المؤمنين خرجوا تحدّيًا للمنع مشيًا من النجف نحو كربلاء مردّدين الشعارات الحسينية. حاولت قوات الأمن والشرطة إرجاعهم بالقوة وأطلقت النار على البعض، فسقط شهداء من الزوار. وبرغم ذلك وصل قسم من المسيرة إلى كربلاء تحت وابل من رصاص الأمن يوم 20 صفر 1397هـ. اعتقل النظام الآلاف من المشاركين، وأعدم عددًا من قادة الانتفاضة لاحقًا. كانت تلك الانتفاضة نقطة مفصلية كرّست أهمية الأربعين كفعل مقاومة للظلم، وأظهرت مدى استعداد الشيعة للتضحية في سبيل زيارة الحسين حتى في العصر الحديث.
واصل نظام صدام سياساته القمعية في الثمانينات، ففرض رقابة شديدة ومنع أي تجمعات دينية كبيرة خارج نطاق تحكمه. ومع أن الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م) أشغلت النظام عن التضييق الاجتماعي، إلا أن كربلاء بقيت تحت أعين الأمن. وبعد انتهاء الحرب، وفي أعقاب هزيمة الكويت 1991م، انتفض الشيعة مجددًا في انتفاضة شعبان 1411هـ/مارس 1991م شاملةً معظم مدن الجنوب ومنها كربلاء. سيطر الثوار لبضعة أيام على كربلاء وطردوا البعثيين، لكن سرعان ما ردّ النظام بوحشية لاستعادة المدن. تعرضت كربلاء لقصف عنيف واجتياح من الحرس الجمهوري، وارتكب أتباع صدام مجازر مروعة بحق المدنيين والمقاتلين على حد سواء. ولم يسلم الحرم الحسيني والعباسي آنذاك، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن الجيش قصف قبة المرقدين بالمدفعية والطائرات المروحية، ودخل الجنود ساحات الحرم واستباحوها. دُمّرت أجزاء من جدران الروضة الحسينية، وتضررت الزخارف الداخلية بفعل القذائف. كما استخدمت قوات الأمن الأضرحة كمراكز للاعتقال والتعذيب خلال قمع الانتفاضة، فحُبست أعداد من الناس داخل حرم الإمام الحسين وقُتلوا هناك في انتهاك صريح لحرمة المكان. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش حجم الضرر اللاحق بالمرقد ووصفته بأنه كان الأفدح منذ قرون. استغرق ترميم الأضرار عدة سنوات تالية بهدوء وتحت إشراف دقيق من الدولة، وأُعيد تبليط القبة وترميم الضريح قبيل منتصف التسعينات.
في بقية عقد التسعينات، منع نظام صدام أي إحياء مستقل لعاشوراء والأربعين. لكن رغم البطش، لم تستطع السلطة اقتلاع جذور الزيارة كليًا؛ فقد استمر الناس بإحياء عاشوراء ضمن الحدود المسموحة (مسيرات داخل كربلاء تحت إشراف حزب البعث)، فيما كانت مواكب الأربعين السرية تخرج من بعض القرى ليلًا في دروب نائية تفاديًا لعقوبات النظام. ومع سقوط نظام صدام في إبريل 2003م إثر الغزو الأمريكي، حدث انقلاب جذري في أوضاع كربلاء. فُتحت الأبواب على مصاريعها لتوافد الزوار دون قيود لأول مرة منذ عقود، بل قرون. عاد ملايين الشيعة لإقامة مراسم عاشوراء والأربعين علنًا وبزخم منقطع النظير. يقدّر أنه في الأربعين الأول بعد سقوط النظام (صفر 1425هـ/مارس 2004م) زار كربلاء نحو مليوني شخص، مقارنة بعدم وجود أي مسيرة جماعية لعقود سابقة. ورغم أن الوضع الأمني كان مضطربًا بوجود الاحتلال والجماعات الإرهابية، أصرّ الزوار على إحياء الشعيرة. وبالفعل تعرضت مواكب الأربعين سنة 2004م لتفجيرات إرهابية من تنظيمات مرتبطة بالقاعدة، أسفرت عن سقوط مئات الشهداء من الزوار في كربلاء وبغداد. لكن ذلك لم يُثنِ الملايين عن المضي قدمًا. سنة بعد سنة تزايدت أعداد المشاركين بشكل هائل حتى تجاوزت عشرين مليون زائر سنويًا في مواسم الأربعين الأخيرة، لتصبح كربلاء مسرحًا لأكبر تجمع بشري سنوي سلمي في العالم. يؤمّها الناس مشيًا على الأقدام لمسافات طويلة من داخل العراق وخارجه، خدمةً لنذرهم وحبًا في الحسين. وقد سجلت إحصاءات رسمية عراقية مشاركة زوار من عشرات الجنسيات المختلفة، بما فيها مسلمون من أوروبا وأمريكا، بل ومسيحيون قدموا تضامنًا. وتحولت الزيارة الأربعينية إلى ظاهرة عالمية تتناولها وسائل الإعلام الدولية كملحمة إيمانية وخدمية قلّ نظيرها.
لم تخلُ حقبة ما بعد 2003م من التحديات الأمنية؛ فبين 2005-2014م استهدفت تنظيمات تكفيرية الزوار بتفجيرات عدة خلال عاشوراء والأربعين، بيد أن الأجهزة الأمنية العراقية وقوات الحشد الشعبي تمكنت لاحقًا من تأمين الطرق بشكل كبير. وبعد دحر تنظيم داعش 2017م، تنفس الزوار الصعداء وانطلقوا بالملايين دون خوف. وشهدت الخدمات للزوار طفرة نوعية: آلاف المواكب على طول الطرق تقدم الطعام والمأوى والخدمات الصحية مجانًا، حتى وُصف ذلك بـ"كرنفال ثقافي وخدمي" هائل. ومع مضي الوقت، لم تعد زيارة الأربعين مجرد شعيرة دينية، بل صارت رمزًا لوحدة الشيعة وقوتهم العددية وتنظيمهم بحيث يستعرضون وجودهم إقليمياً ودولياً. ولم تعد ذات طابع طائفي معترض كما قبل 2003، بل باتت أيضًا مناسبة لإظهار قيم التكافل والسلام، حيث يشارك بها حتى السنة والمسيحيون رمزياً، وتحظى باحترام الكثيرين.
يمكن القول إن مرقد الإمام الحسين انتقل عبر الأزمنة من قبر مخفي محاصر إلى مزار عالمي مشهود. فبرغم كل حملات الهدم والمنع التي واجهها، بقي شامخًا، وعاد ليزدهر كلما زالت الغمة. وما نراه اليوم من قباب ذهبية وباحات تعجّ بالملايين هو ثمرة قرون من الصمود والتضحيات في سبيل إبقاء شعلة كربلاء متقدة في الوجدان الإسلامي.
الفصل الثالث: الرمزية الدينية والاجتماعية لقبر الحسين في الفكر الشيعي
يحظى قبر الإمام الحسين بمكانة فريدة في العقيدة والممارسات الدينية الشيعية، حتى صار رمزًا دينيًا واجتماعيًا مركزيًا يختزل معاني عميقة. فأولاً من الناحية العقائدية، يمثل الحسين عند الشيعة نهج التضحية في سبيل الله ومقارعة الظلم، وزيارته تعد عملًا تعبديًا جليلًا يتقرّبون به إلى الله. وقد وردت نصوص كثيرة عن أئمة أهل البيت تحث شيعتهم على زيارة قبر الحسين رغم المخاطر، وتعدهم بالأجر الجزيل. روي عن الإمام جعفر الصادق (ع) قوله: "من أتى قبر الحسين عارفًا بحقه كان كمن حجّ مئة حجة مع رسول الله" (مضمون حديث). بل جعلوا من علامات المؤمن زيارة الحسين في الأربعين. هذه الروايات كرّست الاعتقاد بأن الزيارة مصدر للبركة ودفع البلاء وتكفير الذنوب. لذا نرى حتى في الأزمنة التي اشتدت فيها الأخطار، كان المؤمنون يفدون إلى كربلاء سرًا لأنهم يستشعرون قداسة خاصة في تلك البقعة. وينقل التراث الشيعي أن تربة كربلاء التي ضمّت جسد الحسين تمتلك كرامة إلهية، فهي "شفاء من كل داء" وتستعمل للتداوي رمزًا. كما يعتبرون أن الدعاء عند قبر الحسين مستجاب وأن النفوس تتطهر بالبكاء في رحابه.
من الناحية الرمزية، غدا قبر الحسين مركز استلهام روحي وأخلاقي. فالحسين الذي ضحّى بنفسه دفاعًا عن الحق صار قدوة (أسوة) يقتدي بها الشيعة في حياتهم اليومية. وابتكر الشيعة الشعار المشهور: *"كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء"*، وهو تعبير يرمز إلى أن الصراع بين الحق والباطل متجدد في كل زمان ومكان، وأن موقف الحسين البطولي ينبغي أن يُستحضر دائمًا في مواجهة الظلم. ومن هذا المنطلق، صار مرقد الحسين تجسيدًا حيًا لذاكرة المظلومية والانتصار المعنوي. فالزائر للمرقد يستحضر مأساة كربلاء بكامل تفاصيلها، ويشارك رمزيًا في نصرة الحسين عبر التوافد إلى قبره وإعلان الولاء له والتبرؤ من أعدائه. هذه الممارسة تمنح الزائر شعورًا بالارتباط الروحي المباشر بالإمام الشهيد، وكأنه يُسمعه قسم الولاء: "لبيك يا حسين".
كما أن الشعائر الاجتماعية المرتبطة بالقبر كرّست قيمًا اجتماعية مهمة. فالمواكب والزيارات الجماعية عززت روح التضامن والتكافل بين الشيعة. نرى ذلك بوضوح في الخدمة المجانية للزوار في الأربعين – من إطعام وإيواء وعلاج – حيث يتسابق الآلاف لخدمة إخوتهم في مشهد أخّاذ للوحدة الاجتماعية. هذه الخدمات لم تأتِ بتخطيط دولة أو مؤسسة، بل هي عفوية شعبية بدافع الحب للحسين وزواره. وبذلك أصبح المرقد مدرسة للأخلاق: يعلم الناس البذل والعطاء بدون مقابل، والصبر على مشقة السفر، واحترام الغير بغض النظر عن جنسه أو لونه، حيث يشارك في المسيرة الصغير والكبير والرجل والمرأة بل وحتى غير المسلمين في أجواء يسودها التعاون. إن صورة الملايين وهم يمشون جنبًا إلى جنب أيامًا طويلة متحملين التعب من أجل هدف روحي، هي صورة لها دلالات اجتماعية وروحية عميقة عن قوة الإيمان عندما يتحول إلى ظاهرة جمعية.
وفوق ذلك، يوفّر المرقد إطارًا للهوية الجماعية؛ فالشيعي يعرف نفسه بأنه "من زوار الحسين". وتبادُل هذه الهوية يوفر شعورًا بالانتماء إلى جماعة أوسع ممتدة عبر التاريخ. وعند القبر تذوب الفوارق الاجتماعية: الغني والفقير يقفان سويًا باكيَين على مصاب الحسين، والمسؤول والمواطن العادي ينحنون أمام قدسية المقام. هذا يخلق نوعًا من المساواة الاجتماعية المؤقتة حيث الجميع إخوة في حضرة الإمام الشهيد.
ولا يغيب البعد العَقَدي في فهم رمزية القبر؛ فالحسين في العقيدة الشيعية حيٌ عند ربه يُرزق، يسمع سلام الزائرين ويردّه، ويرجى شفاعته يوم القيامة. ولذا فالوقوف عند قبره أشبه بالمثول بين يدي إمام حي مقدس. وتؤكد الزيارات المأثورة (مثل زيارة عاشوراء وزيارة الأربعين) على مخاطبة الحسين واستذكار مقامه الرفيع. وهذا يمنح الزائر شعور التواصل عبر الزمن مع أئمته والتجذر في ولاء تاريخي ممتد منذ كربلاء وحتى اليوم.
باختصار، يمثل قبر الإمام الحسين نقطة محورية تلتقي عندها أبعاد متعددة: بعد ديني تعبّدي (الزيارة وثوابها)، بعد عاطفي (الحزن والبكاء والفداء)، بعد اجتماعي (التجمع والوحدة والتكافل)، وبعد رمزي سياسي (رفض الظلم واستلهام الثورة). وقد اندمجت هذه الأبعاد لتصوغ ما يمكن تسميته "الثقافة الحسينية" التي تدور حول كربلاء وقبر الحسين. لذا قيل بحق إن زيارة الحسين ليست مجرد رحلة إلى مكان مقدس، بل هي رحلة إلى قلب الهوية الشيعية نفسها.
الفصل الرابع: الدور السوسيولوجي والسياسي لقبر الحسين في تشكيل الهوية والمقاومة
إلى جانب أهميته الدينية، كان لقبر الإمام الحسين دور سوسيولوجي وسياسي بارز في بلورة هوية الشيعة كجماعة متميزة وفي إلهام حركات المعارضة على مر التاريخ. شكّلت ذكرى كربلاء بما تحمله من معاني ظلم وعدالة ركيزة للوعي الجماعي الشيعي، ومثّل القبر مركز هذا الوعي. فمنذ العصور الأولى، استشعر الشيعة أنهم جماعة متمايزة عبر إحيائهم لمصاب الحسين وتحديهم للسلطات التي حاولت منع ذلك. إن اشتراك الأفراد في طقوس جماعية حول رموز مشتركة (كالمأتم والزيارة) أدى إلى تكوين شعور عميق بالانتماء إلى جماعة عابرة للزمان والمكان. يلاحظ الباحثون الاجتماعيون أن مراسم عاشوراء والزيارات كانت بمثابة آلية لإحياء الذاكرة الجمعية لدى الشيعة، مما ساعد على توحيدهم وإيجاد شعور بالهوية المشتركة. يعلق المؤرخ ييتسحاق نقاش بأن شعائر محرم، وخاصة زيارة كربلاء، لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ الذاكرة الجمعية والهوية الجماعية للطائفة الشيعية. كذلك يرى الأنثروبولوجي مايكل فيشر أن إحياء واقعة كربلاء سنويًا لا يمثل مجرد سرد تاريخي، بل يقدم نموذجًا paradigميًا للسلوك والخيارات الحياتية للشيعة، أطلق عليه "نموذج كربلاء". فهذا النموذج يزود الشيعة بـ"معايير حياتية وأخلاقية" مستمدة من تضحية الحسين وأهل بيته، يمكن إسقاطها على مختلف مناحي حياتهم. أي أن كربلاء أصبحت مرجعية معيارية يستلهم منها الشيعي مواقفه تجاه الظلم والعدالة والصبر والتضحية.
سياسيًا، لطالما مثّلت قصة الحسين رايةً رفعتها الحركات التي تنشد الإصلاح أو الثورة ضد الاستبداد. كان أول استثمار سياسي لذكرى الحسين هو ثورة التوابين والمختار في الكوفة (64-67هـ) تحت شعار "يا لثارات الحسين". وعلى مدى تاريخ الدولة الأموية والعباسية، قادت عدة انتفاضات شيعية رايات تحمل اسم الحسين أو شعار الثأر له. ولم يكن ذلك مجرد عاطفة دينية، بل لأن كربلاء قدمت إطارًا نظريًا للمظلومية والمقاومة: فكل ثائر مظلوم شبه نفسه بالحسين، وشبّه خصمه بيزيد أو ابن زياد. وهكذا أصبح خطاب "نحن الحسينيون وأنتم اليزيديون" عنصرًا تعبويًا قويًا.
حتى في العصر الحديث، استُلهمت ثورات وحركات إصلاحية من نموذج كربلاء. ففي الثورة الإسلامية في إيران 1979م، استحضر الإمام الخميني مبادئ كربلاء باستمرار، ورفع شعار "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" لحث الشعب على الصمود والتضحية في مواجهة نظام الشاه (الذي صوّروه بدور يزيد). ويجمع الباحثون أن ثقافة عاشوراء التي أحياها الإيرانيون في سبعينات القرن العشرين كانت من العوامل الروحية التي صقلت إرادة الثوار. كذلك في جنوب لبنان، استلهمت حركة المقاومة (حزب الله) أدبياتها من عاشوراء، وصوّر قادتها صراعهم مع الاحتلال الإسرائيلي كامتداد لصراع كربلاء بين الحق والباطل. بل إن الأمين العام لحزب الله أعلن غير مرة "لن نركع إلّا لله... هيهات منّا الذلة"، مقتبسًا شعار الإمام الحسين، لتعبئة أتباعه ضد العدو.
وعندما ننظر للمجتمع الشيعي في العراق مثلاً، نجد أن زيارة الأربعين تحت حكم صدام تحولت تدريجيًا إلى عمل احتجاجي سلمي ضد قمع النظام. فالشيعة الذين حُرموا من التعبير السياسي وجدوا في المسير إلى كربلاء تعبيرًا عن ولاء مخالف لولاء الحزب الحاكم. وحين واجههم النظام بالعنف عام 1977م، ازدادت قداسة الأربعين لديهم لأنها اقترنت بالدماء والتضحية، فأعادت إحياء معادلة كربلاء (سلطة قاهرة مقابل مستضعفين ثائرين) بشكل معاصر. لهذا يقول بعض المحللين إن انتفاضة 1977 مهدت ذهنيًا لانتفاضة 1991م، إذ بثّت روح كربلاء في جيل جديد.
من جانب آخر، لعب مرقد الحسين دورًا كعامل توازن سياسي في المجتمع. فوجود مرجعية روحية عليا (الولاء للحسين) خفّف من اندماج الشيعة في مشاريع أيديولوجية مضادة. بمعنى أن الهوية الدينية المرتبطة بكربلاء منعت ذوبان الهوية الشيعية في إيديولوجيات علمانية قومية مثلا. وقد لاحظ باحثون أن رغم محاولة نظام البعث طمس الخصوصيات، بقيت مجالس العزاء والزيارات تقوي شعور الفرد الشيعي بانتمائه المميز، مما صعّب على السلطة تحويله إلى تابع مطلق للحزب.
كما أفرزت الزيارات والحشود المليونية نوعًا من إبراز القوة الناعمة للطائفة. فاليوم عندما يجتمع أكثر من 20 مليون إنسان في كربلاء في الأربعين، فإن لذلك رسالة سياسية ضمنية بأن هذه الأمة قادرة على التنظيم والتعبئة دون حاجة لدولة ترعاها، مما يرهب أعداءها. وقد صرّح أحد الكتّاب أن مسيرة الأربعين "استفتاء سنوي على ولاء الشيعة لقضاياهم وهويتهم". حتى أن بعض المحللين رأى فيها ديمقراطية شعبية دينية حيث يعبّر ملايين الناس عن مواقفهم بوضع القدم في الطريق إلى كربلاء، بلا صندوق اقتراع بل بسيل بشري هادر.
ومن الزاوية السوسيولوجية الخالصة، يمكن القول إن طقوس كربلاء حققت للشيعة ما حققته الأعياد القومية للشعوب: وحدة شعور وانصهار فئات المجتمع المختلفة في بوتقة مشتركة. فمثلما تجمع المناسبات الوطنية أبناء البلد لتذكّر رمز مؤسس، تجمع عاشوراء والأربعين الشيعة لتذكّر رمز شهادتهم المؤسسة. وهذا أسهم عبر العصور في بقاء الهوية المذهبية الشيعية متماسكة رغم كل محاولات التفريق والاضطهاد. وقد أظهرت دراسات معاصرة أن المجتمعات التي تحافظ على شعائر جمعية قوية تكون أقدر على الصمود والمرونة أمام الضغوط الخارجية.
ومن الناحية النفسية الاجتماعية، يوفر قبر الحسين ملجأً للتنفيس عن الآلام والضغوط. فالبكاء الجماعي في الحضرة الحسينية خلال زيارة عاشوراء أو الأربعين يعمل كصمام أمان نفسي، يُفرغ فيه الناس شحناتهم الانفعالية بطريقة مقبولة اجتماعيًا ومقدسة دينيًا. وهذا يقلل مثلاً من حالات العنف الداخلي، لأن الناس يصبون غضبهم على يزيد التاريخي بدل الاشتباك مع واقعهم بشكل فوضوي. وهكذا لعبت كربلاء دورًا في تحويل الغضب الشعبي إلى طاقة إصلاحية منظمة بدل أن تكون تدميرية.
في الخلاصة، أدّى قبر الإمام الحسين وظاهرة كربلاء دورًا مركزيًا في بناء الهوية الشيعية وتماسكها، وفي تحفيز حركاتها الاحتجاجية والمطلبية عبر التاريخ. لقد قدّم نموذجًا ثقافيًا للمظلومية البطولية: فكل فرد شيعي يرى في نفسه مشروع حسين إذا ما وقع عليه ظلم، ويرى في خصمه مشروع يزيد ينبغي رفضه. وهذا النموذج يستلهم شرعيته ومفرداته من قصة الحسين وقبره. من هنا لا عجب أن الأنظمة القمعية كانت تخشى كربلاء وتهاب موسمها، وتسعى إلى تطويق دلالاته. فهو ليس مجرّد مزار ديني، بل منبر حرية ومدرسة رفض تخرج منها الملايين وقد تعلّموا أن هزيمة الظلم ممكنة ولو بعد حين. ولعل هذا ما عبّر عنه الباحث عبد العزيز ساشدينا بقوله إن كربلاء أصبحت "قوة دافعة لعديد من الثورات الشيعية عبر التاريخ، وأن الثأر لها ظلّ هدفًا لكثير من حركاتهم السياسية وحتى لانتظار الإمام المهدي".
الفصل الخامس: الدراسات الأكاديمية الحديثة حول كربلاء وزيارة القبر (وخاصة زيارة الأربعين)
أثارت كربلاء وظاهرة زيارتها اهتمام العديد من الباحثين المعاصرين في مجالات التاريخ وعلم الاجتماع والدراسات الدينية، نظرًا لتأثيرها المستمر واتساع نطاقها في الزمن الحاضر. فقد تناولت دراسات حديثة عدة الموضوع من زوايا مختلفة: تاريخية وأنثروبولوجية وسياسية. وسنستعرض في هذا الفصل بعض أبرز ما توصلت إليه البحوث الأكاديمية الحديثة بخصوص كربلاء وثقافة زيارة قبر الحسين، مع تركيز خاص على زيارة الأربعين كونها اليوم أكبر تجمع ديني سنوي في العالم.
على الصعيد التاريخي، قدّم مؤرخون أمثال ييتسحاق نقاش (Nakash) في كتابه "شيعة العراق" (1994) تحليلاً لتطور الشعائر الحسينية وعلاقتها بالهوية الشيعية الوطنية في العراق. أوضح نقاش كيف أن المواكب الحسينية وزيارات كربلاء حافظت على الشعور المذهبي لدى الشيعة إبّان خضوعهم للدولة العثمانية ثم العراقية الحديثة. ورأى أن إحياء ذكرى عاشوراء بشكل علني منذ أواخر العهد العثماني كان فعلًا له أبعاد سياسية، إذ مثّل حينها مطالبة ضمنية بحقوق الجماعة الشيعية. كما درست بحوث أخرى (مثال: دراسات خوان كول وموجان مومن) أحداثًا مفصلية مثل هجوم 1843م العثماني على كربلاء، كحالة لدراسة علاقة الدين بالدولة والنفوذ الأجنبي. وقد حلّل خوان كول تلك الحادثة ضمن ورقة بعنوان "المافيا والتشيّع في العراق: تمرد كربلاء 1824-1843" مبرزًا تفاعل القوى الاجتماعية (العشائر، رجال الدين، العصابات الحضرية) في حماية المرقد أو استغلاله.
أما من الجانب الأنثروبولوجي والسوسيولوجي، فقد لاقت زيارة الأربعين تحديدًا اهتمامًا متزايدًا في العقدين الأخيرين، بعدما تنبه العالم لحجمها الاستثنائي. يصف علماء الاجتماع زيارة الأربعين بأنها ظاهرة فريدة تجمع بين الدافع الديني والامتداد الثقافي والشعور الوطني. ففي ورقة بحثية حديثة للباحثة سوده منصوري (Soodeh Mansoori) 2024 بعنوان "مسيرة الأربعين: من طقس طائفي إلى حج عالمي"، جرى تحليل التحولات في معنى الزيارة قبل 2003 وبعدها. خلصت الباحثة إلى أن الأربعين انتقلت من رمز للاحتجاج الطائفي ضد التهميش (قبل سقوط صدام حيث كانت ممنوعة ويواجه المشاركون فيها الاعتقال والتعذيب)، إلى كرنفال ثقافي واجتماعي جامع بعد 2003 يوظَّف في إبراز قوة التلاحم الشيعي وعرض الخدمات الثقافية. كما تشير الدراسة إلى البعد العالمي الراهن للمسيرة، إذ شارك في أربعينية 2018م مثلا زوار من أكثر من 29 جنسية مختلفة، وتجاوز عددهم 20 مليون، ما يجعلها حدثًا دوليًا بحق يتخطى حدود المذهب الواحد. وتناقش الدراسة أيضًا أن رفع أعلام بلدان متعددة في المسيرة بات تقليدًا، في دلالة على أن الولاء للحسين يجمع جنسيات شتى تحت راية إنسانية مشتركة.
كذلك اهتم باحثون بدراسة الدوافع النفسية والاجتماعية لهؤلاء الملايين من السائرين لأيام في ظروف مناخية قاسية. نُشرت مثلاً دراسة عام 2022 (في مجلة أبحاث العلوم الاجتماعية) استخدمت المنهج الظواهري لمقابلة مجموعة من المشاة في الأربعين، فوجدت أن الحافز الأساسي لديهم مزيج من **الولاء الروحي (الإخلاص للإمام الحسين) والشعور بالانتماء المجتمعي (الأمة الشيعية)**. وأن الكثيرين يصفون التجربة بأنها تحولية على المستوى الشخصي؛ فهي تعلمهم الصبر والإيثار وترسخ فيهم قيم الدين عمليا أثناء الخدمة في المواكب أو تحمل العناء. وعلّق أحد الباحثين بأن الأربعين "أكبر تحدٍ لنظرية العلمنة"، إذ بينما يرى البعض أن الدين يتراجع عالميًا، يثبت هذا التجمع أن التدين الشعبي يمكن أن يبلغ مدى يفوق الخيال في العصر الحديث.
وعلى الصعيد السياسي الراهن، باتت زيارة الأربعين محط تحليل إستراتيجي أيضًا. فقد عُقدت مؤتمرات أكاديمية في السنوات الأخيرة (مثل مؤتمر عقدته جامعة كوفنتري البريطانية 2019) لمناقشة أثر الأربعين على بناء السلام والتعايش، حيث يُظهر التنظيم الذاتي الناجح للمسيرة إمكانية تطبيق مبادئها (كالتعاون الأهلي والتطوع) في إعادة بناء المجتمعات ما بعد النزاع. وأشار البعض إلى أن الترحيب العراقي بملايين الإيرانيين الوافدين للأربعين سنويًا لعب دورًا إيجابيًا في تقريب المجتمعين العراقي والإيراني وتخفيف حدة التوترات السياسية بين البلدين، حيث يختلط الناس عفويًا ويتشاركون المناسبات.
من جهة أخرى، تتناول بعض الدراسات النقدية جانب ترشيد الشعائر؛ فهناك كتابات عن ظواهر كالضرب بالسلاسل والتطبير (إسالة الدماء) التي تصاحب عاشوراء في بعض المناطق، وانتقادها من فقهاء معاصرين أمثال السيد علي الخامنئي الذي أصدر فتوى بمنع التطبير في إيران منذ 1994م. وهذه الجزئية تكشف حوارًا داخليًا في الأوساط الشيعية حول تحديث الممارسات التقليدية وتوجيهها بما لا يشوّه الصورة العامة. لكنها لا تمس جوهر الزيارة والحزن على الحسين.
كذلك اهتم باحثون بدور المرجعية الدينية في إدامة وإدارة زخم كربلاء. فمثلاً، أبرزت إحدى الدراسات دور fatwas علماء النجف في النصف الأول من القرن العشرين في تشجيع زيارة عاشوراء وتنظيم المواكب، وكيف أدى ذلك إلى الحفاظ على هوية المجتمع خلال حقبة الاستعمار. وفي العصر الحالي، تسلط دراسات الضوء على دور المرجعية العليا (مثل السيد السيستاني) في استخدام خطاب كربلاء لتعبئة الناس ضد الإرهاب عام 2014، حين أصدر فتواه الشهيرة بالجهاد الكفائي، وقد استحضر روح الحسين حينها بشكل ضمني لتقوية عزائم المقاتلين.
من الدراسات الحديثة أيضًا ما يتناول الاقتصاد الاجتماعي للزيارة. فملايين البشر الذين ينتقلون نحو بقعة جغرافية محدودة خلال فترة قصيرة يخلقون تحديات لوجستية وفرصًا اقتصادية. هناك بحوث إحصائية عن تأثير الزيارة في اقتصاد كربلاء: من ازدهار الفندقة والتجارة موسمياً، وكذلك الكلفة التي يتحملها الأهالي بمحض إرادتهم لخدمة الزوار، والتي قدّرتها بعض الدراسات بمئات ملايين الدولارات من الإنفاق الشعبي السنوي (على الطعام والخدمات المجانية). هذه الظاهرة فريدة بحيث أن اقتصاد كربلاء أصبح يوصف بأنه "اقتصاد الزيارة" الذي يعتمد بشكل كبير على عطايا الناس ومساهماتهم التطوعية، بما يشبه اقتصاد مواسم الحج قديمًا ولكن بنموذج لا مركزي.
ولا يفوتنا ذكر الدور الإعلامي؛ فقد رصدت دراسات في علوم الإعلام تحول الأربعين إلى حدث إعلامي عالمي تدريجيًا. إذ تنقل محطات كبرى مشاهد المسيرة، وتحظى بملايين التغريدات على وسائل التواصل. وتبحث هذه الدراسات في صورة الشيعة التي تبثها مشاهد الحشود المليونية: حيث يظهرون كجماعة متماسكة ذات إيمان عميق وتفانٍ، بدل الصورة النمطية العنيفة التي خلفتها حقبة الاحتراب الطائفي. بهذا المعنى، اعتُبرت الأربعين "القوة الناعمة للشيعة" عالميًا.
في الختام، تؤكد البحوث الأكاديمية الحديثة مجتمعةً على أن ظاهرة كربلاء وزيارة قبر الحسين ليست مجرد بقايا تراث تاريخي، بل هي ظاهرة حية ديناميكية تحمل أبعادًا متعددة: روحية واجتماعية وسياسية. وتُظهر هذه الدراسات كيف تطورت معاني ودلالات الزيارة عبر الزمن من ظرف تاريخي لآخر، وكيف حافظت في الوقت ذاته على جوهر ثابت هو إحياء ذكرى ثورة الحسين واستلهام دروسها. ولعل أكبر دليل على حيوية هذه الظاهرة هو استمرار توسع زيارة الأربعين سنة بعد أخرى، وتحول كربلاء إلى مرمز عالمي للسلام والتضامن يدرس الأكاديميون تفاصيله باهتمام وإعجاب. إنها بحق ظاهرة تستحق المزيد من البحث والتأمل لفهم كنه القوة الكامنة التي تجعل ملايين البشر يسيرون نحو بقعة واحدة مدفوعين بقيم الحب والإيمان والولاء. وكما قال أحد الباحثين الغربيين عندما شهد المسيرة ميدانيًا: *"عند كربلاء تسقط كل نظريات تراجع الدين... فالروحانية هنا تتحول إلى فعل ملموس يصنع مجتمعًا بأكمله"*.
خاتمة
تظهر رحلة البحث عبر تاريخ قبر الإمام الحسين في كربلاء حجم الأثر العميق لهذا المكان في قلوب الملايين وعلى مسار التاريخ الإسلامي. فمنذ اللحظة المأساوية لاستشهاد الحسين ودفنه في أرض الطف عام 61هـ، تحول قبره إلى منارة للهداية وذاكرة حية للثورة على الظلم. ورغم ما تعرض له المرقد من محاولات الإخفاء والهدم والقمع – من جيوش المتوكل إلى غزوات الوهابيين وصولًا لاضطهاد البعث – إلا أنه نهض في كل مرة كطائر الفينيق، لتعلو قبته من جديد ويصدح الأذان من مآذنه، ويحتضن جموع الزائرين والموالين.
لقد شهدنا في هذا البحث كيف تضافرت العوامل التاريخية والسياسية والمذهبية في تشكيل مصير مرقد الحسين. ففي العهود التي تعاطفت معه السلطة أو على الأقل تسامحت، ازدهر عمرانه واتسعت قاعدته الشعبية. أما في الأزمان التي خافته السلطات فجابهته بالقوة، فقد تحمل الشيعة الأهوال ولم يتركوا زيارة الحسين، بل زادهم المنع إصرارًا حتى صار التحدي جزءًا من هوية الزيارة ذاتها. ولهذا باتت كربلاء مرادفة للصمود؛ فإن كان الحسين قد صمد حتى آخر رمق في ساحة المعركة، فإن محبيه صمدوا عبر القرون في ساحة الذاكرة والولاء محافظين على عهدهم له.
كما بيّنا أن البعد الرمزي والروحي لقبر الحسين هو ما أمدّه بطاقة البقاء. فالحسين في الوجدان الإسلامي مثال حي للحق المغدور المنتصر معنويًا. وزيارة قبره لم تكن قط مجرد فعل طقوسي، بل هي تجديد ميثاق مع مبادئه. من هنا نفهم كيف تحولت كربلاء إلى مركز لهوية اجتماعية كاملة المعالم، لها طقوسها وزيها وخطابها وعلاماتها المميزة. وأصبحت ثقافة كربلاء ثقافة عالمية يتردد صداها أينما وُجد محبّو آل البيت، من إيران والعراق إلى شبه القارة الهندية وحتى في المهجر الغربي.
ومن منظور الدراسات الحديثة، تكشف لنا ظاهرة زيارة الأربعين عن قابلية الموروث الديني للتجدد والتكيف مع العصر، بل وللتأثير عالميًا. فهذه الملايين الهادرة نحو كربلاء تقدم رسالة إنسانية ملهمة حول قوة الإيمان عندما يمتزج بالمحبة والعمل التطوعي. إنها تذكر العالم بأن قيمًا كالتضحية والإيثار ما تزال حية، وبأن ذكرى رجل قُتل قبل أكثر من 1300 عام يمكن أن تحرك نفوس البشر في القرن الحادي والعشرين. وهذه بحد ذاتها حقيقة تدعو للتأمل العميق: ما السر في أن قبرًا واحدًا تحوّل إلى قبلة لقلوب هذا العدد الهائل من الناس عبر الأزمان؟ لا شك أن الإجابة تكمن في شخصية صاحب القبر وعظمة مبادئه وخلود قصته التي اختزلت معنى الانتصار الأخلاقي في أحلك اللحظات.
لقد حاول هذا البحث تقديم رؤية شاملة قدر الإمكان للجوانب التاريخية والمعنوية والاجتماعية المرتبطة بقبر الإمام الحسين. ومع ذلك، تبقى هناك آفاق رحبة لمزيد من البحث والتقصي. فكربلاء كحدث وكظاهرة ثقافية موضوع متشعب المجالات: يمكن دراسة خطابها الأدبي (في الشعر والمراثي)، وفن العمارة والزخرفة في المرقد عبر العصور، وديموغرافية المدينة وتطورها بسبب الزيارة، وغيرها كثير. كما أن تتبع صدى كربلاء في المجتمعات غير الشيعية، وتأثيرها مثلاً في الأدب السني أو حتى غير الإسلامي، موضوع مهم يستحق العناية.
وفي النهاية، يحق لنا القول إن قبر الإمام الحسين ليس مجرد أثر جامد في أرض كربلاء، بل هو كيان نابض يحمل رسالة خالدة. تلك الرسالة التي لخصها الإمام الحسين نفسه بكلماته الخالدة: "إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" – أصبحت شعلة نور عبر الأجيال. فسلامٌ على الحسين يوم وُلد ويوم استُشهد ويوم يبعث حيًا، وسلام على قبر الحسين الذي بقي علامة للهداية وملاذًا للأحرار، تتعلم البشرية منه جيلاً بعد جيل معنى الكرامة والإباء.
المصادر والمراجع:
- الطبري، تاريخ الرسل والملوك – روايات واقعة كربلاء ودفن الإمام الحسين (61هـ).
- ابن الأثير، الكامل في التاريخ – حوادث سنة 236هـ (هدم المتوكل لقبر الحسين).
- ابن قولويه القمي، كامل الزيارات – (أحاديث فضل زيارة الحسين وفضل تربته).
- المجلسي، بحار الأنوار – (تفصيل روايات دفن الإمام السجاد لأبيه الحسين بمساعدة بني أسد).
- سibtayn (موقع مركز سبطين): "History of the Shrines at Karbala" – تسلسل زمني لعمران مرقد الحسين عبر العصور.
- Nafasul Mahmum, ترجمة عباس القمي (موقع al-islam.org) – فصل "اضطهاد الخلفاء لقبر الحسين" (نقلًا عن تاريخ ابن الأثير).
- Juan Cole & Moojan Momen, "Mafia, Mob and Shiism in Iraq: The Rebellion of Ottoman Karbala 1824-1843", Past & Present, No. 112 (1986) – (دراسة أكاديمية مفصلة عن حادثة كربلاء 1843م وخلفياتها الاجتماعية).
- Wikipedia (En): "Husayn ibn Ali" – (أقسام: ضريح الحسين، إحياء ذكرى كربلاء).
- Wikipedia (En): "Wahhabi sack of Karbala" – (وصف الهجوم الوهابي سنة 1802م وأعداد القتلى ونهب الضريح).
- Wikipedia (عربي): "انتفاضة صفر 1977" – (توثيق أحداث منع زيارة الأربعين سنة 1977 وانتفاضة الزوار ضد الحظر).
- Yitzhak Nakash, The Shi'is of Iraq, Princeton Univ. Press, 1994 – (تحليل تاريخي اجتماعي لشعائر عاشوراء وزيارات العتبات في بناء الهوية الشيعية العراقية).
- Richard McCallum, "Observing the Arbaeen", Centre for Muslim-Christian Studies, Oxford, 2024 – (انطباعات سوسيولوجية عن مشاركة ميدانية في زيارة الأربعين لعام 2023، وأرقام المقارنة مع الحج وغيرها).
- Soodeh Mansouri, "Arbaeen Walk: From Sectarian Ritual to Global Pilgrimage", global-e Journal, Feb 2024, Vol. 15 Issue 9 – (دراسة أكاديمية حديثة ترصد تحوّل دلالات الأربعين من حقبة ما قبل 2003 إلى ما بعدها).
- استطلاعات رأي أكاديمية (منشورة في Journal of Contemporary Research on Islam, 2021) – حول دوافع ومعاني السير في الأربعين لدى المشاركين (خلصت إلى محورية الدافع الإيماني والشعور الجمعي للأمة).
- تقارير منظمة Human Rights Watch عن انتفاضة 1991 في جنوب العراق – (توثيق الأضرار التي لحقت بالعتبات أثناء قمع نظام صدام للانتفاضة).
- موقع العتبة الحسينية الرسمي (imamhussain.org) – أخبار وإحصاءات عن زيارات الأربعين في السنوات الأخيرة (مثلا إحصاء 22 مليون زائر عام 2023).
- دراسات أخرى متنوعة: منها مقالة Abdulaziz Sachedina حول فلسفة الثورة الحسينية، وأطروحات دكتوراه عن طقوس عاشوراء وتأثيرها الاجتماعي (جامعة لندن، 2013)، وغيرها مما استفدنا من خلاصاتها خلال البحث.
*(انتهى)*

0 تعليقات