التقليد في الفقه الشيعي: بحث وفق رؤية السيد السيستاني - فاضل الريس

إنارات فقهية أغسطس 26, 2024 أغسطس 26, 2024
للقراءة
كلمة
0 تعليق
نبذة عن المقال:
-A A +A

 

التقليد في الفقه الشيعي: بحث وفق رؤية السيد السيستاني


فاضل عباس الريس 

مقدمة

يُعد التقليد في الفقه الشيعي أحد المرتكزات الأساسية التي تضمن للمكلف الوصول إلى الأحكام الشرعية وتطبيقها في حياته اليومية. ويأتي هذا البحث ليسلط الضوء على مفهوم التقليد وأبعاده المختلفة، مستندًا إلى آراء المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، كما وردت في كتابه "المسائل المنتخبة". ويسعى هذا البحث إلى تقديم تحليل معمق وشامل لهذا الموضوع الحيوي. 

الفصل الأول: الاجتهاد والتقليد - الأسس والمفاهيم

في هذا الفصل، نتناول المفاهيم الأساسية للاجتهاد والتقليد، ونستكشف العلاقة التكاملية بينهما في سياق الفقه الشيعي.

  • الاجتهاد والتقليد: تعريف وتمايز

الاجتهاد هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المعتبرة، وهي عملية تتطلب معرفة عميقة بالعلوم الإسلامية وأدوات الاستدلال الفقهي. أما التقليد، فهو الأخذ بفتوى المجتهد الجامع للشروط، والعمل بمقتضاها في العبادات والمعاملات.

  • أقسام المقلدين

ينقسم المقلدون إلى فئتين رئيسيتين:

  1. العامي: وهو الذي يفتقر إلى المعرفة بمدارك الأحكام الشرعية.
  2. المتخصص: وهو الذي يمتلك بعض المعرفة بمدارك الأحكام، لكنه لا يقدر على استنباط الأحكام بنفسه.
  • الاجتهاد: واجب كفائي

يعتبر الاجتهاد واجبًا كفائيًا، أي أنه إذا قام به عدد كافٍ من المؤهلين، سقط الإثم عن الباقين. وهذا يؤكد أهمية وجود مجتهدين مؤهلين في المجتمع الإسلامي لضمان استمرار عملية استنباط الأحكام وتجديدها.

  • الاحتياط: ضمان للبراءة

الاحتياط هو اتخاذ جانب الحيطة والحذر في الأمور الشرعية، وذلك بالعمل بما يضمن للمكلف براءة الذمة من الإثم. وينقسم الاحتياط إلى نوعين: الاحتياط المطلق، الذي يتطلب العمل بكل ما يحتمل وجوبه، والاحتياط النسبي، الذي يتعلق بالمفاضلة بين فتاوى المجتهدين.

  • وظيفة غير المجتهد: التقليد أو الاحتياط

بالنسبة للمكلف غير القادر على الاجتهاد، يتعين عليه إما تقليد مجتهد جامع للشروط، أو العمل بالاحتياط في الأمور التي لا تتضح له فيها الأحكام الشرعية.

الفصل الثاني: شروط التقليد وآثاره

في هذا الفصل، نتعمق في شروط التقليد وآثاره، ونستعرض الأحكام المتعلقة بوفاة المجتهد وتعدد المجتهدين.

  • المجتهد: المطلق والمتجزئ

ينقسم المجتهدون إلى نوعين:

  1. المجتهد المطلق: وهو القادر على استنباط الأحكام في جميع أبواب الفقه.
  2. المجتهد المتجزئ: وهو القادر على الاستنباط في بعض الأبواب دون الأخرى.
  • المسائل الواجب تعلمها

يتعين على المكلف تعلم أحكام المسائل التي يحتمل ابتلاءه بها في حياته اليومية، وذلك لضمان تطبيق الأحكام الشرعية بشكل صحيح.

  • بطلان العمل بلا تقليد أو احتياط

لا يصح للمكلف غير المجتهد العمل بلا تقليد أو احتياط، إلا إذا كان متيقنًا من موافقة عمله لفتوى المجتهد الذي يقلده.

  • طرق تحصيل فتوى المجتهد

يمكن للمكلف تحصيل فتوى المجتهد من خلال عدة طرق:

  1. سماع الفتوى مباشرة من المجتهد.
  2. النقل الموثوق عن المجتهد من قبل شخصين عدلين أو شخص واحد موثوق.
  3. الرجوع إلى الرسالة العملية للمجتهد.
  • آثار وفاة المجتهد على المقلد

إذا توفي المجتهد الذي يقلده المكلف، فإن كان المكلف جاهلاً بوفاته واستمر في العمل بفتواه، ثم علم بوفاته ورجع إلى مجتهد حي، فإن أعماله السابقة تكون صحيحة إذا جاز له البقاء على تقليد المتوفى بحسب فتوى الحي. وإلا، تعين عليه الرجوع إلى المجتهد الحي في شأن أعماله السابقة.

  • جواز العمل بالاحتياط

يجوز للمكلف العمل بالاحتياط في الحالات التي لا تتضح له فيها الأحكام الشرعية، سواء تطلب ذلك تكرار العمل أم لا.

  • حالات تعذر الاحتياط

قد يتعذر على المكلف العمل بالاحتياط في بعض الحالات، إما لعدم قدرته على تمييز ما يقتضيه الاحتياط، أو لتضارب الاحتياطات. وفي هذه الحالات، يتعين عليه إما الاجتهاد أو التقليد.

  • وجوب تقليد الأعلم في مسألة العدول

إذا كان المجتهد الذي يقلده المكلف يفتي بحرمة العدول عنه إلى مجتهد آخر حتى لو كان أعلم، ففي هذه الحالة يجب على المكلف تقليد الأعلم.

الفصل الثالث: شروط المجتهد وأحكام تقليده

في هذا الفصل، نستعرض شروط المجتهد الذي يجوز تقليده، ونتناول الأحكام المتعلقة بتقليد المجتهد الميت.

  • صحة تقليد الصبي المميز

يجوز للصبي المميز تقليد المجتهد، وإذا توفي المجتهد قبل بلوغ الصبي، فإن حكمه يكون حكم غيره من المقلدين.

  • شروط المجتهد

يشترط في المجتهد الذي يجوز تقليده أن تتوافر فيه الشروط التالية:

  1. - البلوغ.
    2- العقل.
    3- الذكورة.
    4- طهارة المولد، بأن تكون ولادته قد تمّت وفق الضوابط الشرعيّة، أي من غير سفاح.
    5- الإيمان، بأن يكون من أتباع مذهب الإماميّة الاثني عشريّة.
    6- العدالة، ونعني بها الاستقامة على خطّ الإسلام وعدم الانحراف عنه، بأن يؤدّي ما هو الواجب عليه في الشريعة ويتجنّب ما هو المحرّم عليه فيها.
    7- الضبط، ونعني به أن لا تعرض عليه كثيراً حالات الخطأ والنسيان والغفلة فيما يمسّ اختصاصه الفقهي.
  • تقليد المجتهد الميت: الابتدائي والباقي

ينقسم تقليد المجتهد الميت إلى قسمين:

  1. التقليد الابتدائي: وهو تقليد المجتهد بعد وفاته دون أن يكون المكلف قد قلده في حياته.
  2. التقليد الباقي: وهو استمرار المكلف في تقليد المجتهد بعد وفاته، بعد أن كان قد قلده في حياته.
  • عدم جواز تقليد الميت ابتداءً

لا يجوز للمكلف تقليد المجتهد الميت ابتداءً، حتى لو كان أعلم من الأحياء.

  • جواز البقاء على تقليد الميت

يجوز للمكلف البقاء على تقليد المجتهد الميت، ما لم يعلم بوجود اختلاف بين فتوى الميت وفتوى الحي في المسائل التي يحتمل ابتلاءه بها. وفي حالة وجود اختلاف، يجب عليه الرجوع إلى الأعلم منهما.

  • عدم جواز العدول إلى الميت ثانياً

إذا عدل المكلف عن تقليد الميت إلى تقليد الحي، فلا يجوز له العودة إلى تقليد الميت مرة أخرى، إلا في حالات استثنائية.

الفصل الرابع: الأعلمية والاحتياط

في هذا الفصل، نناقش مفهوم الأعلمية وكيفية تحديدها، ونتناول أنواع الاحتياط وأحكامه.

  • الأعلم: التعريف والتحديد

الأعلم هو المجتهد الأكثر قدرة على استنباط الأحكام الشرعية، وذلك بفضل إحاطته الواسعة بالمدارك الفقهية وقدرته على تطبيقها. ويجب على المكلف الرجوع إلى أهل الخبرة لتحديد الأعلم.

  • تعدد المجتهدين

في حالة تعدد المجتهدين الجامعين للشروط، هناك حالتان:

  1. عدم العلم بالاختلاف: إذا لم يعلم المكلف بوجود اختلاف بين المجتهدين في الفتاوى، جاز له تقليد أي منهم.
  2. العلم بالاختلاف: إذا علم المكلف بوجود اختلاف، وجب عليه تقليد الأعلم، أو الاحتياط بين أقوالهم في حالة تعذر تحديد الأعلم.
  • عدم وجود فتوى للأعلم

إذا لم يجد المكلف فتوى للأعلم في مسألة معينة، جاز له الرجوع إلى غيره من المجتهدين، مع مراعاة الترتيب في الأعلمية.

  • طرق ثبوت الاجتهاد والأعلمية

يثبت الاجتهاد أو الأعلمية بأحد طريقين:

  1. العلم اليقيني أو الاطمئنان الحاصل من القرائن العقلية.
  2. شهادة عادلين.
  • أنواع الاحتياط

ينقسم الاحتياط إلى نوعين:

  1. الاحتياط الواجب: وهو الاحتياط الذي يجب على المكلف العمل به في حالة الشك في الحكم الشرعي.
  2. الاحتياط المستحب: وهو الاحتياط الذي يستحب للمكلف العمل به، ولكنه غير ملزم.
  • حكم العمل بالاحتياط

يجب على المكلف العمل بالاحتياط الواجب، إما بالرجوع إلى فتوى الأعلم أو بالعمل بما يضمن له براءة الذمة. أما الاحتياط المستحب، فيستحب له العمل به، ولكنه غير ملزم.

الخاتمة

في ختام هذه الدراسة، نؤكد على أن التقليد في الفقه الشيعي ليس مجرد مسألة فقهية نظرية، بل هو آلية عملية تضمن للمكلف الوصول إلى الأحكام الشرعية وتطبيقها في حياته اليومية. وقد استعرضنا في هذا البحث أبعاد التقليد المختلفة، بدءًا من تعريفه ومفهومه، مرورًا بشروطه وآثاره، وصولًا إلى مسألة الأعلمية والاحتياط.

وقد اعتمدنا في هذا البحث على آراء المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، كما وردت في كتابه "المسائل المنتخبة". وتميزت هذه الدراسة بتقديم تحليل معمق وشامل لمفهوم التقليد، مع مراعاة الدقة العلمية والأسلوب الأكاديمي.

ونتمنى أن يكون هذا البحث قد ساهم في إثراء فهمنا لمسألة التقليد في الفقه الشيعي، وألقى الضوء على أهميتها في حياة المكلف المسلم.

تنبيه:

تجدر الإشارة إلى أن هذا البحث يعتمد على آراء السيد السيستاني، وقد تختلف آراء مراجع آخرين في بعض التفاصيل. لذا، ينبغي على المكلف الرجوع إلى مرجعه في المسائل الشرعية.

المراجع:

  • السيستاني . "المسائل المنتخبة".

كلمة أخيرة

إن مسألة التقليد في الفقه الشيعي تفتح الباب أمام نقاشات فقهية وأصولية واسعة، وتتطلب منا المزيد من البحث والدراسة. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لفهم دينه وتطبيق أحكامه على الوجه الأكمل. والله أعلم.

شارك المقال لتنفع به غيرك

إنارات فقهية

الكاتب إنارات فقهية

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

0 تعليقات

4664961831068661378
https://fadhelalrayes.blogspot.com/