وصف الزهراء للقرآن
وقالت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في وصف القرآن : ( أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه ، وحملة دينه ووحيه ، وأمناء الله على أنفسكم وبلغائه إلى الأمم ، وزعيم حق له فيكم وعهد قدمه إليكم وبقية استخلفها عليكم كتاب الله الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع والضياء اللامع ، بينه بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلية ظواهره ، مغتبط به أشياعه ، قائد إلى الرضوان أتباعه ، مؤد إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنورة ، وعزائمه المفسرة ، ومحارمه المحذرة ، وبيناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصة الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة ) .
ثم شرع ( عليه السلام ) في بيان الملازمة بين القرآن الذي وصفه باشتماله على جميع الأحكام ، وما يحتاجه الإنسان في آخرته ودنياه ، إذ سماه : ( الكتاب الجامع ) ، وبين شرع الإسلام الذي يعتبر القرآن منه أو فيه بمنزلة الروح من الجسد . فذكره بعد ذكر القرآن مباشرة وذلك ينبيك عن عدم الانفصال بينهما ، ووصف الإسلام بأنه نور يستضيء به السالكون ، ويترسم طريقه المهتدون ، ويتبصر به الغافلون . فتنجلي به ظلمات الجاهلية الجهلاء والعشائرية الخرقاء ، والعصبية العمياء . وإليك ما قال فيه سيد البلغاء والمتكلمين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في إحدى روائع خطبه حيث قال : ( ثم أن هذا الإسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه ، واصطنعه على عينه ، وصفاه خيرة خلقه ، وأقام دعائمه على محبته ، وأذل الأديان بعزته ، ووضع الملل برفعه ، وأهان أعداءه بكرامته ، وخذل محاديه بنصره ، وهدم أركان الضلالة بركنه ، وسقى من عطش من حياضه ، وأتأق الحياض بمواتيه . ثم جعله لا انفصام لعروته ، ولا فك لحلقته ، ولا انهدام لإساسه ، ولا زوال لدعائمه ، ولا انقلع لشجرته ، ولا انقطاع لمدته ، ولا عناء لشرائعه ، ولا جذ لفروعه ، ولا ضنك لطرقه ، ولا وعثة لسهولته ، ولا سواد لواضحه ، ولا عوج لانتصابه ، ولا عضل في عوده ، ولا وعث لفجه ، ولا انطفاء لمصابيحه ، ولا مرارة لحلاوته . فهو دعائم أسخ في الحق أسناخها ، وثبت لها أساسها ، وينابيع غزرت عيونها ، ومصابيح شبت نيرانها ، ومنار اقتدى بها سفارها ، وأعلام تصد بها فجاجها ، ومناهل روي بها ورادها . جعل الله فيه منتهى رضوانه ، وذروة دعائمه ، وسنام طاعته ، فهو عند الله وثيق الأركان ، رفيع البنيان ، منير البرهان ، مضئ النيران ، عزيز السلطان ، مشرف المنار ، معوذ المثار . فشرفوه واتبعوه ، وأدوا إليه حقه ، وضعوه مواضعه ) .
هكذا جاء وصف الإسلام - دين الله القويم - عن أهل البيت ( عليهم السلام ) . وقبل ذلك ما جاء التنزيل العزيز ، مثل قوله تعالى : ( ومن يبغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) . وقوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) . وقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) .
إن الإسلام وهو دين الله في الأرض الذي رضيه لجميع خلقه قد تعقب القرون وتخطى الحواجز عبر البيئات المختلفة ، والهويات المتباينة بعناية الله سبحانه ، لأنه الدين القويم والصراط المستقيم . نسخ جميع الأديان السابقة ، وجاء لينظم سلوك الإنسان وعلاقاته وغرائزه ، ليصوغ منه كائناً حياً يرتفع إلى مصاف الملائكة . وسوف يأتي في بحث آخر من أبحاث الكتاب اللاحقة ما يدل على عظمة هذا الدين .
ونعود إلى النص الذي أمامنا لنرى فيه ذكر بعض صفات الباري التي وصفه بها ( وهو للخليقة صانع ) والخليقة كما مر تفسيرها ( الطبيعة ) . فهي مرة تعني طبيعة الإنسان أي خلقته ، ومرة تعني طبيعة الحيوان التي تشمل الإنسان وغيره ، وأخرى تكون ما هو أعم وأشمل .
ثم يصف الباري بما هو أهل له فيصفه بأنه : ( المستعان على الفجائع ) ومعنى ذلك أن الإنسان يلجأ إلى الله في ساعة العسرة . فإن الإنسان بطبيعته وغرائزه إذا ما تأزمت به الحال فإنه يلجأ إلى غيره رغبة في النجاة والإنقاذ ، فإن وجد النجاة من قريب وإلا لجأ إلى البعيد . ويعول الإنسان على عشيرته لأنها أقرب إليه من غيرها وبحكم القرابة والرحم فإنه أقرب إلى اللحمية والشبه منجذب لشبهه .
إن هذه الطبيعة البشرية قد ألف إليها القرآن في مجال التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية بأن أمر نبيه الكريم بدعوة أهله وعشيرته قبل غيرهم وذلك لينتصر بهم في مجال الدفاع عن الدعوة ، وليأمن من معارضتهم قال تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) .
لكنه ( أي الإنسان ) عندما يشتد الخطب به وتضيق الحلقة ، ويدق عليه ناقوس الخطر ، ويعجز الإنسان عن إنقاذه ، وييأس من نجدته يمد عينيه ، ويشخص ببصره نحو السماء ، فلماذا ؟ أنه يلقى بمقاليد الأمور إلى الله ، ويفوضها إليه ، فإنها آخر مندوحة له في النجاة وبذلك يعبر عن الالتجاء إلى الله تعالى ، وهذا آخر سهم في كنانة قوسه .
ولذلك فإن هذه الحالة المتأزمة تجبره على أن يخلص الله في الدعاء ، ويلح في الطلب .
وهذه الحالة أيضاً هي التي يكون فيها الباري تبارك وتعالى أقرب إلى عبده . وقد تعرض القرآن لهذه الظاهرة في طبيعة الإنسان قال تعالى : ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) .
وفي حديث الزنديق مع الإمام الصادق ( عليه السلام ) بما معناه : قال الإمام للزنديق : هل ركبت البحر يوماً ، فلما توسطت البحر عصفت بكم ريح عاتية ؟ قال : نعم حدث لي ذلك . فقال الإمام : هل شعرت بأن نفسك تنشد إلى قوة تنجيك من هذه الورطة ؟ قال : نعم شعرت بذلك . قال الإمام : هذه القوة التي شدّتك إليها في تلك الساعة هو ( الله ) .

0 تعليقات