اعداد وتقرير : فاضل الريس
مقدمة:
يُعدّ كتاب "لُبّ الأثر في الجبر والقدر" للإمام الخميني، بتقريرٍ وتحقيقٍ من العلامة جعفر السبحاني، من أهمّ الكتب التي تناولت مسألة الجبر والقدر، والتي شغلت الفلاسفة والمتكلمين منذ القدم، حيثُ اختلفت الآراء بين مُفرطٍ ومُفَرِّط، فمنهم من ذهب إلى الجبر مُسلِبًا للإنسان أيّ دورٍ في أفعاله، ومنهم من ذهب إلى التفويض مُؤلِّهًا الإنسان في أفعاله. وقد بيّن الإمام الخمينيّ في هذا الكتاب خطأ كلا المذهبين مُوضِّحًا أنّ مذهب الحقّ هو "الأمر بين الأمرين" الذي تبناه القرآن الكريم والسنة النبوية وأئمة أهل البيت.
الفصل الأول: الجبر والقدر في الفلسفة الإسلامية
تناولت مسألة الجبر والقدر في الفلسفة الإسلامية بالبحث والتحليل من قِبَل العديد من الفلاسفة والمتكلمين، وقد تباينت آراؤهم حول هذه المسألة، فمنهم من قال بالجبر مُسلِبًا من الإنسان إرادته وحريته، ومنهم من قال بالتفويض جاعلًا الإنسان خالقًا لأفعاله. وقد حرص الإمام الخمينيّ في كتابه هذا على بيان خطأ كلا المذهبين مُؤكِّدًا على أنّ مذهب الحقّ هو الأمر بين الأمرين، وأنّ الإنسان مُخيَّرٌ في أفعاله غير مُجبَرٍ عليها، وأنّ الله تعالى هو خالق كلّ شيءٍ بما في ذلك أفعال العباد.
وقد ذكر الإمام الخمينيّ في كتابه أنّ مسألة الجبر والتفويض من المسائل الشائكة التي شغلت بال الحكماء والفلاسفة منذ عصور قديمة، وكانت مطروحة على بساط البحث بين حكماء الأغريق إلى أن طلعت شمس الإسلام وبزغ نوره، فتداولت المسألة بين حكماء الإسلام ومتكلميه نجم عنها فيما بعد، آراء ونظريات بين الإفراط والتفريط.
فمن ذاهب إلى الجبر وأنّ أفعال العباد مخلوقة الله تبارك وتعالى، كخلق أجسامهم وطبائعهم، وليس للعباد فيها صنع حتى قيل بعدم الفرق بين حركة يد الكاتب والمرتعش، إلى آخر ذاهب إلى التفويض وأن أفعال العباد مفوّضة إليهم مخلوقة لهم، لا صلة لها بالله سبحانه سوى أنه أقدر العبد على العمل، وليس له تعالى إرادة ومشيئة متعلقة بأفعالهم بل هي خارجة عن نطاق إرادته ومشيئته.
وقد أقام كل من الطائفتين دلائل وبراهين على مذهبه، والمذهب الحق هو مذهب أئمة أهل البيت من نفي الجبر والقدر، وأن الحقيقة في أفعال العباد هو الأخذ بالأمر بين الأمرين، فلا جبر حتى تُسلب المسؤولية عن الإنسان ليكون بعث الأنبياء سُدى وجهود علماء التربية وزعماء الإصلاح عبثاً، ولا تفويض حتى يُقوّض أصل التوحيد في الخالقية ويُؤلّه الإنسان ويكون خالقاً ثانياً في مجال أفعاله، يخرج بذلك بعض ما في الكون عن إطار إرادة الله ومشيئته.
الفصل الثاني: الجبر والقدر في القرآن الكريم
دلّت العديد من آيات القرآن الكريم على نفي الجبر والقدر، وأنّ الإنسان مُخيَّرٌ في أفعاله مسؤولٌ عنها، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. وقد استدلّ الإمام الخمينيّ بهذه الآيات وغيرها على نفي الجبر والقدر، وأنّ الإنسان هو المسؤول عن أفعاله.
ومن الآيات التي استدلّ بها الإمام الخمينيّ على نفي الجبر قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
الفصل الثالث: الجبر والقدر في السنة النبوية
وردت العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تنفي الجبر والقدر، وتُؤكِّد على حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، منها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كُلُّكُمْ مُلْجَأٌ إِلَى عَمَلِهِ". وقد استشهد الإمام الخمينيّ بهذه الأحاديث وغيرها على نفي الجبر والقدر، وأنّ الإنسان هو المسؤول عن أفعاله.
ومن الأحاديث التي استشهد بها الإمام الخمينيّ على نفي الجبر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ بَاتَ كَالًّا مِنْ عَمَلِهِ بَاتَ مَغْفُورًا لَهُ"، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أُمَّتِي خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ".
الفصل الرابع: الجبر والقدر عند أئمة أهل البيت
أجمع أئمة أهل البيت عليهم السلام على نفي الجبر والقدر، وأنّ الإنسان مُخيَّرٌ في أفعاله غير مُجبَرٍ عليها، وقد وردت عنهم عليهم السلام العديد من الروايات التي تُؤكِّد على ذلك، منها قول الإمام الصادق عليه السلام: "لَا جَبْرَ وَلاَ تَفْوِيضَ وَلكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ". وقد اعتمد الإمام الخمينيّ على هذه الروايات وغيرها في إثبات نفي الجبر والقدر.
ومن الروايات التي استشهد بها الإمام الخمينيّ على نفي الجبر والقدر قول الإمام عليّ عليه السلام: "الْجَبْرُ وَالْقَدَرُ مَذْهَبَانِ بَاطِلَانِ"، وقول الإمام الباقر عليه السلام: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ عِبَادَهُ أَنْ يَجْبُرَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا".
الخاتمة:
يُعدّ كتاب "لُبّ الأثر في الجبر والقدر" للإمام الخمينيّ من أهمّ الكتب التي تناولت مسألة الجبر والقدر، وقد بيّن فيه الإمام الخمينيّ خطأ كلا المذهبين، الجبر والتفويض، مُوضِّحًا أنّ مذهب الحقّ هو الأمر بين الأمرين، وأنّ الإنسان مُخيَّرٌ في أفعاله غير مُجبَرٍ عليها، وأنّ الله تعالى هو خالق كلّ شيءٍ بما في ذلك أفعال العباد. وقد استدلّ الإمام الخمينيّ على ذلك بالقرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال أئمة أهل البيت عليهم السلام.

0 تعليقات