شرح خطبة الإمام علي (ع) بعد وفاة الرسول (ص) - "أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة"
فاضل عباس الريس
مقدمة
في لحظة فارقة من تاريخ الإسلام، وبعد أن أسلم الروح الطاهرة إلى بارئها، وقبض النبي الأمين إلى الرفيق الأعلى، وقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام ، ليخطب في الناس خطبة جامعة، يحثهم فيها على لزوم الحق، واجتناب الفتن، ويبين لهم فيها بعضًا من مكنون علمه وحكمته. فكانت كلماته، كعادتها، نوراً يضيء الدروب، وحكمة تهدي القلوب.
وها نحن اليوم، نقف بين يدي هذه الخطبة المباركة، نستلهم منها العبر، ونستقي منها الدروس، سائلين المولى عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فيما يلي شرح مفصل لهذه الخطبة، نتناول فيه كل جملة بالتحليل اللغوي والمقاصدي، معتمدين على معاجم اللغة العربية المعتبرة، سائلين الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً.
نص الخطبة:
أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.
فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ
بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ.
شرح الخطبة جملة جملة:
الجزء الأول: النهي عن الفتنة
- أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ:
- المعنى اللغوي: يا أيها الناس، اخترقوا أمواج الفتن بسفن النجاة.
- المعنى المقاصدي: يدعو الإمام علي الناس إلى تجنب الفتن والاضطرابات التي قد تحدث بعد وفاة الرسول (ص)، وأن يتخذوا من الحكمة والعقل سفينة للنجاة.
- وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ:
- المعنى اللغوي: وابتعدوا عن طريق التنافر والاختلاف.
- المعنى المقاصدي: يحث الإمام على الابتعاد عن الخلافات والنزاعات التي تؤدي إلى الفرقة والضعف.
- وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ:
- المعنى اللغوي: واتركوا تيجان المفاخرة والتفاخر.
- المعنى المقاصدي: يدعو إلى التواضع وترك التباهي بالأنساب والمقامات، والتركيز على العمل الصالح والتقوى.
- أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ:
- المعنى اللغوي: فاز من نهض بجناح (أي عمل وسعى) أو استسلم (للحكمة والعقل) فأراح نفسه.
- المعنى المقاصدي: يبين أن الفلاح والنجاح يكون إما بالسعي والعمل الجاد، أو بالاستسلام للحكمة والعقل وتجنب الفتن.
- هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا:
- المعنى اللغوي: هذا ماء مالح (أي أمر صعب) ولقمة يختنق بها آكلها.
- المعنى المقاصدي: يشبه الإمام الفتنة بالماء المالح الذي لا يروي العطش، وباللقمة التي تسبب الاختناق، في إشارة إلى صعوبة الخروج منها والضرر الذي تلحقه بصاحبها.
- وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ:
- المعنى اللغوي: ومن يقطف الثمرة قبل نضجها كمن يزرع في أرض غير أرضه.
- المعنى المقاصدي: يشبه الإمام من يسعى للوصول إلى الحكم قبل أوانه بمن يزرع في أرض غير صالحة، في إشارة إلى عدم جدوى هذا السعي وفشله.
الجزء الثاني: خلقه وعلمه
- فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ:
- المعنى اللغوي: فإن تكلمت يقولون حرص على الملك، وإن سكت يقولون جزع من الموت.
- المعنى المقاصدي: يبين الإمام الموقف الصعب الذي يواجهه، حيث يتعرض للنقد سواء تكلم أو سكت، في إشارة إلى صعوبة المرحلة التي تمر بها الأمة.
- هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ:
- المعنى اللغوي: هيهات بعد ما فات! والله إن ابن أبي طالب لأشد أنساً بالموت من الطفل بثدي أمه.
- المعنى المقاصدي: يؤكد الإمام أنه لا يخشى الموت، وأنه أشد قرباً منه من الطفل بثدي أمه، في إشارة إلى شجاعته واستعداده للتضحية.
- بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ:
- المعنى اللغوي: بل إنني أكتنز علماً لو كشفته لاضطربتم اضطراب الأرشية (السفن) في الأمواج العاتية.
- المعنى المقاصدي: يبين الإمام أنه يمتلك علماً واسعاً، لكنه يخفيه حفاظاً على الأمة من الاضطراب، في إشارة إلى حكمته وبعد نظره.
ملخص:
تتناول هذه الخطبة للإمام علي (ع) موضوعين رئيسيين:
- النهي عن الفتنة: يحث الإمام الناس على تجنب الفتن والاختلافات، ويدعوهم إلى اتخاذ الحكمة والعقل طريقاً للنجاة.
- خلقه وعلمه: يوضح الإمام موقفه الصعب بعد وفاة الرسول (ص)، ويؤكد شجاعته واستعداده للتضحية، كما يبين أنه يمتلك علماً واسعاً ولكنه يخفيه حفاظاً على الأمة.
تتميز هذه الخطبة ببلاغتها وفصاحتها، وبأسلوبها الموجز والمعبر، وهي تعكس شخصية الإمام علي (ع) الحكيمة والشجاعة.
- عقائد الشيعة الإمامية
- نهج البلاغة
- الخطب
- الإمام علي
- الفتنة
- الحكمة
- العلم
- الشجاعة
- التضحية

0 تعليقات