التلقيح الاصطناعي: دراسة فقهية معاصرة استنادًا إلى آراء السيد السيستاني - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 26, 2024 أغسطس 26, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 التلقيح الاصطناعي: دراسة فقهية معاصرة استنادًا إلى آراء السيد السيستاني


فاضل عباس الريس

مقدمة

في ظل التطور الطبي المتسارع، برزت تقنية التلقيح الاصطناعي كحل فعال لمشكلة العقم التي يعاني منها العديد من الأزواج. ومع ذلك، فإن هذه التقنية تحمل في طياتها إشكاليات أخلاقية ودينية تستدعي البحث الفقهي المتعمق. في هذا البحث، سنستعرض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتلقيح الاصطناعي، بالاستناد إلى آراء المرجع الديني السيد علي السيستاني، مع التركيز على الجوانب العلمية والاجتماعية ذات الصلة.

الفصل الأول: التلقيح بمني غير الزوج

يُحرم شرعًا تلقيح المرأة بمني غير زوجها، سواء كانت متزوجة أم لا، وسواء تم ذلك برضا الزوجين أم لا، ويشمل هذا التحريم الحالات التي يتم فيها التلقيح بواسطة الزوج أو غيره. هذا الحكم الشرعي يستند إلى مبدأ الحفاظ على النسب والأسرة، ويعتبر التلقيح بمني غير الزوج خرقًا لهذا المبدأ.

وفي حالة حدوث الحمل بمني غير الزوج عن طريق الخطأ، كما لو أُريد تلقيح المرأة بمني زوجها فاشتبه بغيره، فإن الطفل ينسب إلى صاحب المني، ولا إشكال في ذلك، إذ يعتبر هذا الوضع مشابهًا للوطء بشبهة. هذا الحكم يظهر مرونة الشرع في التعامل مع الحالات الاستثنائية التي قد تحدث نتيجة للخطأ البشري.

أما إذا حدث الحمل عن عمد، فإن الطفل ينسب أيضًا إلى صاحب المني، وتثبت بينهما جميع أحكام الأبوة والبنوة، بما في ذلك الإرث. هذا الحكم يثير تساؤلات حول التوازن بين الحفاظ على النسب وحماية حقوق الطفل المولود في هذه الظروف، ويظهر أهمية التفريق بين الفعل المحرم وآثاره.

وفي جميع الأحوال، ينتسب الطفل إلى أمه، حتى في حالة التلقيح بمني غير الزوج، ولا فرق بينه وبين سائر أولادها في الحقوق والواجبات. هذا الحكم يؤكد على مكانة الأمومة وأهمية الرابطة البيولوجية بين الأم وطفلها.

الفصل الثاني: التلقيح خارج الرحم

يتناول هذا الفصل تقنيات التلقيح التي تتم خارج الرحم الطبيعي للمرأة، والتي تطرح تحديات فقهية جديدة تتطلب الاجتهاد الفقهي المعاصر.

إذا تم تلقيح بويضة المرأة بحويمن الرجل خارج الرحم، سواء في رحم صناعي أو بيئة ملائمة أخرى، ونشأ الطفل، فإنه ينسب إلى صاحب الحويمن وصاحبة البويضة، وتثبت بينهم جميع أحكام النسب، بما في ذلك الإرث. ومع ذلك، لا يرث الطفل ممن مات من والديه قبل عملية التلقيح. هذا الحكم يثير تساؤلات حول بداية الحياة وحقوق الجنين، ويظهر أهمية التمييز بين التلقيح كعملية طبية وبين الولادة كحدث شرعي يترتب عليه آثار قانونية.

أما إذا تم نقل بويضة المرأة الملقحة بحويمن الرجل إلى رحم امرأة أخرى، فينشأ الطفل وينسب إلى صاحب الحويمن وصاحبة البويضة، ويحتاط في أحكام الأمومة والبنوة المتعلقة بصاحبة الرحم. ومع ذلك، تثبت المحرمية بين الطفل وصاحبة الرحم، حتى لو لم يحكم بانتسابه إليها. هذا الحكم يعكس حرص الشرع على مراعاة العلاقات الاجتماعية والأخلاقية التي تنشأ نتيجة لهذه العمليات الطبية المعقدة، ويظهر أهمية التوفيق بين النصوص الشرعية والواقع المعاصر.

الفصل الثالث: تلقيح المرأة بمني زوجها

يُعد تلقيح المرأة صناعيًا بمني زوجها أمرًا جائزًا شرعًا ما دام الزوج حيًا. ومع ذلك، يحرم ذلك بعد وفاته إلا في حالات الضرورة القصوى، كأن يكون الزوج قد أوصى بذلك أو كان هناك خطر على صحة المرأة في حالة عدم الإنجاب. هذا الحكم يظهر أهمية استمرار الحياة الزوجية حتى بعد الوفاة، ويراعي الظروف الخاصة التي قد تستدعي اللجوء إلى التلقيح بعد وفاة الزوج.

وحكم الطفل المولود بهذه الطريقة حكم سائر أولاد الزوجين، إلا إذا كان التلقيح بعد وفاة الزوج، فإنه لا يرث منه في هذه الحالة. هذا الحكم يثير تساؤلات حول حقوق الطفل المولود بعد وفاة والده وتأثير التقدم الطبي على المفاهيم التقليدية للإرث والنسب، ويظهر أهمية مراجعة الأحكام الشرعية في ضوء التطورات العلمية.

وفيما يتعلق بإجراء عملية التلقيح، يجب أن يكون المباشر لها هو الزوج، إلا إذا لم يتيسر للمرأة الحمل بغير ذلك وكان الصبر على عدم الإنجاب حرجيًا عليها، فيجوز لها أن يقوم بها طبيب غير الزوج مع مراعاة الضوابط الشرعية. هذا الحكم يراعي خصوصية المرأة ويحفظ كرامتها، ويظهر مرونة الشرع في التعامل مع الحالات الاستثنائية.

الخاتمة

في ضوء استعراض آراء السيد السيستاني، يتضح أن التلقيح الاصطناعي يمثل تحديًا فقهيًا معاصرًا يتطلب دراسة متعمقة ومتوازنة. وتؤكد هذه الآراء على أهمية الحفاظ على النسب وحماية حقوق الطفل، مع مراعاة التطورات الطبية والاجتماعية.

وينبغي التأكيد على أن هذا البحث استند إلى آراء السيد السيستاني كما وردت في كتابه "المسائل المنتخبة"، وقد تختلف آراء المراجع الأخرى في بعض التفاصيل. لذا، ينبغي على المكلف الرجوع إلى مرجعه في المسائل الشرعية.

كما يجب التأكيد على أن التقدم الطبي يفرض على الفقهاء والعلماء تحديات جديدة تتطلب منهم الاجتهاد والتأمل في ضوء النصوص الشرعية والمقاصد العامة للشريعة، مع مراعاة التطورات العلمية والاجتماعية.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/